هجر إمغري
ارتفعت أسعار الذهب في التعاملات العالمية اليوم الخميس، مدفوعة باستمرار ضعف الدولار الأمريكي، في وقت تتجه فيه أنظار المستثمرين إلى مجموعة من البيانات الاقتصادية الأمريكية التي قد تلعب دورا مهما في تحديد مسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، خصوصا مع اقتراب موعد اجتماع مجلس الاحتياطي الاتحادي المقرر منتصف شتنبر الجاري.
وسجل المعدن النفيس تحركا صاعدا في الأسواق، بعدما ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.5 في المائة ليصل إلى 4423.81 دولارا للأوقية، بحلول الساعة 06:59 بتوقيت غرينتش، بينما زادت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم دجنبر بنسبة 0.2 في المائة، لتبلغ 4467.90 دولارا للأوقية.
ويأتي هذا الصعود في وقت يحاول فيه المستثمرون قراءة اتجاهات الاقتصاد الأمريكي من خلال البيانات المرتقبة بشأن التضخم، خاصة أن أي تغير في مستويات الأسعار يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على حسابات مجلس الاحتياطي الاتحادي، وبالتالي على حركة الدولار وأسعار الفائدة والأصول الاستثمارية المختلفة.
ويرتبط أداء الذهب بشكل وثيق بحركة العملة الأمريكية، إذ إن استمرار تراجع الدولار يجعل شراء المعدن النفيس أقل تكلفة بالنسبة إلى المستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى، وهو ما يرفع الطلب عليه ويدعم أسعاره في الأسواق العالمية. ويبدو أن هذه العلاقة كانت أكثر تأثيرا في الجلسة الحالية من عوامل أخرى كانت حاضرة في المشهد الاقتصادي والجيوسياسي.
ويحافظ الدولار حاليا على مستويات ضعيفة، رغم استمرار أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة، وهو ما أعطى الذهب دفعة إضافية خلال التعاملات. ويترقب المتعاملون ما إذا كان هذا الضعف سيستمر خلال الأيام المقبلة، خصوصا مع اقتراب صدور بيانات اقتصادية جديدة يمكن أن تغير توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية الأمريكية.
وتترقب الأسواق صدور بيانات مؤشر أسعار المنتجين في الولايات المتحدة، وهي أرقام ينظر إليها المستثمرون باعتبارها مؤشرا مهما على اتجاه تكاليف الإنتاج والأسعار داخل الاقتصاد الأمريكي. ومن المنتظر أن تصدر هذه البيانات عند الساعة 12:30 بتوقيت غرينتش، قبل أن تتجه الأنظار غدا الجمعة إلى بيانات مؤشر أسعار المستهلكين، التي تعد من أبرز المؤشرات المستخدمة في تقييم مسار التضخم.
وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة في ظل حالة الترقب التي تسبق اجتماع مجلس الاحتياطي الاتحادي يومي 15 و16 شتنبر، حيث يحاول المستثمرون استباق القرار المرتقب بشأن أسعار الفائدة. وتبقى الأسواق شديدة الحساسية لأي مؤشرات قد تدفع البنك المركزي الأمريكي إلى تغيير موقفه أو الإبقاء على سياسته الحالية.
ويرجح معظم الخبراء أن يحافظ مجلس الاحتياطي الاتحادي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه المقبل، كما تشير التوقعات إلى استمرار هذا النهج خلال ما تبقى من العام. غير أن الأسواق لا تستبعد بشكل كامل حدوث مفاجآت، خاصة إذا جاءت بيانات التضخم أو سوق العمل مخالفة للتوقعات الحالية.
وتزداد أهمية الفائدة بالنسبة إلى الذهب بسبب طبيعة هذا المعدن الذي لا يوفر عائدا دوريا مثل السندات أو بعض الأصول المالية الأخرى. ولذلك فإن ارتفاع أسعار الفائدة يجعل الاحتفاظ بالذهب أقل جاذبية نسبيا مقارنة بالأصول التي تمنح عوائد، بينما يمكن أن يستفيد المعدن النفيس عندما تتجه الفائدة إلى الانخفاض أو عندما تتراجع توقعات المستثمرين بشأن استمرار السياسة النقدية المتشددة.
وتشير تقديرات الأسواق إلى وجود ترقب قوي لمسار الفائدة الأمريكية خلال الشهر الجاري، في ظل انقسام التوقعات بشأن الخطوة المقبلة. ويعني ذلك أن صدور البيانات الاقتصادية المرتقبة قد يؤدي إلى تحركات جديدة في أسعار الذهب والدولار، خصوصا إذا جاءت الأرقام أعلى أو أقل بكثير من تقديرات المستثمرين.
وفي المقابل، لم تختف العوامل الجيوسياسية من المشهد، رغم أن تأثيرها الحالي على سوق الذهب يبدو أقل من تأثير الدولار والبيانات الاقتصادية الأمريكية. وتأتي التطورات المرتبطة بمنطقة الخليج ومضيق هرمز في مقدمة الملفات التي يراقبها المستثمرون، بالنظر إلى حساسيتها بالنسبة إلى حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
وتصاعدت خلال الفترة الأخيرة حدة التوترات في المنطقة، مع تبادل الهجمات المرتبطة بحركة الملاحة في محيط مضيق هرمز. وأعلنت إيران تعرضها لهجمات استهدفت سفنا مرتبطة بنقل النفط، في وقت تحدثت فيه عن مهاجمة عشر سفن بالقرب من المضيق، وذلك بالتزامن مع تطورات عسكرية مرتبطة بالولايات المتحدة وحركة الناقلات النفطية.
وتضيف هذه التطورات الجيوسياسية طبقة جديدة من عدم اليقين أمام الأسواق العالمية، خصوصا أن أي اضطراب واسع في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز يمكن أن ينعكس على أسعار الطاقة والتجارة الدولية، وهو ما قد يؤثر بدوره على توقعات التضخم والسياسة النقدية في عدد من الاقتصادات الكبرى.
ومع ذلك، يظل العامل الأكثر حضورا في حركة الذهب خلال التعاملات الحالية هو أداء الدولار وتوقعات الفائدة الأمريكية. ويبدو أن المستثمرين يفضلون مراقبة البيانات الاقتصادية قبل اتخاذ مواقف استثمارية أكبر، خاصة أن المرحلة الحالية تجمع بين أسعار فائدة مرتفعة، وتوقعات متباينة بشأن التضخم، وتوترات جيوسياسية يمكن أن تتطور بسرعة.
وامتد التحرك إلى بقية المعادن النفيسة، حيث سجلت الفضة ارتفاعا بنسبة 0.4 في المائة لتصل إلى 67.52 دولارا للأوقية في المعاملات الفورية. ويعكس هذا الأداء استمرار الاهتمام بالمعادن الثمينة في ظل حالة عدم اليقين التي تهيمن على الأسواق، وإن كانت حركة كل معدن تتأثر أيضا بعوامل خاصة مرتبطة بالطلب الصناعي والاستثماري.
وفي المقابل، تراجع سعر البلاتين بنسبة 0.8 في المائة ليستقر عند 1881.56 دولارا للأوقية، بينما حافظ البلاديوم على استقراره عند مستوى 1353.55 دولارا للأوقية، في وقت بدت فيه تحركات المعادن مختلفة بحسب طبيعة الطلب على كل واحد منها وتفاعل المستثمرين مع التطورات الاقتصادية العالمية.
وتبقى الأنظار خلال الساعات والأيام المقبلة معلقة على بيانات التضخم الأمريكية، باعتبارها عاملا قادرا على إعادة رسم توقعات الأسواق بشأن أسعار الفائدة. فإذا جاءت الأرقام أقل من المتوقع، فقد تتعزز رهانات المستثمرين على تليين السياسة النقدية، وهو سيناريو يمكن أن يمنح الذهب مزيدا من الدعم، خاصة إذا ترافق مع استمرار ضعف الدولار.
أما إذا كشفت البيانات عن استمرار الضغوط التضخمية، فقد تتجه الأسواق إلى إعادة تقييم توقعاتها بشأن الفائدة، وهو ما قد يضغط على الذهب ويمنح العملة الأمريكية دعما إضافيا. وبين هذين الاحتمالين، يواصل المستثمرون مراقبة المؤشرات الاقتصادية بدقة، في محاولة لتحديد الاتجاه المقبل للمعدن النفيس.
ويظهر بذلك أن صعود الذهب في المرحلة الحالية لا يرتبط بعامل واحد فقط، بل يأتي نتيجة تفاعل مجموعة من المؤثرات، في مقدمتها ضعف الدولار، وتوقعات أسعار الفائدة، ومسار التضخم الأمريكي، إلى جانب المخاطر الجيوسياسية التي تفرض نفسها على الاقتصاد العالمي. ولذلك يظل المعدن النفيس في قلب اهتمام المستثمرين، مع اقتراب مواعيد اقتصادية حاسمة قد تحدد اتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة.








التعليقات
0 تعليق