ياسر الرقاص
في بوح سياسي غير مسبوق، وأمام حشد من مناضلي حزب الأصالة والمعاصرة استعدادا لانتخابات 23 شتنبر 2026، ألقى فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، حجرا ثقيلا في بركة النقاش العمومي بتأكيده الصريح على فشل المخطط الحكومي الخاص بدعم استيراد الأغنام.
وفي خطوة تقطع مع الخطاب الحكومي التبريري، اعترف المسؤول الأول عن الخزينة العامة بأن الاعتمادات المالية الضخمة التي ضخت في الأسواق لم تفلح في كبح جماح الأسعار، ولم تحقق هدفها الاجتماعي المتمثل في تمكين المغاربة من اقتناء أضحية العيد بتكلفة معقولة.
الخطاب الذي اتسم بنبرة حازمة وهجومية، جاء كرد فعل مباشر على أصوات داخلية وخارجية، ولا سيما انتقادات بعض الفاعلين السياسيين مثل القيادي السعدي، التي حاولت تحميل مؤسسة الميزانية وزر الإخفاقات القطاعية وتحويلها إلى “كبش فداء” لتصفية حسابات سياسوية ضيقة قبيل الاستحقاقات الانتخابية.
ولم يكتف لقجع بالدفاع عن موقفه، بل قدم تشريحاً دقيقاً لآلية عمل المالية العمومية في المغرب ليضع حدا للخلط المتعمد بين “برمجة الميزانية” و”التنفيذ الميداني”. فقد أوضح الوزير أن مسؤوليته الدستورية تنتهي بمجرد مصادقة المؤسسة التشريعية على الغلاف المالي ونشره في الجريدة الرسمية.
بينما تتحمل القطاعات الوزارية الوصية المسؤولية الكاملة والمنفردة عن تدبير الصفقات العمومية واختيار الموردين وتقييم الإنجاز، هذا التوضيح الفني يحمل في طياته رسالة سياسية مشفرة للقطاعات الحكومية الأخرى بضرورة تحمل مسؤولياتها الإدارية والسياسية عوض الاختباء خلف أعذار شح التمويل أو تعقيدات وزارة الميزانية.
وبالعودة إلى ملف الأغنام الشائك، تكشف المعطيات الميدانية حجم التباين بين النوايا الحكومية والنتائج على الأرض، فقد رصدت الدولة دعما ماليا مباشرا بقيمة 500 درهم عن كل رأس ماشية مستورد، بغية تخفيف العبء عن الأسر المغربية.
غير أن استمرار اشتعال أسعار اللحوم الحمراء كشف عن اختلالات عميقة في آليات تنظيم السوق ونجاعة السياسات الفلاحية المتبعة، وهو ما دفع حزب الأصالة والمعاصرة مؤخرا إلى الدعوة لترسيخ “فضيلة الاعتراف بالفشل” عند تقييم السياسات العمومية كمدخل حقيقي للإصلاح، بعيداً عن الشعبوية.
وإختار لقجع إنهاء مداخلته بدعوة صريحة ومباشرة إلى “تصحيح وإصلاح وتغيير المسار”. هذه الدعوة لا تمثل مجرد نقد ذاتي لتدبير مرحلة ماضية، بل تؤسس لعقيدة سياسية جديدة تعلي من شأن التقييم الموضوعي وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتضع الحكومة المقبلة أمام تحدي صياغة سياسات دعم موجهة بذكاء، قادرة على بلوغ مستحقيها الفعليين دون أن تتسرب في قنوات المضاربة والمصالح الريعية.








التعليقات
0 تعليق