كوثر بوجوال
أعادت قضية شخص متهم بممارسة الطب دون مؤهلات قانونية في مدينة وهران فتح ملف الأطباء المزيفين في الجزائر، بعدما كشفت وقائع عُرضت أمام القضاء عن ممارسات وصفت بالخطيرة، من بينها إجراء تدخلات طبية وجراحية، واستعمال مواد منتهية الصلاحية، إلى جانب ممارسات صحية قد تعرض حياة المرضى للخطر.
ولم تأت القضية معزولة، إذ سبقتها خلال السنة نفسها عمليات أمنية في ولاية باتنة انتهت بتوقيف أشخاص للاشتباه في انتحال صفة طبيب أو ممارسة أنشطة صحية دون ترخيص، ما أعاد النقاش حول آليات مراقبة بعض العيادات والممارسين، وكيف يمكن للمريض التأكد من مؤهلات الشخص الذي يعالجه.
وتكمن خطورة هذه الملفات في أن المريض قد يدخل مكانا يبدو في ظاهره عيادة أو مركزا للعلاج، قبل أن يتبين أن الشخص الذي يقدم الرعاية لا يتوفر على الشهادات أو التراخيص المطلوبة قانونا.
قضية وهران تكشف ممارسات مثيرة للقلق
نظرت محكمة الجنح بوهران، الاثنين، في قضية شخص متهم بممارسة مهنة تندرج ضمن المجال الطبي دون أن تتوفر فيه الشروط القانونية اللازمة لذلك.
وخلال مجريات المحاكمة، جرى الحديث عن قيام المعني بالأمر بتدخلات وعمليات طبية معقدة، رغم أن التخصص الذي كان يمارسه يتطلب، وفق ما ورد في الجلسة، مسارا أكاديميا وطويلا من الدراسة والتكوين.
وواجه القاضي المتهم بأن النشاط الذي كان يقوم به يندرج ضمن مهنة الطب ويتطلب نحو عشر سنوات من الدراسة، وهو ما سلط الضوء على الفارق بين طبيعة الإجراءات الطبية التي كان يقدم عليها وبين المؤهلات التي يفترض توفرها لممارستها.
وتبقى الوقائع المنسوبة إلى المتهم خاضعة لما ستنتهي إليه الإجراءات القضائية، إذ لا تعني محاكمته ثبوت جميع الاتهامات بشكل نهائي قبل صدور حكم قضائي.
أدوية منتهية الصلاحية داخل المحل
من بين أكثر المعطيات إثارة للقلق ما يتعلق بضبط أدوية ومواد انتهت مدة صلاحيتها داخل المكان الذي كان يستقبل فيه المرضى.
ووفق ما عرض خلال القضية، كانت بعض هذه المواد معدة للإتلاف قبل تنفيذ عملية المداهمة من طرف أعضاء لجنة الصحة والمحافظة على البيئة.
ويمثل استخدام الأدوية المنتهية الصلاحية خطرا صحيا، إذ لا يمكن ضمان فعاليتها أو سلامة استعمالها بعد تجاوز تاريخ الصلاحية المحدد لها.
كما تزداد الخطورة عندما تكون الأدوية مجهولة المصدر أو خارج سلسلة التوزيع الصيدلاني القانونية، لأن شروط تصنيعها ونقلها وتخزينها تصبح غير معروفة.
اتهامات باستعمال الحقن لأكثر من مريض
تضمنت الوقائع التي عرضت أمام المحكمة أيضا حديثا عن استعمال حقنة مع أكثر من مريض دون تغييرها.
وإذا ثبتت هذه الممارسة، فإنها تعد من أخطر أشكال الإخلال بقواعد الوقاية الصحية، بالنظر إلى إمكانية انتقال العدوى والأمراض عبر الأدوات الطبية الملوثة.
وتفرض المعايير الصحية استعمال معدات معقمة والتخلص من الأدوات ذات الاستخدام الواحد بالطريقة المخصصة لها بعد استعمالها.
ولهذا لا يتعلق الملف فقط بممارسة الطب دون ترخيص، بل كذلك بمستوى السلامة الذي يفترض أن يحكم أي تدخل يلامس جسم الإنسان أو يتضمن استعمال إبر أو أدوات طبية.
«العلق» يدخل على خط القضية
ورد خلال المحاكمة أيضا أن المتهم كان يستعمل ما يعرف بـ«العلق» مباشرة على أجسام بعض المرضى، مع الإشارة إلى أن مصدره لم يكن معروفا.
ولا يتعلق الإشكال هنا بمجرد وجود العلق، الذي يمكن أن تكون له استعمالات علاجية محددة في سياقات طبية خاضعة للرقابة، وإنما بالطريقة التي استُعمل بها، ومصدره، والظروف الصحية المحيطة به، والأهم مؤهلات الشخص الذي كان يقوم بذلك.
فأي إجراء علاجي، تقليديا كان أو حديثا، يحتاج إلى ضوابط واضحة تمنع تعريض المريض للعدوى أو المضاعفات.
وتزداد المخاطر عندما تجتمع الممارسة غير المرخصة مع غياب معلومات واضحة عن المواد أو الكائنات المستخدمة في العلاج.
باتنة شهدت قضايا مشابهة
لم تكن وهران المدينة الوحيدة التي شهدت هذا النوع من الملفات خلال 2026.
ففي 30 أبريل الماضي، أطلقت المجموعة الإقليمية للدرك الوطني بولاية باتنة نداء للمواطنين يتعلق بشخصين مشتبه فيهما في قضايا تضمنت انتحال صفة طبيب.
وشملت الاتهامات المنسوبة إليهما ممارسة مهنة الطب دون ترخيص، وانتحال صفات وألقاب، والنصب والاحتيال، إلى جانب ممارسة نشاط تجاري دون تسجيل قانوني.
وهي وقائع تظهر أن انتحال الصفة الطبية قد يتقاطع أحيانا مع أشكال أخرى من الاحتيال، خصوصا حين يجري تقديم خدمات بمقابل مادي تحت غطاء مهني غير حقيقي.
ختم لمؤسسة وهمية وأدوية مجهولة المصدر
وفي قضية أخرى بباتنة، تمكنت فرقة البحث والتدخل التابعة لأمن الولاية من توقيف شخص يبلغ من العمر 41 سنة للاشتباه في ممارسته مهنة مرتبطة بالصحة دون الحصول على ترخيص قانوني من الجهات المختصة.
وأسفرت العملية، بحسب المعطيات المنشورة، عن حجز كمية من الأدوية الصيدلانية مختلفة الأنواع.
وتبين أن جزءا منها منتهي الصلاحية، فيما كان جزء آخر مجهول المصدر.
كما حجزت المصالح الأمنية ختما خاصا بمؤسسة وصفت بالوهمية، يُشتبه في استعماله لإضفاء طابع رسمي على النشاط وإقناع المتعاملين بكون المؤسسة حقيقية.
وتكشف هذه التفاصيل أن بعض حالات ممارسة الطب بشكل غير قانوني قد تكون منظمة بطريقة تجعل اكتشافها صعبا على المريض العادي.
كيف يقع المرضى في فخ الطبيب المزيف؟
يعتمد جزء من هذه الممارسات على الثقة التي يمنحها المريض للشخص الموجود أمامه.
فاللباس الطبي، أو وجود محل مجهز، أو استعمال أختام ووصفات، قد يمنح انطباعا بالشرعية دون أن يكون ذلك كافيا لإثبات وجود ترخيص أو شهادة حقيقية.
وقد يدفع البحث عن علاج سريع أو أقل تكلفة بعض المرضى إلى التوجه نحو جهات لا يعرفون خلفيتها المهنية.
كما تلعب السمعة المتداولة شفهيا دورا في جذب مرضى جدد، إذ قد يوصي شخص بآخر بناء على تجربة شخصية دون التحقق من مؤهلاته.
وهنا يصبح التحقق من صفة الطبيب والمؤسسة الصحية جزءا أساسيا من حماية المريض، إلى جانب الدور الرقابي الذي تتحمله الجهات المختصة.
الخطر لا يقتصر على العلاج الخاطئ
المشكلة في ممارسة الطب دون تكوين ليست فقط إمكانية وصف دواء غير مناسب.
فالأخطاء قد تبدأ من التشخيص نفسه، حيث يمكن لشخص غير مؤهل أن يفشل في التعرف على مرض خطير أو يطمئن المريض بشكل خاطئ.
وقد يؤدي ذلك إلى تأخير التوجه إلى طبيب مختص، وبالتالي ضياع وقت مهم في علاج بعض الحالات.
أما عند الانتقال إلى التدخلات الجراحية أو الحقن أو استعمال أدوات غير معقمة، فإن مستوى المخاطر يرتفع بصورة أكبر ليشمل النزيف والعدوى والتشوهات والمضاعفات التي قد تحتاج لاحقا إلى علاج متخصص.
أسباب اقتصادية والربح السريع
أشار الطبيب المختص في الصحة العمومية رضا مالكي إلى أن الظاهرة ترتبط، حسب تقديره، بعوامل اجتماعية واقتصادية، من بينها الرغبة في تحقيق الربح السريع ولو على حساب الصحة العامة.
ويمثل هذا التفسير أحد الجوانب الممكنة لفهم الدافع وراء انتحال الصفة الطبية، خصوصا أن تقديم خدمات علاجية بشكل غير قانوني قد يوفر دخلا لمن يمارسها دون المرور بمسار التكوين والترخيص المطلوبين.
أما التصريحات التي تربط ممارسة الطب دون شهادة باضطرابات نفسية، فلا يمكن تعميمها أو التعامل معها باعتبارها تفسيرا علميا للظاهرة من دون أدلة محددة، كما لا توجد علاقة تلقائية بين الاضطرابات النفسية والسلوك الاحتيالي أو الإجرامي.
والأدق أن كل قضية تحتاج إلى دراسة دوافعها وظروفها بصورة مستقلة، مع التركيز على الأفعال المثبتة والمسؤولية القانونية للأشخاص المعنيين.
سؤال الرقابة يعود بقوة
تكشف هذه الملفات عن تحد واضح يتعلق بالقدرة على اكتشاف الممارسين غير المرخص لهم قبل وقوع أضرار صحية.
فكلما طالت مدة اشتغال شخص في نشاط طبي غير قانوني، ارتفع عدد المرضى الذين قد يتعاملون معه.
ولهذا تبرز أهمية عمليات التفتيش والمراقبة، إضافة إلى التحقق من مصادر الأدوية والتجهيزات المستعملة داخل العيادات والمراكز الصحية.
كما يظل وعي المواطنين عاملا أساسيا، خاصة عند التعامل مع عروض علاجية غير معتادة أو أشخاص يقدمون تدخلات طبية دون بيانات مهنية واضحة.
قضايا تعيد الثقة الطبية إلى قلب النقاش
تتجاوز تداعيات قضية الأطباء المزيفين الأشخاص المتهمين فيها، لأنها تمس أيضا الثقة التي يحتاج إليها المريض عندما يدخل عيادة أو يسلم صحته لشخص يقدم نفسه على أنه طبيب.
فالمهنة الطبية تقوم أساسا على التأهيل العلمي والترخيص والمساءلة، وهي شروط لا يمكن تعويضها بالمظهر أو الخبرة المزعومة.
ومع تكرار قضايا مشابهة في وهران وباتنة خلال السنة نفسها، يتجه النقاش في الجزائر نحو ضرورة تشديد الرقابة على الممارسة غير القانونية للمهن الصحية، مع ضمان ملاحقة من يثبت انتحاله صفة طبية وتعريضه المرضى للخطر.
وبين العمليات الطبية دون شهادات، والأدوية المنتهية الصلاحية، والمواد مجهولة المصدر، ومخاطر الأدوات غير المعقمة، تكشف هذه الملفات أن الطبيب المزيف لا يمثل مجرد حالة احتيال، بل قد يتحول إلى تهديد مباشر لصحة أشخاص لجؤوا إليه بحثا عن العلاج.









التعليقات
0 تعليق