إعلان
980×90
مساحة إعلانية
مقالات رأي

«لا تجعلوا من المغرب ورقة في صراعاتكم».. بيان حازم يهز العلاقة مع إسبانيا وحقيقة التصريح المنسوب إلى بوريطة

نُشر في

فتيحة شاطر

«لا تجعلوا من المغرب ورقة في صراعاتكم الانتخابية والسياسية».. بهذه النبرة الحازمة وجهت الرباط رسالة واضحة إلى الطبقة السياسية الإسبانية، بعدما تصاعدت الاتهامات التي تحمّل المملكة مسؤولية موجة العبور الجماعي للمهاجرين نحو مدينة سبتة خلال يوليوز الماضي.

وجاء الموقف المغربي في وقت كانت فيه الرباط ومدريد تقدمان علاقتهما بوصفها نموذجًا للتعاون الاستراتيجي القائم على الثقة والاحترام المتبادل والتنسيق المستمر. غير أن أزمة الهجرة، بالتزامن مع مصادقة مجلس النواب الإسباني على مشروع قانون يفتح مسارًا خاصًا لمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين، أعادتا التوتر إلى الواجهة وطرحتا تساؤلات جدية بشأن حدود الصبر المغربي.

وزاد من تعقيد المشهد تصريح وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، الذي نسب إلى نظيره المغربي ناصر بوريطة قوله إن تصريحات بعض الوزراء المغاربة بشأن سبتة ومليلية جاءت في سياق انتخابي ولا تمثل الموقف الرسمي للمملكة.

لكن هل صرح بوريطة بذلك فعلًا؟ أم أن الأمر يتعلق برواية إسبانية لمضمون اتصالات دبلوماسية لم تكشف الرباط رسميًا تفاصيلها؟

بيان لا يهدد لكنه يرسم الحدود

حرص بيان وزارة الشؤون الخارجية المغربية على التذكير بأن العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة قامت على الاحترام المتبادل والثقة والحوار الدائم، وهو ما مكّن البلدين من تحقيق مكاسب مهمة في مجالات الاقتصاد والأمن ومحاربة الإرهاب وتدبير الهجرة والتعاون الحدودي.

كما أكد أن المغرب وإسبانيا نجحا في تجاوز خلافاتهما السابقة برصانة، بعيدًا عن منطق فرض الأمر الواقع أو استخدام الأزمات وسيلة للضغط المتبادل.

لكن نبرة البيان حملت هذه المرة رسالة لا تخطئها العين: الرباط مستعدة لمواصلة الشراكة، لكنها ترفض أن تتحول إلى كبش فداء تستخدمه الأحزاب الإسبانية لتصفية حساباتها الداخلية أو تحسين مواقعها السياسية قبل الانتخابات.

لم يصل الموقف المغربي إلى حد استدعاء السفير أو تعليق التعاون الأمني أو وقف التنسيق في ملف الهجرة. ومع ذلك، كشفت اللغة المستخدمة أن الرباط أرادت رسم حد فاصل بين التعاون القائم على المصالح المشتركة وبين مطالبتها بالقيام بدور «الدركي» الذي يحرس الحدود الإسبانية ويتحمل وحده مسؤولية كل أزمة تقع داخلها.

إنها ليست قطيعة دبلوماسية، لكنها رسالة إنذار واضحة: المغرب شريك، وليس خادمًا للمصالح الإسبانية، ولا يمكن استدعاؤه عند الحاجة ثم تحميله المسؤولية كلما اشتدت الصراعات السياسية داخل مدريد.

أزمة سبتة تفجر غضب الرباط

بدأ التوتر الأخير عقب موجة العبور الجماعي للمهاجرين نحو سبتة خلال يوليوز الماضي. وتحولت الأزمة الإنسانية والأمنية سريعًا إلى مادة للصراع الحزبي والإعلامي داخل إسبانيا، حيث وجه سياسيون وإعلاميون اتهامات للمغرب بتسهيل عمليات العبور أو غض الطرف عنها.

وردت الرباط بقوة، نافية أي تورط متعمد، ومعتبرة أن اسم المغرب أصبح حاضرًا بصورة مبالغ فيها داخل كل نقاش إسباني متعلق بالهجرة، رغم عدم تقديم أدلة ملموسة تثبت وقوف السلطات المغربية خلف ما جرى.

ومنذ اندلاع الأزمة، أصبح المغرب محور الخطابات السياسية والتغطيات الإعلامية والمظاهرات داخل إسبانيا، حتى بدا وكأنه المسؤول الوحيد عن أزمة لها أبعاد إنسانية وأمنية وسياسية داخلية معقدة.

وبحسب الكاتب المغربي المتخصص في العلاقات المغربية الأوروبية عبد المنعم العمراني، فإن بيان الخارجية المغربية لم يكن تهديدًا مباشرًا لإسبانيا، إذ لم يتضمن إجراءات تصعيدية أو تعليقًا للتعاون، لكنه مثّل رسالة شديدة اللهجة مفادها أن للمغرب حدودًا لا يقبل تجاوزها.

فالرباط تريد العمل مع مدريد باعتبارهما دولتين مستقلتين ذات سيادة تجمعهما مصالح متبادلة. لكنها ترفض أن تُختزل وظيفتها في منع المهاجرين من الوصول إلى سبتة ومليلية، أو أن تُحمَّل في كل مرة المسؤولية عن إخفاقات السياسة الإسبانية في تدبير الهجرة.

وليست سبتة ومليلية مجرد معبرين حدوديين بالنسبة إلى المغرب، بل مدينتان يعتبرهما المغاربة من بقايا الوجود الاستعماري الإسباني. ولذلك تحمل كل أزمة تقع عند حدودهما أبعادًا تاريخية وسياسية تتجاوز التدبير الأمني اليومي للهجرة.

المغرب شريك وليس دركيًا لإسبانيا

تريد الرباط، وفق رسالة البيان، الحفاظ على تعاون قوي ومتوازن مع مدريد، لكنها ترفض أن تتحول إلى مجرد حارس للحدود الإسبانية أو أداة لخدمة المصالح الأمنية الأوروبية.

فالتعاون الحقيقي يقتضي تقاسم المسؤوليات والالتزامات، وليس تحميل المغرب وحده أعباء محاربة الهجرة غير النظامية، ثم توجيه الاتهامات إليه كلما شهدت سبتة أو مليلية موجة عبور جديدة.

كما أن تدبير الهجرة لا يبدأ عند السياج الحدودي، بل يرتبط بشبكات التهريب والفقر والصراعات في عدد من البلدان الإفريقية، إضافة إلى السياسات الأوروبية المتعلقة باللجوء واستقبال المهاجرين القاصرين وإعادتهم.

لذلك، لا يمكن اختزال أزمة بهذا التعقيد في اتهام سياسي سهل عنوانه «المغرب هو المسؤول»، خصوصًا حين يُستخدم هذا الاتهام في الحملات الحزبية الإسبانية من دون تقديم أدلة واضحة.

تجنيس الصحراويين يعيد الملف الحساس إلى الواجهة

في خضم الجدل المتعلق بسبتة، صادق مجلس النواب الإسباني على مشروع قانون يفتح مسارًا خاصًا لمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين في الصحراء قبل 29 شتنبر 1977، خلال فترة الإدارة الاستعمارية الإسبانية.

ويمنح النص المستفيدين أجلًا محددًا لتقديم طلباتهم، كما يتيح لأبنائهم من الدرجة الأولى الاستفادة من الجنسية وفق شروط خاصة، ويعدل القانون المدني بما يسمح للصحراويين بطلب الجنسية بعد سنتين من الإقامة القانونية في إسبانيا.

لكن مصادقة مجلس النواب لا تعني اكتمال المسار التشريعي؛ إذ يبقى النص خاضعًا لبقية الإجراءات الدستورية قبل دخوله حيز التنفيذ ونشره رسميًا.

ورغم أن المشروع لا يعلن رسميًا تغيير موقف الحكومة الإسبانية من قضية الصحراء، فإنه يحمل حساسية سياسية كبيرة بالنسبة إلى المغرب. فالرباط تعتبر أن أي إجراء قانوني يقوم على فصل سكان الصحراء عن بقية المغاربة يمكن أن يُستعمل سياسيًا للطعن في مغربية الإقليم أو منح خصوم المملكة أدوات إضافية للتحرك داخل أوروبا.

وتزداد حساسية الخطوة لأنها تأتي بعد التحول الذي عرفه الموقف الإسباني سنة 2022، عندما أعلنت حكومة بيدرو سانشيز دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل النزاع.

وبالتالي، فإن تحريك ملف الجنسية في هذا التوقيت يثير سؤالًا مشروعًا في الرباط: هل يتعلق الأمر فعلًا بمعالجة إنسانية لإرث استعماري، أم بمحاولة حزبية لإحياء الملف واستعماله في الصراع السياسي الداخلي ضد حكومة سانشيز والمغرب معًا؟

عودة متناقضة إلى إرث فرانكو

يقدم داعمو المشروع الإسباني منح الجنسية باعتباره تصحيحًا تاريخيًا وإنصافًا للأشخاص الذين وُلدوا في الصحراء عندما كانت خاضعة للإدارة الإسبانية.

لكن عبد المنعم العمراني يرى في المبادرة مفارقة سياسية واضحة، إذ إن أحزابًا يسارية ويسارية متطرفة تعود، من حيث لا تدري، إلى إرث المرحلة الفرانكوية، وتستحضر وضعًا قانونيًا يعود إلى سنوات الجنرال فرانكو حين كانت الصحراء مستعمرة إسبانية.

ويجد هذا التوجه دعمًا كذلك لدى حزب «فوكس» اليميني المتطرف، رغم التناقض الإيديولوجي الكبير بينه وبين قوى اليسار. وبذلك يلتقي خصوم سياسيون من مواقع متعارضة حول ملف شديد الحساسية بالنسبة إلى المغرب، كلٌّ منهم يحاول توظيفه وفق حساباته الخاصة.

وهنا تبرز رسالة البيان المغربي: لا يجوز استخدام المغرب وقضاياه السيادية وقضية الصحراء وقودًا للمنافسات الانتخابية الإسبانية، فالعلاقات بين الدول لا ينبغي أن تصبح رهينة لحملة انتخابية أو مزايدة حزبية عابرة.

هل قال بوريطة إن تصريحات الوزراء مجرد حملة انتخابية؟

وسط هذه الأجواء المتوترة، دخل اسم وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة على خط الأزمة، بعدما أعلن نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أنه تلقى منه توضيحات بشأن تصريحات بعض الوزراء المغاربة المتعلقة بسبتة ومليلية.

وبحسب رواية ألباريس، أوضح له بوريطة أن تلك التصريحات صدرت في سياق الحملة الانتخابية المغربية، وأن أصحابها تحدثوا بصفتهم ممثلين لأحزاب سياسية، وليس بصفتهم أعضاء في الحكومة، ولذلك فإن كلامهم لا يمثل الموقف الرسمي للدولة المغربية.

لكن هذه الرواية تستدعي قدرًا كبيرًا من الحذر، لأن التصريح لم يصدر علنًا عن ناصر بوريطة، كما لم تنشر وزارة الخارجية المغربية بيانًا رسميًا يتضمن هذا التوضيح.

المتاح أمام الرأي العام هو ما نقله الوزير الإسباني عن مضمون اتصالاته مع نظيره المغربي، وليس تصريحًا مباشرًا وموثقًا بالصوت أو الكتابة صادرًا عن بوريطة نفسه.

وعليه، لا يمكن الجزم بأن بوريطة خرج رسميًا ليقول إن مواقف الوزراء «مجرد حملة انتخابية». والصياغة الصحافية الدقيقة هي أن ألباريس نسب إلى بوريطة توضيحًا مفاده أن التصريحات جاءت في سياق انتخابي ولا تعكس الموقف الرسمي للمملكة.

والفرق هنا بالغ الأهمية؛ فأن يصدر الموقف في بلاغ رسمي عن الخارجية المغربية أمر، وأن ينقله الوزير الإسباني وفق روايته لمحادثة دبلوماسية غير معلنة أمر آخر.

هل وظفت مدريد اسم بوريطة؟

يثير نقل ألباريس لهذه المحادثة سؤالًا سياسيًا حساسًا: إذا كان بوريطة قد قدم فعلًا هذا التوضيح، فهل كان يحاول احتواء الأزمة والمحافظة على قنوات التعاون مع مدريد؟ أم أن الجانب الإسباني وظف مضمون اتصال دبلوماسي غير معلن لتهدئة الرأي العام الداخلي وإظهار أن الرباط تراجعت عن تصريحات مسؤوليها؟

كما يثير الأمر تساؤلًا بشأن سبب عدم صدور توضيح مغربي رسمي يؤكد رواية ألباريس أو ينفيها، خصوصًا بعدما قدمت بعض المنابر الكلام على أنه تصريح مباشر لبوريطة.

فالدبلوماسية تُبنى على كلمات محسوبة، وأي اختلاف بين ما يقال داخل المحادثات المغلقة وما ينقل إلى وسائل الإعلام قد يفتح بابًا واسعًا للتأويل والاستغلال السياسي.

وحتى يصدر موقف رسمي مباشر من الرباط، سيظل الكلام رواية أعلنها ألباريس ونسبها إلى بوريطة، وليس تصريحًا علنيًا صادرًا عن وزير الخارجية المغربي.

دعم غير مباشر لبيدرو سانشيز؟

رغم شدة نبرة البيان المغربي، يرى العمراني أنه يحمل بين سطوره مساندة غير مباشرة لرئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الذي وجد نفسه تحت نيران المعارضة وحلفائه داخل الائتلاف الحكومي وبعض مؤسسات الدولة.

فحين يفصل المغرب بين مواقف الأحزاب والشخصيات السياسية وبين السياسة الرسمية للحكومة الإسبانية، فإنه يمنح سانشيز مساحة للمناورة، ويؤكد أن الرباط لا تزال تراهن على العلاقات المؤسساتية مع مدريد ولا تريد الانجرار إلى قطيعة شاملة.

وفي المقابل، قد يكون الحديث عن صدور تصريحات الوزراء المغاربة في سياق انتخابي محاولة للحفاظ على التوازن نفسه، أي الفصل بين مواقف سياسية مرتبطة بالحملة الانتخابية وبين السياسة الدبلوماسية الرسمية التي تديرها الدولة.

لكن هذا التفسير لا يعني أن الرباط تراجعت عن موقف المغاربة التاريخي من سبتة ومليلية، بل قد يعكس فقط رغبتها في منع التصريحات الحزبية من تفجير العلاقات الثنائية في مرحلة دقيقة.

أزمة إنسانية تحولت إلى معركة سياسية

بدأت أزمة سبتة باعتبارها مأساة إنسانية مرتبطة بآلاف المهاجرين، لكنها سرعان ما تحولت إلى معركة سياسية وإعلامية.

وبدل التركيز على إنقاذ الأرواح وتدبير أوضاع العالقين وتوزيع المسؤوليات داخل إسبانيا والاتحاد الأوروبي، جرى اختزال النقاش في سؤال واحد: ماذا فعل المغرب؟

هذا الخطاب، في نظر الرباط، يتجاهل أن تدبير الهجرة مسؤولية مشتركة، وأن المغرب يبذل جهودًا كبيرة لحماية الحدود وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، كما أبدى استعداده لاستقبال مواطنيه الذين تثبت هوياتهم.

ولا يمكن مطالبة المملكة بتحمل الأعباء الأمنية والمالية والإنسانية وحدها، ثم مهاجمتها كلما أخفقت السياسة الداخلية الإسبانية في استيعاب تدفقات الهجرة أو معالجة آثارها.

الشراكة ممكنة لكن الثقة ليست شيكًا على بياض

لا يبدو أن الرباط تريد نسف ما تحقق في علاقاتها مع مدريد خلال السنوات الأخيرة. فالتعاون الاقتصادي والأمني بين البلدين بلغ مستويات مهمة، والمصالح المشتركة أوسع من أن يُضحّى بها بسبب تصريحات انتخابية أو خلاف عابر.

لكن البيان المغربي يوضح أن المحافظة على الشراكة ليست مسؤولية المغرب وحده. فإسبانيا مطالبة أيضًا باحترام المصالح العليا للمملكة وعدم السماح بتحويل قضية الصحراء أو الهجرة أو سبتة ومليلية إلى أدوات للمزايدة الحزبية.

رسالة المغرب لا تعني إغلاق باب الحوار، بل تؤكد أن الحوار الحقيقي لا يقوم إلا بين شريكين متكافئين. فالمملكة لن تقبل دور الشرطي الذي يحمي الحدود الإسبانية مقابل اتهامات متكررة، ولن تتعامل بصمت مع خطوات يمكن أن تمس ملف الصحراء أو تعيد إحياء الإرث الاستعماري تحت غطاء إنساني.

إنها رسالة دبلوماسية حازمة إلى مدريد: يمكن الحفاظ على الشراكة وتطويرها، ويمكن تجاوز الخلافات بالحوار، لكن ذلك يتطلب التوقف عن استخدام المغرب ورقة في الصراعات السياسية والانتخابية.

لقد راكم البلدان رصيدًا مهمًا من الثقة، غير أن هذه الثقة ليست شيكًا على بياض. وإذا واصلت بعض القوى الإسبانية العبث بملفات المغرب السيادية، فقد تجد العلاقات نفسها أمام اختبار أكثر صعوبة من أزمة سبتة، وحينها لن يكون من السهل إصلاح ما أفسدته المزايدات الانتخابية.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.

سياسة الخصوصية