ياسر الرقاص
في لحظة سياسية وعسكرية فارقة، وفي توقيت يحمل أثقل الدلالات الرمزية في الذاكرة الأمريكية، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسم محددات الأمن القومي لبلاده، رابطا بين إرث أعمق صدمة أمنية تعرضت لها واشنطن في تاريخها الحديث، وبين التهديد الجيوسياسي الأبرز في الساحة الحالية.
من خلال تصريحات حاسمة لا تقبل التأويل بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر، رسم ترامب خطا فاصلا بين مرحلتين، مؤكدا أن الولايات المتحدة تخوض اليوم معركة مصيرية لا مجال فيها للتراجع، وأن الهدف الأسمى الملقى على عاتق القوات المسلحة هو حرمان طهران بشكل قاطع ونهائي من امتلاك القدرة النووية.
هذه التصريحات، التي أُطلقت من قلب مؤسسة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، تمثل تتويجاً لعقيدة متجددة تنظر إلى التحديات الراهنة باعتبارها امتداداً مباشراً للاختبار القاسي الذي فرضته أحداث عام 2001.
التحول نحو عقيدة الحسم المطلق ومعادلة الصفر
عندما يصرح ساكن البيت الأبيض بعبارة واضحة المعالم: “نقاتل اليوم بقوة ولا خيار لنا سوى النصر”، فإنه يوجه رسالة متعددة الأبعاد تتجاوز مجرد الاستهلاك الإعلامي المحلي لتستقر في عمق غرف العمليات العسكرية والدبلوماسية حول العالم.
استخدام مفردة “نقاتل” بصيغة الحاضر المستمر يعكس حالة من الاستنفار الشامل والاشتباك الفعلي، سواء كان ذلك عبر حروب سيبرانية، أو مواجهات بالوكالة، أو استعراض للقوة الخشنة في الممرات المائية الاستراتيجية.
هذا الخطاب يلغي المساحات الرمادية التي طالما ميزت الدبلوماسية التقليدية في التعامل مع الأزمات الدولية، ويضع المؤسسة العسكرية والسياسية الأمريكية أمام معادلة صفرية خالصة: إما التفوق المطلق أو التراجع المرفوض تماما.
إن التأكيد على غياب أي خيارات بديلة عن “النصر” يمثل تصعيداً نفسياً وعملياتياً يهدف إلى كسر إرادة الخصوم قبل حتى أن تبدأ أي مواجهة شاملة، ويهيئ الرأي العام الداخلي لتقبل أي تكاليف قد تترتب على هذا المسار الحازم الذي لا مساومة فيه.
متلازمة 11 سبتمبر وتأسيس شرعية المواجهة المستمرة
إن استدعاء الرئيس الأمريكي لذكرى الحادي عشر من سبتمبر بقوله “العالم لن يعود إلى ما كان عليه قبل 11 سبتمبر” ليس مجرد استحضار عابر لذكرى أليمة، بل هو توظيف استراتيجي ذكي لنقطة التحول الأهم في السياسة الخارجية الأمريكية المعاصرة.
لقد أسست تلك الهجمات لشرعية “الحرب الاستباقية” ومفهوم “مكافحة الإرهاب العالمي” الذي غير شكل الخارطة الجيوسياسية. ويبدو جلياً أن الإدارة الأمريكية تستنسخ تلك الشرعية العميقة وتوجه بوصلتها نحو أهداف راهنة، حيث وصف ترامب إيران بـ”الراعي الأول للإرهاب حول العالم”.
من خلال ربط ذلك الماضي بالقول “واليوم نمر باختبار وننجح فيه”، يخلق ترامب جسراً نفسياً وسياسياً يربط بين تضحيات الأمس وتحديات اليوم. هذا الربط يضفي طابعاً من القدسية الوطنية على المواجهة الحالية مع الأطراف المناوئة لواشنطن، ويصور الصراع الحالي مع طهران وحلفائها ليس كأزمة طارئة أو خلاف دبلوماسي، بل كاختبار تاريخي مستمر لمدى صلابة وقدرة الولايات المتحدة على حماية نظامها العالمي.
إن إعلان “النجاح” في هذا الاختبار في خضم الأحداث المتسارعة هو محاولة لتثبيت الثقة في القيادة الأمريكية وتوجيه رسالة ردع قوية للمتربصين بأن واشنطن قد تجاوزت صدماتها وباتت أكثر قدرة على استيعاب التهديدات المتقدمة وتحييدها بفاعلية تامة.
عسكرة الردع النووي: القوات المسلحة في الواجهة تكتسب هذه التصريحات أبعاداً أكثر خطورة وواقعية عندما يُحدد الهدف المركزي لهذه التعبئة الشاملة: “جنودنا يعملون اليوم على التأكد من أن إيران لن تحصل على سلاح نووي”.
هذا الانتقال الدلالي والعملي من الحديث المعتاد عن العقوبات الاقتصادية الخانقة والضغوط الدبلوماسية المتعددة الأطراف التي ميزت المراحل السابقة، إلى إقحام “الجنود” بشكل مباشر وحصري في معادلة منع الانتشار النووي، يمثل تحولاً جذرياً في قواعد الاشتباك. إن استخدام كلمة “التأكد” يحمل في طياته دلالات العمل الاستباقي الميداني.
تاريخيا، اعتمدت واشنطن على مزيج من التحالفات الدولية، وحملات “الضغط الأقصى” الاقتصادية، والهجمات السيبرانية المعقدة لعرقلة أجهزة الطرد المركزي الإيرانية. لكن الإشارة الصريحة إلى انخراط العنصر العسكري البشري اليوم، تشير إلى أن الاستخبارات والجيش يعملان في حالة تأهب قصوى، وربما ينفذان عمليات تعطيل نشطة أو يستعدان لسيناريوهات تدخل سريع تتجاوز الردع التقليدي. هذا التصريح يسقط بشكل شبه كامل ورقة التعويل على طاولة المفاوضات والاتفاقيات الدولية كضامن وحيد لمنع طهران من تحقيق طموحاتها النووية، ويضع الآلة العسكرية الأمريكية كحاجز صد أخير لا يقبل الاختراق.
قراءة في الارتدادات الجيوسياسية
بالانتقال إلى قاعدة الهرم المقلوب حيث تتسع زاوية الرؤية لفهم السياقات الخلفية، نجد أن دمج صورة البرنامج النووي الإيراني مع الخطاب المتعلق بإرث 11 سبتمبر يهدف بشكل مدروس إلى شيطنة هذا البرنامج ووضعه في خانة التهديدات الوجودية المباشرة للأمن القومي الأمريكي، وليس مجرد عامل إخلال بتوازنات القوى في الشرق الأوسط.
هذا الربط يضعف بشكل كبير موقف الأطراف الدولية التي لا تزال تراهن على احتواء طهران عبر القنوات الدبلوماسية البحتة، ويضع الحلفاء الأوروبيين والإقليميين أمام استقطاب حاد لا يقبل الحياد: إما الاصطفاف المطلق خلف “خيار النصر” الأمريكي، أو تحمل التبعات الاستراتيجية للوقوف في المنطقة الرمادية.
في المقابل، فإن هذا الموقف المتصلب يقرأ في الداخل الإيراني كنوع من إعلان النوايا العدائية الصريحة التي قد تسبق تحركات فعلية على الأرض. هذا الضغط المباشر قد يدفع دوائر صنع القرار في طهران إما إلى تبني موقف دفاعي حذر لتجنب الصدام المباشر الذي قد يعرض منشآتها الاستراتيجية -كالمنشآت المحصنة في الأنفاق والجبال- لخطر التدمير، أو اللجوء إلى سياسة حافة الهاوية المضادة عبر تسريع وتيرة تخصيب اليورانيوم كإجراء رادع استراتيجي.
غير أن الرسالة الأمريكية تبدو واضحة في تصميمها على إجهاض أي خطوة متقدمة في هذا السياق قبل ولادتها.
خلاصة القول، يعكس هذا التصريح المقتضب في كلماته والعميق في دلالاته الاستراتيجية، تبلور عقيدة دفاعية أمريكية صارمة تعتبر أن استدامة الأمن وتأمين المصالح الحيوية لا يتمان عبر سياسات الاحتواء المرنة، بل عبر فرض إرادة القوة الحاسمة.
إنها بطاقة بريدية موجهة للعالم أجمع مفادها أن صفحة ما قبل 11 سبتمبر قد طويت للأبد دون رجعة، وأن فصلاً جديداً من الحسم قد بدأ يُكتب على الأرض، عنوانه العريض: لا مساومة على التفوق، ولا تساهل أبداً مع الطموحات النووية.








التعليقات
0 تعليق