إعلان
980×90
مساحة إعلانية
اقتصاد

الطاقات المتجددة تعزز فرص جنوب المغرب في المستقبل الأخضر

نُشر في

هجر إمغري

تفتح الطاقات المتجددة في جنوب المغرب آفاقا جديدة أمام المملكة لتعزيز موقعها في مجال الطاقة النظيفة، بعدما أظهرت دراسة علمية حديثة أن أجزاء من الساحل الأطلسي الجنوبي تتوفر على مزيج استثنائي من الموارد الطبيعية القابلة للاستغلال في إنتاج الكهرباء.

وكشفت نتائج الدراسة أن الجمع بين طاقة الرياح والأمواج والإشعاع الشمسي يمكن أن يمنح المناطق الجنوبية قدرة أكبر على مواجهة التقلبات التي عادة ما ترافق الاعتماد على مصدر واحد للطاقة، خصوصا أن الموارد الطبيعية لا تبلغ أعلى مستويات إنتاجها في التوقيت نفسه طوال السنة.

واعتمد الباحثون في تقييمهم على معطيات تمتد لأكثر من أربعة عقود، ما سمح برصد تطور الموارد الطاقية ومقارنتها عبر فترات زمنية طويلة، بدل الاكتفاء بقياسات ظرفية قد لا تعكس طبيعة المنطقة بشكل دقيق. وجرى تحليل البيانات الممتدة بين عامي 1981 و2023، بهدف تحديد المناطق التي تجمع بين وفرة الموارد واستقرارها والتكامل بينها.

وأبرزت النتائج أن المناطق الجنوبية من الساحل الأطلسي المغربي تتقدم على غيرها من المجالات التي خضعت للمقارنة، بعدما سجلت مستويات قوية في الموارد الثلاثة. ويعني ذلك أن المنطقة لا تمتلك فقط إمكانات مهمة في مجال الرياح، وإنما تجمع كذلك بين الطاقة الشمسية والطاقة البحرية، وهو ما يرفع من جاذبيتها بالنسبة إلى المشاريع المستقبلية.

ويكتسب هذا المعطى أهمية خاصة في ظل التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة عالميا، إذ لم يعد التركيز منصبا فقط على إنتاج كميات كبيرة من الكهرباء النظيفة، بل أصبح استقرار الإنتاج واستمراريته من أبرز التحديات المطروحة أمام الدول والمستثمرين.

وتفسر طبيعة الموارد المتوفرة في الجنوب جزءا من هذه الأفضلية، فمستويات الإشعاع الشمسي المرتفعة يمكن أن توفر إنتاجا مهما خلال ساعات النهار، بينما تساهم الرياح في تأمين إنتاج إضافي خلال الفترات التي قد يتراجع فيها أداء الطاقة الشمسية. أما الأمواج، فتقدم موردا بحريا يمكن أن يشكل عنصرا مكملا ضمن منظومة طاقية متعددة المصادر.

ويتيح هذا التنوع إمكانية بناء مشاريع لا تعتمد على تقنية واحدة، بل تجمع عدة مصادر داخل منظومة متكاملة، بما قد يساعد على تقليل آثار التذبذب المرتبطة بالطبيعة المتغيرة للرياح والإشعاع الشمسي. كما يمكن أن يمنح ذلك الشبكات الكهربائية قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات الإنتاج والطلب.

وتزداد أهمية هذا النموذج مع ارتفاع الحاجة إلى الكهرباء النظيفة، خاصة في القطاعات الصناعية التي تتطلب إمدادات منتظمة وكميات كبيرة من الطاقة. ويأتي إنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته في مقدمة المجالات التي يمكن أن تستفيد من توفر كهرباء متجددة مستقرة، بالنظر إلى ارتباط تكلفة الإنتاج بدرجة كبيرة بوفرة الطاقة وتنافسيتها.

وفي السياق نفسه، يمكن أن يساهم تطوير منظومات هجينة في تحقيق استفادة أكبر من البنية التحتية، من خلال تقاسم بعض المرافق المرتبطة بإنتاج ونقل الكهرباء، فضلا عن إمكانية الاستفادة من شبكات الربط والمنشآت الساحلية القائمة أو التي يجري تطويرها مستقبلا.

غير أن تحويل هذه الإمكانات الطبيعية إلى مشاريع استثمارية ناجحة لا يتوقف على قوة الموارد وحدها. إذ تفرض المشاريع البحرية تحديات تقنية ومالية وبيئية تجعل عملية اختيار المواقع أكثر تعقيدا، خصوصا عندما يتعلق الأمر باستغلال طاقة الأمواج.

وتتطلب هذه المشاريع دراسة طبيعة قاع البحر وأعماقه والمسافة الفاصلة بين مواقع الإنتاج وشبكات الكهرباء، إلى جانب قربها من الموانئ وقدرة البنية التحتية على استيعاب عمليات الصيانة والنقل. كما تدخل ظروف البحر والتآكل والعوامل المناخية ضمن الاعتبارات التي يمكن أن تؤثر على تكلفة المعدات وطول عمرها التشغيلي.

وتفرض الأنشطة البحرية القائمة بدورها مجموعة من القيود التي يجب أخذها في الاعتبار قبل إطلاق أي مشروع، حيث يمكن أن تتقاطع مواقع إنتاج الطاقة مع مجالات الصيد والملاحة والمناطق ذات الحساسية البيئية. لذلك، يصبح التخطيط المتكامل للساحل ضروريا لضمان تحقيق التوازن بين الاستثمار في الطاقة وحماية الأنشطة الاقتصادية والبيئية الأخرى.

وتبرز طاقة الأمواج تحديدا كأحد المجالات التي تحتاج إلى مزيد من التطوير والاختبار قبل الوصول إلى انتشار تجاري واسع، مقارنة بالطاقة الشمسية والرياح اللتين قطعتا أشواطا أكبر من حيث التكنولوجيا وتكاليف الإنتاج والخبرة المتراكمة في الأسواق العالمية.

ومع ذلك، فإن إدخال الأمواج ضمن منظومة متكاملة مع الرياح والشمس قد يفتح الباب أمام نموذج مختلف في استغلال الموارد الطبيعية، خصوصا إذا أثبتت الدراسات المستقبلية قدرة هذه المصادر على تعويض بعضها البعض خلال مختلف فترات السنة.

وتعزز هذه النتائج مكانة جنوب المغرب ضمن النقاش المتعلق بمستقبل الطاقة في المملكة، خاصة أن المنطقة تتمتع أصلا بإمكانات كبيرة في مجال الطاقات النظيفة، إضافة إلى موقعها الجغرافي الذي يمنحها أهمية في المشاريع المرتبطة بالتبادل الطاقي والصناعة والهيدروجين الأخضر.

كما يمكن أن يمنح توفر الموارد المتنوعة المنطقة فرصة لاستقطاب استثمارات جديدة في الصناعات المرتبطة بالطاقة، سواء تعلق الأمر بإنتاج الكهرباء أو تطوير تقنيات التخزين أو تصنيع بعض المعدات أو إقامة مشاريع صناعية تعتمد على الطاقة النظيفة.

ويشير هذا التطور إلى أن مستقبل الطاقات المتجددة في المغرب قد لا يرتبط فقط بتوسيع مزارع الرياح والمحطات الشمسية بشكل منفصل، وإنما يمكن أن يتجه تدريجيا نحو منظومات أكثر تكاملا تجمع عدة مصادر في فضاء جغرافي واحد أو ضمن شبكة مترابطة.

ويمنح هذا التوجه جنوب المملكة فرصة لتعزيز دوره في التحول الطاقي الوطني، خصوصا إذا جرى استثمار الإمكانات الطبيعية المتوفرة بالتوازي مع تطوير البنية التحتية وتحسين تقنيات التخزين والربط بالشبكة.

وفي المحصلة، تضع المعطيات الجديدة جنوب الساحل الأطلسي المغربي أمام فرصة استراتيجية للاستفادة من اجتماع ثلاث ثروات طبيعية، هي الشمس والرياح والأمواج. وبينما تحتاج هذه الإمكانات إلى دراسات تقنية ومالية وبيئية أكثر تفصيلا قبل الانتقال إلى مشاريع واسعة النطاق، فإن المؤشرات الحالية تعزز فكرة أن جنوب المغرب يمكن أن يصبح خلال السنوات المقبلة واحدا من أبرز المجالات المرشحة لاحتضان منظومات متكاملة لإنتاج الطاقة النظيفة، بما يخدم التحول الطاقي ويدعم طموحات المملكة في بناء اقتصاد أكثر استدامة.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.

سياسة الخصوصية