خاص – ياسر الرقاص
في واحدة من أكثر المفارقات السياسية إثارة للجدل في تاريخ الصراعات المفتعلة، يبرز التناقض الصارخ في مسار إبراهيم غالي، زعيم ميليشيا “البوليساريو”، فالرجل الذي يتزعم تنظيما يرفع ليل نهار شعارات “مناهضة الاستعمار” وتقرير المصير، يحمل في جيبه، ومنذ عام 2004، جنسية الدولة التي احتلت الصحراء المغربية لعقود إسبانيا.
هذه الازدواجية الصارخة لا تكشف فقط عن عوار أخلاقي في السردية التي تسوقها الجبهة الانفصالية، بل تسدل الستار عن استراتيجية عميقة ومدروسة جعلت من هذا الكيان مجرد ورقة جيوسياسية وبيدق في رقعة شطرنج تديرها أطراف إقليمية وأوروبية للابتزاز والضغط على الرباط.
تاريخ من التخادم.. من شرطة الاستعمار إلى قيادة الانفصال
و لفهم هذه المفارقة، لا بد من العودة إلى الجذور التشريحية لمسار غالي، والتي تثبت أن علاقته بإسبانيا ليست وليدة صدفة دبلوماسية طارئة، بل هي امتداد عضوي لولاء تاريخي، فوفقا للأرشيف التاريخي وتقارير استقصائية متقاطعة، بدأ زعيم البوليساريو مساره المهني مرتديا زي الشرطة الاستعمارية الإسبانية (فيما كان يعرف بقوات البدو أو “Tropas Nómadas”) إبان فترة الاحتلال الإسباني للأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية.
هذا الارتباط العضوي بالمستعمر لم ينقطع مع المسيرة الخضراء واسترجاع المغرب لأراضيه، بل اتخذ أشكالا جديدة، فقد تولى غالي مهمة تمثيل الجبهة الانفصالية في العاصمة مدريد طيلة تسع سنوات متواصلة (بين 1999 و2008).
وخلال هذه الفترة الفضفاضة من التحركات الدبلوماسية، توج هذا التقارب بحصوله رسميا على الجنسية الإسبانية، إن تمتع قائد حركة “وهمية” مزعومة بجنسية القوة الاستعمارية السابقة يطرح تساؤلات جوهرية حول الولاءات الحقيقية لقيادات مخيمات تندوف، وحجم الارتهان للأجندات الأجنبية.
صناعة “البوليساريو”..الجيوسياسة واستمرار الإدارة عن بعد
بالانتقال إلى المستوى الاستراتيجي، تتوارى خلف هذه المعطيات الشخصية أجندة أوسع تعكس كيفية صناعة واستدامة هذا النزاع، فانسحاب إسبانيا الإداري والعسكري من الصحراء المغربية سنة 1975، لم يعن يوما انسحابا استخباراتيا أو سياسيا من الملف.
لقد استثمرت دوائر في “الدولة العميقة” بمدريد في بقاء شخصيات مطيعة مثل غالي على رأس الجبهة لضمان استمرار التحكم والتأثير عن بعد.
وتتقاطع هذه المصلحة الإسبانية بشكل وثيق مع الأجندة الجزائرية، حيث يتم توظيف البوليساريو كأداة للابتزاز الدبلوماسي ضد المغرب، وقد استخدمت هذه الورقة مرارا لمحاولة إضعاف الموقف التفاوضي للمملكة، سواء في العلاقات الثنائية، أو داخل أروقة الاتحاد الأوروبي للحصول على تنازلات اقتصادية وأمنية.
ولعل أبرز دليل خارجي يعزز هذا الطرح، هو الأزمة الدبلوماسية العاصفة التي اندلعت ربيع عام 2021، عندما كشفت الأجهزة المغربية عن تواطؤ مدريد والجزائر في إدخال إبراهيم غالي إلى الأراضي الإسبانية للعلاج بهوية مزورة (تحت اسم محمد بن بطوش)، في خرق سافر للقوانين وتستر واضح على مجرم حرب تلاحقه المحاكم الإسبانية نفسها بتهم الإبادة والتعذيب.
تلك الحادثة أسقطت الورقة عن حجم الرعاية الاستخباراتية التي يحظى بها الانفصال في الأروقة الأوروبية.
إن تفكيك هذه الروابط التاريخية والسياسية ينسف من الأساس أسطورة “حركة التحرر” التي تقتات عليها جبهة البوليساريو، فأن يقود التنظيم شخص بدأ حياته في خدمة أمن المستعمر، ويحمل اليوم جنسيته، ويتلقى الرعاية الطبية والسياسية السرية في مستشفياته، ويخدم أجندات داعميه في الجزائر لابتزاز وطنه الأم، هي أدلة دامغة تضع المجتمع الدولي أمام حقيقة ساطعة فالنزاع المفتعل في الصحراء المغربية لم يكن يوما صراعا من أجل تقرير المصير، بل هو هندسة استعمارية مستدامة، أعيد تدويرها بأياد إقليمية لعرقلة مسيرة التنمية وتكامل الفضاء المغاربي.








التعليقات
0 تعليق