كوثر بوجوال
أنهى مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأربعاء 9 شتنبر 2026 في فيينا، النظر في ملف الضمانات النووية السورية الذي ظل مطروحا أمام المجلس منذ سنة 2011، بعدما اعتبر أن دمشق اتخذت التدابير اللازمة لمعالجة الوضع الذي أدى قبل 15 عاما إلى تسجيل عدم امتثال لالتزاماتها المرتبطة بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
وجاء التحول بعد اعتماد قرار تقدم به الرباعي العربي العضو في مجلس المحافظين، ويضم المغرب والسعودية ومصر والأردن، يقضي باعتبار مقتضيات قرار الوكالة الصادر في 9 يونيو 2011 غير قابلة للتطبيق في المرحلة الحالية، وإنهاء إبقاء الملف السوري كبند مستقل معروض أمام المجلس.
واضطلع المغرب، وفق المعطيات المقدمة، بدور في المشاورات التي سبقت اعتماد القرار، خصوصا مع أعضاء المجلس والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، سعيا إلى التوصل إلى صيغة تحظى بالتوافق.
ماذا قررت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن سوريا؟
ينص القرار الجديد على أن مقتضيات القرار رقم GOV/2011/41 لم تعد قابلة للتطبيق، بعد التطورات التي سجلها التعاون بين السلطات السورية والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وبناء على ذلك، قرر مجلس المحافظين ألا تبقى المسألة المعنونة بـ«تنفيذ اتفاق الضمانات المرتبط بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في الجمهورية العربية السورية» مدرجة باعتبارها ملفا خاصا معروضا عليه.
ويعني ذلك إنهاء النظام الاستثنائي الذي ارتبط بقرار سنة 2011، وإعادة التعامل مع الضمانات النووية في سوريا ضمن الإطار العادي للاتفاق المبرم في سياق معاهدة عدم الانتشار.
ولا يعني القرار إنهاء التزامات سوريا تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو وقف عمليات التحقق، بل عودة الملف إلى إجراءات الضمانات المعتادة بدل استمرار التعامل معه ضمن وضع خاص مرتبط بقرار عدم الامتثال القديم.
ملف الضمانات النووية السورية بدأ سنة 2011
تعود خلفية القضية إلى سنة 2011، عندما خلص مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن بناء منشأة في دير الزور اعتبرها مفاعلا نوويا غير معلن، إلى جانب عدم تقديم المعلومات المطلوبة بشأنها، يشكل عدم امتثال من جانب سوريا لالتزاماتها بموجب اتفاق الضمانات.
وطالب المجلس دمشق آنذاك بمعالجة الوضع وتوفير المعلومات اللازمة للوكالة، إلى جانب السماح بالوصول إلى المواقع المرتبطة بالقضية.
ومنذ ذلك التاريخ، ظل الملف السوري يخضع لمتابعة خاصة داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في انتظار معالجة القضايا التي اعتبرتها المؤسسة الدولية عالقة.
وبقي قرار 2011 المرجعية الأساسية لهذا الوضع إلى أن جاءت التطورات الأخيرة التي مهدت لاعتماد قرار شتنبر 2026.
ما الذي تغير في تعاون دمشق مع الوكالة؟
استند مجلس المحافظين إلى تقرير صادر عن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتاريخ فاتح شتنبر 2026.
ووفقا لهذا التقرير، قدمت سوريا خلال الفترة الأخيرة معلومات وتقارير محدثة، كما أتاحت للوكالة إمكانيات الوصول التي كانت تحتاج إليها لاستكمال بعض أعمال التحقق.
وسمح ذلك، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، بإخضاع مواد نووية لم يكن قد تم التصريح بها سابقا لنظام الضمانات، وإدراجها ضمن أنشطة التحقق العادية للوكالة.
كما حصل المفتشون على توضيحات وأجوبة بشأن قضايا ظلت معلقة، في وقت اتخذت فيه السلطات السورية إجراءات اعتُبرت موجهة لمعالجة الوضع السابق.
مجلس المحافظين يشيد بتعاون سوريا منذ 2025
سجل القرار الجديد ما وصفه مجلس المحافظين بالشفافية والتعاون اللذين أبدتهما السلطات السورية منذ سنة 2025.
وهنأ المجلس دمشق على الإجراءات التي اتخذتها لمعالجة الخرق الذي تم تسجيله في السابق.
ويشكل هذا التقييم تحولا مهما مقارنة بوضع 2011، حين كانت العلاقة بين الوكالة وسوريا محكومة أساسا بأسئلة تتعلق بالمعلومات غير المقدمة والوصول إلى المواقع والمواد النووية غير المصرح بها.
أما المرحلة الحالية، فتتجه، وفق القرار، إلى إعادة الملف إلى المسار الطبيعي للتعاون بين الدولة والوكالة.
المغرب يدفع نحو قرار بالتوافق
كان المغرب أحد الدول الأربع التي تقدمت بمشروع القرار، إلى جانب السعودية ومصر والأردن.
ودعا الوفد المغربي داخل مجلس المحافظين إلى اعتماد النص بالتوافق، انطلاقا من موقف يعتبر أن التطورات الأخيرة تسمح بإنهاء آثار قرار 2011.
ووفق المعطيات المعلنة، ساهم المغرب في الاتصالات مع أعضاء المجلس، ومن بينهم الدول الخمس دائمة العضوية، بهدف الوصول إلى توافق بشأن الصيغة النهائية.
ويبرز هذا الدور الحضور الدبلوماسي المغربي داخل المنظمات الدولية بفيينا، خصوصا في القضايا المرتبطة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية وعدم الانتشار النووي.
عز الدين فرحان يدعم «مرحلة جديدة» مع دمشق
أشاد السفير والممثل الدائم للمغرب لدى المنظمات الدولية في فيينا، عز الدين فرحان، بتقرير المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي، واصفا إياه بالشامل والشفاف.
كما نوه بالتطور الذي عرفه التعاون بين دمشق والوكالة خلال الفترة الأخيرة.
وعبر فرحان عن دعم المغرب للجهود السورية الرامية إلى تسوية المسائل التي ظلت عالقة وتعزيز التعاون مع الوكالة في إطار الحوار والثقة المتبادلة.
واعتبر أن الاتصالات الأخيرة بين السلطات السورية والوكالة، ومن بينها زيارة المدير العام رافاييل غروسي إلى سوريا، يمكن أن تساعد على فتح مرحلة جديدة في العلاقة بين الطرفين.
لماذا يعد القرار مهما بالنسبة لسوريا؟
يضع القرار حدا لوضع خاص استمر منذ 2011، وهو ما يمنح دمشق تطورا دبلوماسيا مهما داخل إحدى أبرز المؤسسات الدولية المعنية بالرقابة على الأنشطة النووية.
فبقاء الملف معروضا بصورة مستقلة أمام مجلس المحافظين كان يعني استمرار الارتباط الرسمي بقرار عدم الامتثال.
أما إغلاق هذا البند، فيعني أن المجلس لم يعد يرى ضرورة لاستمرار الوضع الاستثنائي نفسه، استنادا إلى الإجراءات التي نفذتها سوريا والتعاون الذي سجلته الوكالة.
مع ذلك، تظل سوريا خاضعة لاتفاق الضمانات المرتبط بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مثل بقية الدول الأطراف التي تنطبق عليها التزامات مماثلة.
الضمانات النووية لا تتوقف
من المهم التمييز بين إنهاء النظر في الملف السوري الخاص وبين وقف الرقابة النووية.
فالقرار لا يلغي اتفاق الضمانات ولا يعفي سوريا من التزاماتها.
وتستمر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أنشطة التحقق المرتبطة بالمواد والمنشآت النووية المعلنة، وفق الإطار العادي المعمول به.
أما التغيير الأساسي فهو أن القضايا التي كانت مرتبطة بقرار 2011 لن تبقى موضوعا لنظام خاص أمام مجلس المحافظين.
وبالتالي، ينتقل التعامل مع سوريا إلى وضع أكثر اعتيادية داخل منظومة الضمانات الدولية.
الرباعي العربي يقدم مقاربة مشتركة
يعكس تقديم مشروع القرار من طرف المغرب والسعودية ومصر والأردن تنسيقا عربيا داخل مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
واستندت الدول الأربع إلى التطورات الموثقة في تقرير المدير العام، معتبرة أن استمرار آثار قرار 2011 لم يعد مبررا في ظل الإجراءات التي اتخذتها دمشق.
كما سعى الرباعي إلى أن يكون القرار توافقيا، بدلا من تحويل الملف إلى مواجهة سياسية جديدة داخل المجلس.
وتكتسي هذه النقطة أهمية لأن الملفات النووية داخل الوكالة غالبا ما تخضع لتوازنات سياسية ودبلوماسية دقيقة بين القوى الدولية.
15 عاما بين قرار عدم الامتثال وإنهاء الملف الخاص
يفصل نحو 15 عاما بين القرار الذي اتخذه مجلس المحافظين سنة 2011 والقرار الجديد الصادر في شتنبر 2026.
وخلال هذه الفترة، ظل ملف الضمانات النووية السورية أحد الملفات العالقة داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
لكن المعطيات التي قدمها تقرير شتنبر الحالي غيرت تقييم المجلس، بعدما سجل توفير معلومات وإتاحة الوصول إلى المواقع وإدراج مواد نووية ضمن أنشطة التحقق المنتظمة.
وهو ما سمح للرباعي العربي بالدفع نحو إنهاء الوضع الخاص والعودة إلى الإطار المعتاد لاتفاق الضمانات.
المغرب يسجل حضورا في تسوية الملف
بالنسبة إلى الرباط، يحمل القرار بعدا دبلوماسيا واضحا بالنظر إلى مشاركة المغرب في صياغته والدفع نحو اعتماده بالتوافق.
ويأتي ذلك ضمن نشاط المملكة داخل مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث تؤكد الدبلوماسية المغربية في مواقفها على التوازن بين الاستخدام السلمي للطاقة النووية واحترام التزامات عدم الانتشار والضمانات الدولية.
وفي الحالة السورية، اختار المغرب دعم إنهاء الوضع الخاص بعد اعتبار أن المعطيات الجديدة تسمح بذلك.
وهكذا يطوي مجلس المحافظين صفحة بدأت سنة 2011، مع بقاء الضمانات النووية السورية خاضعة للرقابة العادية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في وقت يفتح فيه القرار مرحلة جديدة في علاقة دمشق بالمؤسسة الدولية بعد سنوات من المتابعة الاستثنائية.









التعليقات
0 تعليق