إعلان
980×90
مساحة إعلانية
حدث في مثل هذا اليوم

حدث في مثل هذا اليوم 12 شتنبر 1980.. انقلاب كنعان إيفرين يطيح بالحكومة ويُدخل تركيا عصر الحكم العسكري

نُشر في

فتيحة شاطر

في مثل هذا اليوم، 12 شتنبر من سنة 1980، استيقظ الأتراك على بيان عسكري يعلن استيلاء القوات المسلحة على السلطة، وإسقاط الحكومة وحل البرلمان وتعليق العمل بالدستور، في انقلاب قاده رئيس هيئة الأركان العامة الجنرال كنعان إيفرين، وترك آثارًا عميقة في الحياة السياسية والاجتماعية التركية ما تزال حاضرة إلى اليوم.

جاء الانقلاب في ظل أزمة سياسية وأمنية خانقة كانت تعيشها تركيا خلال النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي. فقد تحولت الشوارع والجامعات والأحياء إلى ساحات مواجهات بين التنظيمات اليسارية والقومية اليمينية، وتزايدت عمليات الاغتيال والهجمات المسلحة، بينما بدت الحكومات المتعاقبة عاجزة عن فرض الاستقرار.

وكان البرلمان التركي بدوره غارقًا في الانقسام، إلى درجة فشله طوال أشهر في انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس فخري كوروتورك. واستغل قادة الجيش حالة الانسداد السياسي والعنف المتصاعد لتقديم تدخلهم باعتباره ضرورة لإنقاذ البلاد من الفوضى والانهيار.

لكن الوثائق والشهادات التي ظهرت لاحقًا كشفت أن الانقلاب لم يكن رد فعل مفاجئًا، بل جاء نتيجة تخطيط عسكري سابق حمل اسم «عملية العلم». وأُعدت الخطة داخل القيادة العليا للقوات المسلحة، قبل أن يحدد قادة الجيش يوم 12 شتنبر موعدًا نهائيًا لتنفيذها.

في الساعات الأولى من صباح ذلك اليوم، تحركت الوحدات العسكرية للسيطرة على المؤسسات الحيوية ومباني الإذاعة والتلفزيون والاتصالات والمطارات ومقار الأحزاب. وانتشرت الدبابات والجنود في شوارع أنقرة وإسطنبول ومدن تركية أخرى، بينما فُرض حظر التجول في جميع أنحاء البلاد.

وفي حدود الساعة الرابعة والنصف صباحًا، أذاع الراديو الرسمي بيانًا أعلن فيه أن القوات المسلحة وضعت يدها على إدارة الدولة. وبرر الجيش تحركه بالرغبة في وقف العنف وحماية وحدة الجمهورية ومبادئ مصطفى كمال أتاتورك.

أطاح الانقلاب بحكومة رئيس الوزراء سليمان ديميريل، وحُل البرلمان، وعُلق الدستور، ومُنعت جميع الأنشطة السياسية. كما جرى اعتقال قادة الأحزاب أو وضعهم تحت الإقامة الجبرية داخل منشآت عسكرية، وفي مقدمتهم سليمان ديميريل وبولنت أجاويد ونجم الدين أربكان وألب أرسلان توركيش.

وتولى مجلس الأمن القومي، المؤلف من كنعان إيفرين وقادة فروع القوات المسلحة، إدارة البلاد بصورة مباشرة. وأصبح إيفرين رئيسًا للدولة، جامعًا بين السلطتين العسكرية والسياسية، في وقت أُخضعت فيه البلاد للأحكام العرفية والرقابة الصارمة.

نجح الجيش في تقليص الاشتباكات المسلحة التي كانت تجتاح الشوارع، لكن الثمن كان إقامة نظام شديد القمع استهدف مختلف التيارات السياسية والنقابية والطلابية. وبدأت حملة واسعة من الاعتقالات والمحاكمات شملت اليساريين والقوميين والإسلاميين والنقابيين والمثقفين والصحافيين.

وتشير الأرقام المرتبطة بتلك المرحلة إلى توقيف نحو 650 ألف شخص، ومحاكمة 230 ألفًا في عشرات الآلاف من القضايا، فيما صدرت أحكام بالإعدام على المئات ونُفذ الحكم في 50 شخصًا. كما فُصل عشرات الآلاف من وظائفهم، وسُحبت الجنسية من آلاف المواطنين، واضطر كثيرون إلى مغادرة البلاد.

وامتلأت السجون والمعتقلات بالمعارضين، وسُجلت حالات واسعة من التعذيب وسوء المعاملة والوفاة داخل مراكز الاحتجاز، إلى جانب اختفاء عدد من المعتقلين. وأصبحت تلك الانتهاكات واحدة من أكثر الصفحات ظلامًا في تاريخ الجمهورية التركية الحديث.

ولم يقتصر مشروع قادة الانقلاب على إسقاط الحكومة، بل سعوا إلى إعادة بناء النظام السياسي بما يمنح الدولة والأجهزة الأمنية صلاحيات أوسع ويحد من نشاط الأحزاب والنقابات والجامعات.

وفي سنة 1981 أُغلقت الأحزاب السياسية القديمة، وفُرضت قيود طويلة على قادتها. كما أُنشئت جمعية تأسيسية خاضعة لهيمنة مجلس الأمن القومي، وكُلّفت بإعداد دستور جديد يعوض دستور سنة 1961، الذي اعتبره العسكريون مسؤولًا عن منح المجتمع والحياة السياسية مساحة واسعة من الحريات.

وعُرض دستور سنة 1982 على استفتاء جرى في ظل الحكم العسكري والقيود المفروضة على المعارضين. وأُعلن إقراره بنسبة 91.37 في المائة، ليمنح مؤسسة الرئاسة والسلطة التنفيذية نفوذًا قويًا، ويكرس برلمانًا من غرفة واحدة بدل النظام البرلماني السابق المؤلف من مجلسين. وبموجب الترتيبات الانتقالية، أصبح كنعان إيفرين رئيسًا للجمهورية لمدة سبع سنوات.

وعادت الانتخابات البرلمانية سنة 1983، لكن تحت رقابة المؤسسة العسكرية وبعد منع عدد من الأحزاب والشخصيات السياسية من المشاركة. ورغم انتهاء الحكم العسكري المباشر، استمرت قواعد النظام الذي بناه الانقلاب، وظل دستور 1982 أساس الحياة السياسية التركية، وإن تعرض لاحقًا لتعديلات عديدة.

وبعد مرور عقود، فُتح الباب أمام ملاحقة قادة الانقلاب إثر تعديل دستوري ألغى الحصانة التي كانت تحميهم. وفي سنة 2014، صدر حكم بالسجن المؤبد على كنعان إيفرين لدوره في الإطاحة بالنظام الدستوري، في محاكمة حملت دلالة رمزية كبيرة بالنسبة إلى ضحايا تلك المرحلة.

لم يكن انقلاب 12 شتنبر 1980 مجرد تغيير عسكري للحكومة، بل كان نقطة تحول أعادت صياغة علاقة الجيش بالسياسة والمجتمع، وفرضت على تركيا دستورًا ومؤسسات وقواعد ظلت مؤثرة لعقود.

وهكذا بقي 12 شتنبر محفورًا في الذاكرة التركية باعتباره يومًا انتهت فيه الفوضى المسلحة في الشوارع، لكن على حساب الديمقراطية والحريات وحياة مئات الآلاف من المواطنين الذين وجدوا أنفسهم داخل السجون والمحاكم ومراكز الاستنطاق تحت سلطة العسكر.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.

سياسة الخصوصية