هجر إمغري
أطلق لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، التحضيرات الخاصة بتنظيم النسخة الجديدة من جائزة أفضل الصناع التقليديين في الحرف والمنتجات المرتبطة بالفرس والتبوريدة، في خطوة ترمي إلى تسليط الضوء على فئة من الحرفيين الذين يواصلون الحفاظ على مهارات تقليدية ارتبطت لسنوات طويلة بالهوية الثقافية والفروسية المغربية.
ويأتي تنظيم هذه الجائزة في سياق متزايد الاهتمام بالحرف المرتبطة بعالم الفرس والتبوريدة، باعتبارها جزءا من الموروث المغربي الذي يجمع بين الصناعة التقليدية والفروسية والاستعراضات التراثية. ولا تقتصر هذه الحرف على إنتاج أدوات ومستلزمات مرتبطة بالفرس، بل تعكس كذلك تراكم خبرات يدوية وفنية انتقلت بين الأجيال، وظلت حاضرة في مختلف المناسبات التي تحتل فيها التبوريدة مكانة خاصة داخل الثقافة المغربية.
وخصص اجتماع لجنة قيادة الجائزة لمناقشة مختلف الاستعدادات المرتبطة بالدورة الجديدة، حيث جرى استعراض التصور العام للمسابقة والمراحل التي ستقود إلى اختيار الصناع المتوجين، إلى جانب بحث الإجراءات العملية والتنظيمية والتقنية الكفيلة بضمان سير المنافسة وفق معايير واضحة.
وضمت اللجنة عددا من المسؤولين والمؤسسات المعنية بمجال الفروسية والصناعة التقليدية، وهو ما يعكس طبيعة الجائزة التي تجمع بين أكثر من مجال، في مقدمتها الصناعة التقليدية وفنون الفروسية التقليدية والتعريف بالمنتجات المرتبطة بالفرس. كما يبرز هذا التعاون الرغبة في منح المسابقة بعدا مؤسساتيا يمكنها من الوصول إلى عدد أكبر من الحرفيين وتشجيعهم على تطوير منتجاتهم ومهاراتهم.
وتستهدف جائزة حرفيي التبوريدة بالأساس تثمين الكفاءات والمهارات اليدوية التي تقف وراء صناعة عدد من المستلزمات المرتبطة بالفرس والفروسية التقليدية، مع منح الحرفيين فرصة لإبراز جودة أعمالهم وقدرتهم على الجمع بين المحافظة على الأصالة والانفتاح على أساليب جديدة في الإبداع والتطوير.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة للحرف التي أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بمشهد التبوريدة، من قبيل السراجة وصناعة البنادق التقليدية والنسيج، إضافة إلى حرفة “التماك”، إذ تمثل هذه المجالات جزءا من منظومة حرفية متكاملة توفر مختلف التجهيزات والمنتجات التي يحتاجها الفارس وتمنح عروض الفروسية التقليدية طابعها المميز.
ويرتبط الحفاظ على هذه الحرف أيضا بالحفاظ على المعرفة التقليدية التي يحملها الصناع المهرة، خصوصا أن بعض التقنيات وأساليب الاشتغال لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الخبرة المتراكمة والممارسة الطويلة. ومن هنا تبرز أهمية المسابقة في تشجيع الحرفيين على الاستمرار في نقل هذه المعارف، بدل أن تظل مرتبطة فقط بأجيال محددة من الصناع.
وبحثت لجنة القيادة مختلف مراحل المسابقة، ابتداء من إطلاق طلب إبداء الاهتمام الموجه إلى الصناع التقليديين، مرورا بعملية استقبال الترشيحات وانتقاء المشاركين، وصولا إلى تقييم الأعمال وتحديد الفائزين. كما شملت المناقشات الجوانب المرتبطة بالجدولة الزمنية والترتيبات التنظيمية والتقنية المصاحبة لهذه المحطات.
ويرتقب أن تساهم عملية توسيع قاعدة المشاركة في منح الجائزة بعدا أكثر انفتاحا، خاصة مع الاهتمام بالحرفيين الحاصلين على علامات الجودة والشهادات المهنية. ويهدف هذا التوجه إلى إبراز التجارب التي راكمت مستوى متقدما من الخبرة والاحتراف، وتشجيع أصحابها على مواصلة الاستثمار في تطوير منتجاتهم والرفع من جودتها.
كما يعكس التركيز على الجودة توجها نحو جعل الصناعة التقليدية المرتبطة بالفرس أكثر قدرة على الحفاظ على خصوصيتها، وفي الوقت نفسه الاستجابة للتحولات التي يعرفها سوق المنتجات التقليدية. فالحرفي لم يعد مطالبا فقط بالحفاظ على الأساليب القديمة، وإنما أصبح مدعوا كذلك إلى تطوير منتجه والارتقاء بجودته وإبراز قيمته الثقافية والجمالية.
وتمنح جائزة حرفيي التبوريدة في هذا السياق فرصة للحرفيين من أجل الوصول إلى واجهة وطنية مهمة، خصوصا أن تتويج الفائزين سيجري خلال الدورة المقبلة من معرض الفرس بالجديدة. ويشكل هذا الموعد مناسبة سنوية تجمع المهتمين بعالم الخيل والفروسية والصناعة التقليدية، ما يجعل منصة مناسبة للتعريف بالمنتجات الحرفية وإبراز أصحاب المهارات المتخصصة في هذا المجال.
ومن المنتظر أن يحتضن معرض الفرس بالجديدة مراسم الإعلان عن الفائزين وتسليم الجوائز خلال الفترة الممتدة من 12 إلى 18 أكتوبر المقبل، في موعد سيتيح للحرفيين المشاركين تقديم نماذج من أعمالهم أمام جمهور واسع من المهتمين بالفرس والتبوريدة والتراث المغربي.
ويأتي هذا الموعد ليمنح الجائزة بعدا رمزيا يتجاوز فكرة المنافسة والتتويج، إذ يرتبط الاحتفاء بالحرفيين بصيانة جانب من الذاكرة الثقافية المغربية، خاصة أن التبوريدة ليست مجرد عرض للفروسية، وإنما فضاء تتقاطع فيه مهارات الفارس مع خبرة الحرفي الذي يصنع ويهيئ مختلف الأدوات والمنتجات المرتبطة بهذا التراث.
وتبرز أهمية المبادرة كذلك في قدرتها على تشجيع الأجيال الجديدة على الاهتمام بالحرف المرتبطة بالفرس، عبر تقديم نماذج ناجحة من الصناع التقليديين وإبراز قيمة العمل اليدوي المتخصص. ويظل نقل هذه المهارات إلى الشباب من أبرز التحديات التي تواجه عددا من الحرف التقليدية، خصوصا تلك التي تحتاج إلى سنوات طويلة من التدريب والممارسة حتى يتمكن الحرفي من إتقان تفاصيلها الدقيقة.
وتفتح الجائزة، في المقابل، المجال أمام تعزيز حضور الحرف التقليدية داخل منظومة الفروسية المغربية، وربط الإبداع الحرفي بقيمة التراث الذي تمثله التبوريدة. كما يمكن أن تشكل مناسبة لإعادة اكتشاف عدد من الحرف المتخصصة والتعريف بأصحابها، بما يساهم في تعزيز مكانتهم وتشجيعهم على مواصلة تطوير مهاراتهم.
وتؤكد هذه الدينامية أن حماية التراث لا تتوقف عند الحفاظ على المظاهر الاحتفالية، وإنما تشمل أيضا الأشخاص الذين يقفون وراء استمرارها، وفي مقدمتهم الصناع التقليديون الذين يحافظون على تقنيات وأساليب إنتاج توارثوها عبر الأجيال. ومن خلال هذه الجائزة، تتجه الأنظار إلى هؤلاء الحرفيين باعتبارهم شركاء أساسيين في صون الذاكرة المرتبطة بالفرس والتبوريدة وإبرازها بصورة تليق بمكانتها داخل الثقافة المغربية.








التعليقات
0 تعليق