فتيحة شاطر
في مثل هذا اليوم، التاسع من سبتمبر سنة 1948، أُعلن رسميًا عن تأسيس جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، المعروفة بكوريا الشمالية، وتولى كيم إيل سونغ رئاسة حكومتها، في حدث لم يؤسس دولة جديدة فحسب، بل كرّس انقسام شبه الجزيرة الكورية إلى كيانين متعارضين سياسيًا وأيديولوجيًا.
فقد نشأت في الشمال دولة شيوعية مدعومة من الاتحاد السوفيتي، بينما تأسست في الجنوب دولة موالية للولايات المتحدة والغرب. وتحول الانقسام، الذي بدأ في الأصل إجراءً مؤقتًا بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، إلى واقع جغرافي وسياسي دائم، ثم إلى حرب مفتوحة خلّفت ملايين الضحايا ولا تزال تداعياتها قائمة حتى اليوم.
كوريا تحت الاحتلال الياباني
لفهم ظروف تأسيس كوريا الشمالية، لا بد من العودة إلى بداية القرن العشرين، عندما فرضت الإمبراطورية اليابانية سيطرتها على شبه الجزيرة الكورية، قبل أن تضمها رسميًا سنة 1910.
استمر الاحتلال الياباني نحو 35 عامًا، حاولت خلالها طوكيو دمج كوريا قسرًا داخل إمبراطوريتها. وفرضت السلطات الاستعمارية اليابانية قيودًا واسعة على الحياة السياسية والثقافية، وعملت على إضعاف الهوية الكورية وإحلال اللغة والثقافة اليابانيتين محلها.
كما استغلت اليابان الأراضي والثروات واليد العاملة الكورية، خصوصًا خلال الحرب العالمية الثانية، عندما جرى تجنيد عدد كبير من الكوريين للعمل في المصانع والمناجم أو الخدمة ضمن المجهود الحربي الياباني.
وفي مواجهة هذا الاحتلال، ظهرت حركات مقاومة قومية وشيوعية داخل كوريا وخارجها. وكان كيم إيل سونغ من بين الشخصيات التي قدمها الخطاب الكوري الشمالي لاحقًا باعتباره قائدًا للمقاومة المسلحة ضد القوات اليابانية، وهي المكانة التي ساعدته بعد الحرب على الصعود إلى قيادة الدولة الجديدة.
سقوط اليابان وبداية تقسيم كوريا
في أغسطس 1945، أعلنت اليابان استسلامها بعد إلقاء الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناغازاكي ودخول الاتحاد السوفيتي الحرب ضدها.
أنهى الاستسلام الياباني احتلال كوريا، لكن التحرير لم يؤدِّ إلى قيام دولة كورية مستقلة وموحدة كما كان يأمل السكان. فقد تحولت شبه الجزيرة سريعًا إلى منطقة تنافس بين القوتين المنتصرتين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
دخلت القوات السوفيتية إلى شمال كوريا، بينما انتشرت القوات الأمريكية في جنوبها. واتفق الجانبان على تقسيم شبه الجزيرة مؤقتًا عند خط العرض 38، بهدف الإشراف على استسلام القوات اليابانية ونزع سلاحها.
لم يكن الخط في البداية معدًّا ليصبح حدودًا دائمة، بل كان إجراءً عسكريًا وإداريًا مؤقتًا. إلا أن تصاعد الخلاف بين واشنطن وموسكو وبداية الحرب الباردة جعلا توحيد كوريا أكثر صعوبة.
وفي كل منطقة، شرعت القوة المسيطرة في بناء نظام سياسي يتوافق مع توجهاتها. دعم السوفييت القوى الشيوعية في الشمال، بينما ساعد الأمريكيون على إنشاء نظام مناهض للشيوعية في الجنوب.
صعود كيم إيل سونغ
برز كيم إيل سونغ في المنطقة الشمالية بدعم من الاتحاد السوفيتي، واستطاع تدريجيًا تعزيز موقعه داخل الحركة الشيوعية الكورية.
وفي فبراير 1946، أُنشئت اللجنة الشعبية المؤقتة لكوريا الشمالية، وتولى كيم إيل سونغ قيادتها. وبدأت السلطات الجديدة تنفيذ إصلاحات واسعة، كان من أبرزها توزيع الأراضي الزراعية ومصادرة ممتلكات كبار الملاّك والمتعاونين مع الاحتلال الياباني، إلى جانب تأميم الصناعات والمصارف ووسائل النقل.
وساهمت هذه الإجراءات في تغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية في الشمال، كما عززت نفوذ الحزب الشيوعي والقيادة الجديدة. وفي المقابل، فرّ عدد من الملاّك ورجال الأعمال والمعارضين السياسيين نحو الجنوب.
وعملت السلطة الناشئة على بناء جيش وأجهزة أمنية وإدارية، مستفيدة من الوجود السوفيتي ومن الخبرات التي اكتسبها بعض الكوريين خلال مشاركتهم في الحركات الشيوعية والمقاومة المسلحة.
ومع مرور الوقت، نجح كيم إيل سونغ في إقصاء منافسيه وتثبيت نفسه زعيمًا للنظام الجديد، قبل أن تتحول سلطته لاحقًا إلى حكم فردي مركزي استمر حتى وفاته سنة 1994.
فشل مشروع توحيد البلاد
حاولت القوى الدولية التوصل إلى صيغة تسمح بإقامة حكومة كورية موحدة، لكن الخلافات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عطّلت هذه الجهود.
كانت موسكو تريد نظامًا قريبًا من المعسكر الشيوعي، بينما رفضت واشنطن قيام دولة موحدة تسيطر عليها القوى الشيوعية. وفي المقابل، لم تكن النخب السياسية الكورية متفقة على شكل النظام الجديد أو على تقاسم السلطة.
أُحيل الملف الكوري إلى الأمم المتحدة، التي دعت إلى إجراء انتخابات عامة في شبه الجزيرة. غير أن الاتحاد السوفيتي رفض السماح للجنة الأممية بدخول المنطقة الشمالية، فأُجريت الانتخابات في الجنوب وحده.
وفي 15 أغسطس 1948، أُعلن قيام جمهورية كوريا في الجنوب، وتولى سينغمان ري رئاستها. وكان الرجل معروفًا بعدائه الشديد للشيوعية وارتباطه بالولايات المتحدة.
رفضت القوى الشمالية الاعتراف بالحكومة الجنوبية، وردّت بتنظيم مؤسساتها السياسية الخاصة. وفي 9 سبتمبر من السنة نفسها، أُعلن تأسيس جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، وعُيّن كيم إيل سونغ رئيسًا لمجلس الوزراء.
وبذلك أصبحت شبه الجزيرة الكورية تضم حكومتين متنافستين، تدّعي كل واحدة منهما تمثيل الشعب الكوري بأكمله، وترفض الاعتراف بشرعية الأخرى.
دولتان تحملان مشروعًا واحدًا للسيطرة على كامل كوريا
لم ينظر الشمال والجنوب إلى خط العرض 38 باعتباره حدودًا نهائية بين دولتين مستقلتين، بل اعتبر كل طرف أن الانقسام مؤقت وأن من حقه توحيد البلاد تحت سلطته.
في الشمال، تأسس نظام شيوعي مركزي يعتمد على حزب العمال الكوري والجيش والأجهزة الأمنية. أما في الجنوب، فقد ظهر نظام جمهوري مناهض للشيوعية، لكنه اتسم خلال مراحله الأولى بالسلطوية والاضطرابات السياسية.
وازدادت الاشتباكات الحدودية بين الطرفين، كما شهد الجنوب تمردات وصراعات داخلية بين الحكومة والجماعات اليسارية. وتحولت شبه الجزيرة إلى إحدى أخطر ساحات الحرب الباردة الناشئة.
وغادرت القوات السوفيتية معظم أراضي الشمال، كما انسحبت غالبية القوات الأمريكية من الجنوب، لكن القوتين واصلتا تقديم الدعم والتدريب والسلاح لحليفتيهما.
وأصبح اندلاع مواجهة عسكرية شاملة مسألة وقت، خصوصًا مع إصرار كل حكومة على توحيد البلاد بالقوة إذا تعذر تحقيق ذلك سياسيًا.
اندلاع الحرب الكورية
في 25 يونيو 1950، اجتازت القوات الكورية الشمالية خط العرض 38 وشنّت هجومًا واسعًا على كوريا الجنوبية. وتمكنت خلال فترة قصيرة من دخول العاصمة سيول والتقدم نحو معظم مناطق الجنوب.
بدت الحكومة الجنوبية على وشك الانهيار، قبل أن تتدخل قوات دولية بقيادة الولايات المتحدة تحت راية الأمم المتحدة. ونجحت القوات المتحالفة في وقف التقدم الشمالي ثم شن هجوم مضاد دفع قوات بيونغ يانغ إلى التراجع.
وعندما اقتربت القوات الدولية من الحدود الصينية، تدخلت الصين عسكريًا إلى جانب كوريا الشمالية، وأرسلت أعدادًا كبيرة من الجنود تحت مسمى «متطوعي الشعب الصيني».
أما الاتحاد السوفيتي فقدم دعمًا عسكريًا ولوجستيًا للشمال، متجنبًا في الوقت نفسه الدخول علنًا في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
تبادلت الأطراف السيطرة على المدن والمناطق، وتعرضت شبه الجزيرة لحملات قصف ومعارك مدمرة. وانتقلت سيول من يد إلى أخرى عدة مرات، كما دُمرت منشآت ومدن كاملة وسقط ملايين القتلى بين عسكريين ومدنيين.
هدنة بلا سلام
بعد ثلاث سنوات من القتال، وُقعت اتفاقية الهدنة في 27 يوليو 1953. وأوقفت الاتفاقية العمليات العسكرية الكبرى، لكنها لم تكن معاهدة سلام تنهي الحرب قانونيًا.
وتم إنشاء منطقة منزوعة السلاح تفصل بين الكوريتين، بطول يقارب 250 كيلومترًا، وأصبحت لاحقًا واحدة من أكثر الحدود تحصينًا ومراقبة في العالم.
ولأن كوريا الجنوبية لم توقع اتفاق الهدنة بنفسها، ولعدم إبرام معاهدة سلام نهائية، بقيت الكوريتان من الناحية القانونية في حالة حرب، رغم مرور عقود على توقف القتال الواسع.
وتسببت الحرب في تعميق الانقسام بين الشعبين، بعدما فرقت العائلات ومنعت حركة التنقل والتواصل عبر الحدود. ولا تزال آلاف الأسر الكورية تحمل آثار ذلك الانفصال حتى اليوم.
بناء دولة مغلقة في الشمال
بعد الحرب، بدأ كيم إيل سونغ إعادة بناء كوريا الشمالية وترسيخ سلطته المطلقة. واعتمد النظام على الاقتصاد الموجه وسيطرة الدولة على الصناعة والزراعة ووسائل الإنتاج.
وفي العقود الأولى، استفاد الشمال من المساعدات السوفيتية والصينية، وحقق نموًا صناعيًا ملحوظًا مقارنة بالجنوب الذي كان يعاني من الفقر والاضطرابات السياسية.
لكن القيادة الكورية الشمالية طورت تدريجيًا أيديولوجية خاصة عُرفت باسم «جوتشي»، وتقوم على الاعتماد على الذات والاستقلال السياسي والاقتصادي والعسكري. وتحولت هذه العقيدة إلى أساس رسمي للنظام وإلى وسيلة لتعزيز مكانة الزعيم.
وبمرور الوقت، أُغلقت البلاد بصورة متزايدة أمام العالم الخارجي، وفُرضت رقابة صارمة على الإعلام والتنقل والتعبير السياسي. كما أُنشئ نظام واسع لتقديس شخصية كيم إيل سونغ، الذي أصبح يُقدم باعتباره مؤسس الدولة وقائدها التاريخي.
وبعد وفاته سنة 1994، انتقلت السلطة إلى ابنه كيم جونغ إيل، ثم إلى حفيده كيم جونغ أون سنة 2011، لتصبح كوريا الشمالية أول دولة شيوعية تنتقل قيادتها داخل عائلة واحدة عبر ثلاثة أجيال.
من الانقسام إلى الأزمة النووية
مع انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات، فقدت كوريا الشمالية أحد أهم داعميها الاقتصاديين والسياسيين. ودخلت البلاد أزمة اقتصادية وغذائية حادة، شهدت خلالها مجاعة أودت بحياة أعداد كبيرة من السكان.
وفي المقابل، واصلت القيادة توجيه موارد ضخمة إلى الجيش وبرامج الصواريخ والأسلحة النووية، معتبرة أن القوة العسكرية هي الضمان الأساسي لاستمرار النظام ومنع التدخل الخارجي.
وأجرت كوريا الشمالية أول تجربة نووية معلنة سنة 2006، ثم واصلت تطوير صواريخ باليستية بعيدة المدى. وأدى ذلك إلى فرض عقوبات دولية واسعة عليها، وزاد من عزلتها الاقتصادية والسياسية.
وتعتبر بيونغ يانغ ترسانتها النووية وسيلة للدفاع عن نفسها وردع الولايات المتحدة وحلفائها، بينما ترى كوريا الجنوبية واليابان وواشنطن أن هذه القدرات تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي.
وشهدت العلاقات بين الكوريتين فترات من الحوار والتقارب، تضمنت عقد قمم بين قادتهما وتنظيم لقاءات محدودة للعائلات المنفصلة. لكن هذه الانفراجات لم تنجح في إنهاء النزاع أو التوصل إلى اتفاق دائم بشأن البرنامج النووي.
كوريا الجنوبية تسلك طريقًا مختلفًا
بينما انغلقت كوريا الشمالية على نفسها، سلكت كوريا الجنوبية مسارًا مختلفًا. فعلى الرغم من مرورها بعقود من الحكم العسكري والسلطوي، تمكنت لاحقًا من بناء نظام ديمقراطي واقتصاد صناعي متطور.
وأصبحت كوريا الجنوبية قوة عالمية في مجالات التكنولوجيا وصناعة السيارات والسفن والإلكترونيات والثقافة، في حين ظلت جارتها الشمالية تعاني من العزلة والعقوبات ونقص المواد الأساسية.
وأصبح التفاوت بين الدولتين واحدًا من أبرز الأمثلة على تأثير الأنظمة السياسية والاقتصادية المختلفة في مصير المجتمعات، رغم انتمائهما إلى شعب واحد يجمعه التاريخ واللغة والثقافة.
التاسع من سبتمبر عيد للنظام الكوري الشمالي
تحيي كوريا الشمالية يوم التاسع من سبتمبر باعتباره يوم تأسيس الجمهورية وأحد أهم أعيادها الوطنية. وتشهد المناسبة احتفالات رسمية وعروضًا عسكرية وفنية، إلى جانب زيارات النصب التذكارية المرتبطة بكيم إيل سونغ وقادة النظام.
وتستغل القيادة المناسبة للتأكيد على وحدة الدولة وقوة الجيش واستمرار النظام في مواجهة الضغوط الخارجية. كما تُستخدم الاحتفالات لإظهار الأسلحة والصواريخ الجديدة وإرسال رسائل سياسية إلى الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان.
وفي الذكرى الثامنة والسبعين لتأسيس الدولة سنة 2026، تلقى كيم جونغ أون رسائل تهنئة من عدد من قادة العالم، وفي مقدمتهم الرئيسان الصيني شي جين بينغ والروسي فلاديمير بوتين، اللذان أكدا استمرار علاقاتهما الاستراتيجية مع بيونغ يانغ. رويترز
انقسام مستمر منذ أكثر من سبعة عقود
بعد مرور أكثر من سبعة عقود على تأسيس كوريا الشمالية، ما تزال شبه الجزيرة الكورية منقسمة بين دولتين تملكان نظامين سياسيين واقتصاديين متناقضين.
ولا تزال المنطقة المنزوعة السلاح تفصل بين الشعبين، فيما تستمر المناورات العسكرية والتجارب الصاروخية والتهديدات المتبادلة. كما فشلت جولات متعددة من المفاوضات في التوصل إلى معاهدة سلام دائمة أو تسوية نهائية للملف النووي.
لقد كان إعلان التاسع من سبتمبر سنة 1948 نقطة تحول كبرى في تاريخ آسيا والعالم. فمن خلاله أصبح التقسيم المؤقت الذي فرضته نتائج الحرب العالمية الثانية حدودًا سياسية وعسكرية دائمة، ثم اندلعت حرب دامية ما تزال بلا نهاية قانونية.
وهكذا لا يمثل هذا اليوم بالنسبة إلى كوريا الشمالية مجرد ذكرى تأسيس دولة، بل يختصر قصة شعب خرج من استعمار طويل ليجد نفسه منقسمًا بين معسكرين متصارعين. وهو انقسام أسس واحدة من أكثر بؤر التوتر تعقيدًا في العالم، ولا تزال تداعياته تؤثر في أمن شرق آسيا والتوازنات الدولية حتى اليوم.






التعليقات
0 تعليق