إعلان
980×90
مساحة إعلانية
ثقافة و تراث

حين أنقذ القمح المغربي تونس من المجاعة.. سفارة إبراهيم الرياحي إلى السلطان المولى سليمان

نُشر في

رحاب الغرباوي

شهدت تونس خلال سنتي 1803 و1804 واحدة من أصعب الأزمات الغذائية في تاريخها الحديث، بعدما اجتمع انحباس المطر مع اضطراب طرق التجارة البحرية بسبب الحروب النابليونية، فتحول القحط إلى مجاعة قاسية هددت حياة السكان وأربكت سلطة حمودة باشا باي تونس.

ويروي المؤرخ التونسي أحمد بن أبي الضياف في كتابه «إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان» أن البلاد عاشت آنذاك أوضاعًا شديدة الصعوبة، قائلًا: «احتبس الغيث ووقع قحط شديد، وتعسر الإتيان بالميرة لوقوع الحروب يومئذ».

وكان لفظ «الميرة» يُطلق على المؤن الغذائية التي تُجلب إلى المدن والبلدان، وفي مقدمتها القمح والحبوب. وقد جعلت الحروب الدائرة في أوروبا استيراد هذه المواد أكثر صعوبة، إذ تسببت المواجهات المرتبطة بحروب نابليون في اضطراب الملاحة وإغلاق بعض الطرق التجارية وارتفاع كلفة نقل الحبوب عبر البحر الأبيض المتوسط.

تونس بين القحط واضطراب التجارة

لم تكن تونس بمعزل عن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة المتوسطية في مطلع القرن التاسع عشر. فعلى الرغم من بعدها الجغرافي عن ساحات القتال الرئيسية في أوروبا، فإن اقتصادها كان مرتبطًا بالطرق البحرية والأسواق الخارجية، ولذلك انعكست الحروب الأوروبية مباشرة على قدرتها على استيراد القمح.

ومع انحباس الأمطار وتراجع المحاصيل المحلية، أصبحت البلاد في حاجة عاجلة إلى مصدر بديل للحبوب. ولم يعد الأمر متعلقًا بتوفير سلعة تجارية عادية، بل بإنقاذ السكان من الجوع ومنع تفاقم الاضطرابات الاجتماعية التي غالبًا ما تصاحب المجاعات وارتفاع أسعار المواد الأساسية.

أمام هذه الظروف، اتجه نظر حمودة باشا باي تونس نحو المغرب الأقصى، الذي كان يحكمه آنذاك السلطان المولى سليمان، طالبًا منه السماح بتزويد تونس بالقمح المغربي.

لماذا اختار الباي عالمًا بدل أحد رجال القصر؟

جرت العادة أن يُكلّف بايات تونس أفراد حاشيتهم وكبار المماليك والأعيان بالبعثات الدبلوماسية. غير أن حمودة باشا اختار هذه المرة شخصية مختلفة تمامًا، هي الشيخ إبراهيم الرياحي، أحد علماء تونس وفقهائها وخطبائها البارزين.

لم يكن هذا الاختيار عشوائيًا، بل استند إلى معرفة الباي بطبيعة السلطان المولى سليمان، الذي اشتهر بتقديره للعلماء وإكرامه للفقهاء وأهل الأدب. وأدرك حمودة باشا أن سفارة يقودها عالم فصيح وذو مكانة دينية قد تكون أكثر تأثيرًا من سفارة سياسية تقليدية.

كان الشيخ إبراهيم الرياحي يمتلك المؤهلات التي تتطلبها المهمة؛ فقد جمع بين العلم الشرعي وقوة الحجة وفصاحة اللسان والقدرة على مخاطبة الملوك. كما أن مكانته العلمية جعلته قادرًا على تقديم طلب تونس باعتباره واجبًا من واجبات التضامن بين المسلمين، وليس مجرد صفقة تجارية بين دولتين.

وهكذا أسند إليه الباي مهمة التوجه إلى المغرب وطلب الإذن بإخراج كميات من الحبوب وشحنها نحو تونس لسد حاجة الأهالي.

مهمة دبلوماسية محفوفة بالصعوبات

لم تكن مهمة الشيخ الرياحي سهلة، فقد شاع داخل قصر الباي أن سلطان المغرب يمنع خروج الحبوب من بلاده، إما احتياطًا لحاجة السكان المحليين وإما بسبب سياسة تهدف إلى حماية الأمن الغذائي للمملكة.

وكان هذا الاعتقاد كافيًا لجعل السفارة تبدو منذ بدايتها مغامرة غير مضمونة النتائج. فالسماح بتصدير القمح في زمن القحط والاضطرابات البحرية لم يكن قرارًا بسيطًا، إذ كان على السلطان أن يوازن بين احتياجات المغرب الداخلية وبين الاستجابة لاستغاثة تونس.

وصل الشيخ إبراهيم الرياحي إلى البلاط المغربي حاملًا رسالة حمودة باشا، لكنه لم يكتفِ بتسليمها، بل وظّف فصاحته وعلمه وحسن بيانه في الدفاع عن طلب بلاده، وشرح ما أصاب أهل تونس من قحط وضيق وحاجة إلى الغذاء.

وسرعان ما حظي العالم التونسي بتقدير السلطان المولى سليمان، الذي وجد أمامه رجلًا يجمع بين مكانة العالم ومهارة السفير. وقد نجح الرياحي في تحويل قضية تصدير الحبوب من مسألة اقتصادية شائكة إلى موقف إنساني وأخوي يستوجب النجدة.

القصيدة التي فتحت أبواب البلاط

استعان الشيخ إبراهيم الرياحي كذلك بالشعر، الذي كان يمثل آنذاك وسيلة رفيعة للتواصل السياسي والتعبير عن التقدير. فأنشد قصيدة في مدح السلطان المولى سليمان، استهلها بقوله:

إن عزّ من خير الأنام مزارُ
فلنا بزورة نجله استبشارُ

وقد أظهرت القصيدة قدرة الشيخ الأدبية ومكانته العلمية، وأسهم حضوره القوي وحسن خطابه في نيل رضا السلطان. لكن نجاح السفارة لم يكن قائمًا على المديح وحده، بل على حجة إنسانية وسياسية واضحة، مفادها أن شعبًا مسلمًا يواجه المجاعة وينتظر المساعدة من بلد شقيق يملك القدرة على نجدته.

السلطان المولى سليمان يستجيب لنداء تونس

استجاب السلطان المولى سليمان لطلب مبعوث حمودة باشا، وأذن بخروج القمح المغربي باتجاه تونس. وبعد نجاح المفاوضات، أُعدّت السفن وحُمّلت بالميرة، ثم أبحرت نحو السواحل التونسية حاملة الحبوب التي كانت البلاد في أمسّ الحاجة إليها.

شكّل وصول السفن المحملة بالقمح انفراجًا مهمًا للأزمة، وأسهم في سد جانب من حاجات السكان وتخفيف آثار القحط والمجاعة. كما تحولت السفارة إلى نموذج مبكر للدبلوماسية الإنسانية في المنطقة المغاربية، حيث جرى توظيف العلم والكلمة والعلاقات السياسية لإنقاذ السكان من أزمة غذائية خطيرة.

ولا تكمن أهمية موقف السلطان المولى سليمان فقط في السماح بتصدير القمح، بل في اتخاذ القرار رغم ما كان يُقال عن منع إخراج الحبوب من المغرب. فقد قدّم السلطان واجب التضامن مع تونس على الحسابات التجارية الضيقة، مؤكدًا قوة الروابط التي كانت تجمع بين بلدان المغرب الكبير.

إبراهيم الرياحي.. العالم الذي نجح حيث قد يفشل السياسيون

كشفت هذه السفارة عن المكانة التي كان العلماء يحتلونها في العلاقات الدبلوماسية خلال تلك المرحلة. فلم يكن العالم محصورًا في التدريس والإفتاء والخطابة، بل كان قادرًا على تمثيل دولته والتفاوض باسمها وإنجاز مهام سياسية واقتصادية حساسة.

وقد أثبت إبراهيم الرياحي أن امتلاك المعرفة والبلاغة وفهم طبيعة المخاطَب يمكن أن يكون أكثر فاعلية من النفوذ الرسمي وحده. فاختيار حمودة باشا له بُني على قراءة دقيقة لشخصية السلطان المغربي وتقديره لأهل العلم، ولذلك شكّل الرياحي الجسر المناسب بين البلاطين التونسي والمغربي.

كان نجاحه أيضًا انتصارًا للدبلوماسية الناعمة القائمة على الاحترام والإقناع واستحضار القيم المشتركة. فقد وصل إلى المغرب دون قوة عسكرية أو وسيلة ضغط سياسية، لكنه عاد إلى تونس وقد حصل على القمح الذي عجزت الظروف الدولية عن توفيره.

صفحة مضيئة من التضامن المغاربي

تُبرز هذه الواقعة أن العلاقات بين المغرب وتونس لم تكن مقتصرة على المراسلات الرسمية وتبادل الوفود، بل شملت التعاون في مواجهة الأزمات التي مست حياة السكان بصورة مباشرة.

فعندما اشتد القحط في تونس وتعذر استيراد القمح من أوروبا، أصبح المغرب سندًا حقيقيًا لها. وعندما طُرحت المخاوف المتعلقة بمنع تصدير الحبوب، نجحت الحكمة الدبلوماسية في تجاوزها. وحين وصلت السفن المحملة بالقمح المغربي، لم تكن تحمل مجرد مادة غذائية، بل حملت رسالة سياسية وإنسانية تؤكد أن شعوب المغرب الكبير قادرة على نجدة بعضها بعضًا.

لقد خلدت المصادر التاريخية هذه السفارة لأنها جمعت بين ثلاثة عناصر حاسمة: حنكة حمودة باشا في اختيار مبعوثه، وفصاحة الشيخ إبراهيم الرياحي وقدرته على الإقناع، واستجابة السلطان المولى سليمان لنداء شعب أنهكه القحط.

وبذلك بقيت قصة القمح المغربي الذي وصل إلى تونس خلال أزمة 1803–1804 شاهدًا على عمق الروابط بين البلدين، وعلى الدور الذي يمكن أن تؤديه الدبلوماسية القائمة على العلم والكلمة والتضامن في مواجهة المحن الكبرى.

المراجع:

  • أحمد بن أبي الضياف، «إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان»، الجزء الثالث، ص 54.
  • أحمد بن خالد الناصري، «الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى»، الجزء الثامن، ص 118.
  • محمد مخلوف، «شجرة النور الزكية في طبقات المالكية»، الجزء الأول، ص 554.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.

سياسة الخصوصية