فتيحة شاطر
تضع المواجهة المتصاعدة بين السعودية والحوثيين باكستان أمام واحدة من أعقد المعضلات السياسية والعسكرية في تاريخ علاقاتها بالشرق الأوسط. فإسلام آباد مطالبة، من جهة، بالوفاء بالتزاماتها الدفاعية تجاه الرياض، بينما تحاول، من جهة أخرى، حماية علاقتها الحساسة مع طهران والمحافظة على موقعها قناةً للوساطة بينها وبين القوى الإقليمية والدولية.
ومع اقتراب المواجهات من الحدود السعودية–اليمنية، لم يعد بإمكان باكستان التعامل مع الأزمة باعتبارها صراعًا بعيدًا يمكن احتواؤه بالبيانات الدبلوماسية. فأي هجوم يطول الأراضي السعودية أو القوات الباكستانية الموجودة داخل المملكة قد ينقل إسلام آباد من موقع الوسيط إلى موقع الطرف العسكري المباشر، وهو السيناريو الذي تحاول تجنبه حتى الآن.
اتفاق دفاعي أمام أول امتحان ميداني
تزداد حساسية الموقف في ظل اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته باكستان والسعودية وتركيا، والذي يقوم على اعتبار أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول الثلاث هجومًا على بقية الأطراف.
وقد بدا الاتفاق عند توقيعه مظلة ردع جديدة تعزز التعاون العسكري بين الدول الثلاث، لكنه يواجه الآن أول اختبار حقيقي على الأرض. فاستمرار الهجمات الحوثية على السعودية واتساع نطاق المواجهات يطرحان سؤالًا جوهريًا: هل ستكتفي باكستان بالدعم السياسي والاستخباراتي، أم ستعتبر استهداف الأراضي السعودية حالة تستوجب تفعيل التزاماتها الدفاعية؟
حتى الآن، لا يبدو أن إسلام آباد راغبة في الانتقال إلى المشاركة العسكرية المباشرة. وتؤكد تصريحاتها الرسمية تمسكها بالحوار وضبط النفس والحلول الدبلوماسية. لكن الاتفاقات العسكرية لا تبقى دائمًا حبيسة الأوراق، خصوصًا عندما يصبح أمن أحد أطرافها مهددًا بصورة مباشرة.
ويزداد الموقف تعقيدًا مع وجود قوات باكستانية داخل السعودية بموجب ترتيبات دفاعية سابقة. فإذا توسعت هجمات الحوثيين ووصلت إلى المواقع التي ينتشر فيها هؤلاء الجنود، فقد تجد القيادة الباكستانية نفسها داخل المواجهة من دون أن تكون قد اتخذت قرارًا سياسيًا صريحًا بدخول الحرب.
إسلام آباد تحمل رسالة الرياض إلى طهران
تحاول باكستان منع الوصول إلى هذا السيناريو عبر تنشيط اتصالاتها الدبلوماسية مع إيران. فقد نقلت رسالة سعودية إلى طهران تدعوها إلى استخدام نفوذها لكبح الحوثيين ومنع التصعيد من التحول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
كما أجرى قائد الجيش الباكستاني عاصم منير اتصالًا بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بحثا خلاله سبل خفض التوتر وإعادة فتح المجال أمام الحلول السياسية.
وتكشف هذه التحركات أن إسلام آباد تحاول الفصل بين مسارين متوازيين: الالتزام بحماية أمن السعودية، والمحافظة على قنوات التواصل مع إيران. وهي معادلة قد تنجح ما دامت المواجهة محدودة، لكنها تصبح أكثر صعوبة مع كل هجوم جديد وكل اقتراب للحوثيين من الحدود السعودية.
فالسعودية تنتظر من حليفها الباكستاني موقفًا ينسجم مع مضمون التحالف الدفاعي، بينما تراقب إيران أي تحرك عسكري باكستاني يمكن تفسيره على أنه انحياز كامل إلى المعسكر المقابل.
إيران جار لا يمكن تجاهله
لا تستطيع باكستان التعامل مع إيران باعتبارها خصمًا بعيدًا. فالبلدان يشتركان في حدود طويلة وملفات أمنية واقتصادية شديدة التعقيد، من أمن المناطق الحدودية إلى الطاقة والتجارة والجماعات المسلحة.
وقد وصلت العلاقات بين البلدين في يناير 2024 إلى مرحلة خطيرة، بعدما تبادلا ضربات داخل مناطق حدودية، قبل أن يسارعا إلى احتواء الأزمة ومنع انزلاقها إلى مواجهة واسعة.
ومنذ ذلك الحين، حرصت إسلام آباد على إبقاء التواصل مع طهران مفتوحًا، انطلاقًا من إدراكها أن أي اضطراب على حدودها الغربية سيضيف عبئًا جديدًا إلى التحديات التي تواجهها على حدودها مع الهند وداخل أراضيها.
ولهذا تدرك القيادة الباكستانية أن المشاركة في عمليات قتالية ضد الحوثيين لن تُقرأ في طهران بوصفها خطوة دفاعية معزولة، بل قد تُفهم باعتبارها انحيازًا عسكريًا إلى السعودية في مواجهة محور تقوده إيران.
وعندها يمكن أن تتعرض المصالح الباكستانية للضغط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، وقد تفقد إسلام آباد قدرتها على التواصل مع طهران أو أداء دور الوسيط بينها وبين الرياض وواشنطن.
السعودية شريك لا يمكن التخلي عنه
في المقابل، تمثل السعودية بالنسبة إلى باكستان شريكًا استراتيجيًا وعسكريًا واقتصاديًا يصعب الاستغناء عنه. وتعود علاقات التعاون الدفاعي بين البلدين إلى عقود، كما ساهمت الرياض ودول خليجية أخرى في دعم الاقتصاد الباكستاني خلال مراحل مالية صعبة.
ولا يقتصر التعاون على الجانب الأمني، بل يرتبط كذلك بالاستثمارات والطاقة وتحويلات العمالة الباكستانية الموجودة في الخليج. ولذلك فإن ظهور إسلام آباد بمظهر الحليف المتردد عند تعرض السعودية للخطر قد يؤثر في مجمل هذه المصالح.
وتجد باكستان نفسها، نتيجة لذلك، أمام اختيارين كلاهما مكلف. فإذا ابتعدت عن الرياض، فقد تخسر واحدًا من أهم شركائها. وإذا انخرطت في الحرب ضد الحوثيين، فقد تدخل في مواجهة غير مباشرة مع إيران وتفقد هامش المناورة الذي يسمح لها بالتواصل مع مختلف الأطراف.
ولهذا تحاول إبقاء التزاماتها في نطاق الدفاع عن الأراضي السعودية، من دون تحويلها إلى تفويض مفتوح للمشاركة في حرب داخل اليمن أو شن عمليات هجومية على الحوثيين.
معضلة الطاقة تضاعف الضغوط
لا تنحصر حسابات إسلام آباد في الأمن والتحالفات، إذ تشكل الطاقة عنصرًا أساسيًا في موقفها من الأزمة. فباكستان تعتمد على واردات النفط والغاز التي تمر عبر ممرات بحرية أصبحت بدورها جزءًا من المواجهة الإقليمية.
ومع دخول مضيقي هرمز وباب المندب دائرة التوتر، أصبحت حركة السفن وإمدادات الطاقة أكثر عرضة للاضطراب. وأي توسع في الحرب قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة تكاليف النقل والتأمين، وهو ما سيكون له تأثير مباشر في الاقتصاد الباكستاني الذي يواجه أصلًا أزمات مالية وضغوطًا على العملة والاحتياطات.
كما أن انحياز إسلام آباد الواضح إلى أحد المعسكرين قد يعرضها لضغوط تتجاوز المجال العسكري، سواء عبر تعطيل المصالح التجارية أو استخدام الطاقة أداةً للضغط السياسي.
ومن هنا يصبح الحياد بالنسبة إلى باكستان ضرورة اقتصادية، وليس مجرد خيار دبلوماسي. لكنها قد تجد صعوبة متزايدة في الحفاظ عليه إذا تجاوزت الهجمات الحوثية الخطوط التي تعتبرها السعودية تهديدًا وجوديًا لأمنها.
جيش موزع بين جبهات متعددة
تواجه المؤسسة العسكرية الباكستانية بدورها حسابات معقدة. فهي تحافظ على انتشار واسع على الحدود مع الهند، وتتعامل في الوقت نفسه مع تحديات أمنية داخلية وتوترات في المناطق الحدودية مع أفغانستان وإيران.
وأي التزام عسكري جديد في اليمن أو قرب الحدود السعودية–اليمنية سيضيف جبهة أخرى إلى جيش مطالب أصلًا بتوزيع موارده بين ملفات كثيرة.
لذلك لا تبدو إسلام آباد مستعدة لإرسال قوات للمشاركة في عمليات هجومية ضد الحوثيين، حتى وإن واصلت تقديم التدريب والمشورة والدعم الدفاعي للسعودية.
لكن وجود جنود باكستانيين قرب الحدود السعودية–اليمنية يجعل الفصل بين الدعم الدفاعي والمشاركة القتالية مسألة شديدة الهشاشة. فقد تكفي ضربة حوثية واحدة توقع قتلى في صفوفهم لتغيير حسابات الحكومة والجيش وإثارة ضغط داخلي يطالب بالرد.
الحوثيون يختبرون حدود التحالف الثلاثي
لا يختبر الحوثيون قدرة السعودية على حماية حدودها فقط، بل يختبرون كذلك مدى تماسك التحالف الدفاعي الذي يجمع الرياض بإسلام آباد وأنقرة.
فإذا استمر الهجوم من دون تحرك ملموس من الحلفاء، فقد تظهر تساؤلات بشأن القيمة الفعلية للاتفاق وقدرته على الردع. أما إذا جرى تفعيله عسكريًا، فقد تتحول مواجهة الحوثيين إلى صراع إقليمي أوسع يضع باكستان وتركيا بصورة مباشرة أمام إيران.
ومن المرجح أن تحاول الدول الثلاث تفسير الاتفاق بصورة تسمح لها بالدفاع عن الأراضي السعودية من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة داخل اليمن. لكن الفصل بين الدفاع والهجوم يصبح غامضًا عندما تُستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة ويصعب حصر المواجهة داخل حدود جغرافية ثابتة.
الوسيط قد يصبح طرفًا
تقوم الوساطة على قدرة الوسيط على التواصل مع جميع أطراف الأزمة، بينما تفرض التحالفات الدفاعية التزامات قد تنهي هذا الحياد. وهذه هي المعضلة الأساسية التي تواجهها باكستان اليوم.
فالرياض ترى فيها حليفًا عسكريًا قادرًا على دعم أمنها، وطهران تعتبرها قناة يمكن استخدامها لنقل الرسائل وخفض التصعيد، بينما تنظر إليها واشنطن بوصفها دولة ذات ثقل عسكري وعلاقات تسمح لها بأداء دور يصعب على أطراف أخرى القيام به.
لكن قيمة هذا الدور ستتراجع فور انتقال باكستان إلى المشاركة العسكرية. فإذا أطلقت قواتها النار على الحوثيين، فلن تعود طهران قادرة على التعامل معها باعتبارها وسيطًا محايدًا، وقد تتحول من جسر للتواصل إلى طرف جديد في الصراع.
ولهذا تبذل إسلام آباد كل ما تستطيع لإبقاء المواجهة تحت سقف يسمح لها بحماية علاقتها بالسعودية من دون خسارة إيران.
غير أن القرار قد لا يبقى في يدها طويلًا. فكلما اقتربت الهجمات من الأراضي السعودية والقوات الباكستانية، تقلصت المسافة الفاصلة بين الوساطة والالتزام الدفاعي.
وهكذا لا يمثل التصعيد بين الحوثيين والسعودية اختبارًا للعلاقة بين الرياض وإسلام آباد فقط، بل اختبارًا للنموذج الذي تحاول باكستان تقديمه لنفسها: قوة عسكرية إقليمية، وحليف دفاعي للسعودية، وجار حذر لإيران، ووسيط قادر على التحدث مع الخصوم في الوقت نفسه.
إنها معادلة دقيقة يمكن الحفاظ عليها في زمن التهدئة، لكنها قد تنهار عند أول صاروخ يصيب هدفًا لا تستطيع إسلام آباد تجاهله.









التعليقات
0 تعليق