إعلان
980×90
مساحة إعلانية
فن

الزروالي يواجه تناقضات الواقع المغربي بسخرية «شرمولة»

نُشر في حُدّث في

هجر إمغري

يستعد الفنان المسرحي عبد الحق الزروالي للعودة إلى الركح من خلال عمل جديد اختار له عنوان «شرمولة»، في تجربة فنية تسعى إلى استعادة حضور السخرية والنقد الاجتماعي داخل المسرح المغربي، عبر مقاربة تقوم على تفكيك تفاصيل الحياة اليومية ورصد التناقضات التي تحيط بالواقع المغربي في أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ويواصل الزروالي الاشتغال على هذا العمل المسرحي مستثمرا تجربته الطويلة في مجال المسرح الفردي، وهي التجربة التي جعلت اسمه مرتبطا بهذا اللون المسرحي القائم على قدرة الممثل الواحد على حمل العرض وتعدد الشخصيات والأصوات والمواقف فوق الخشبة. ويبدو أن «شرمولة» ستأتي امتدادا لهذا المسار، لكن برؤية جديدة تحاول الاقتراب أكثر من نبض المجتمع وما يطرحه من أسئلة ومفارقات.

ويحمل اختيار اسم «شرمولة» دلالة مرتبطة بالموروث المغربي، إذ يحيل اللفظ في الذاكرة الشعبية على مزيج من المكونات التي تتداخل لتشكيل نكهة واحدة، وهو ما يمكن أن يجد صداه داخل البناء الفني للعمل الذي يجمع بدوره بين مجموعة من القضايا والمواقف والتناقضات. ومن خلال هذا العنوان، يفتح الزروالي المجال أمام قراءة رمزية لعمل يريد أن يقدم الواقع في صورة مركبة، لا تخلو من الطرافة والسخرية والانتقاد.

ويركز العمل الجديد على مجموعة من الظواهر التي يعيشها المجتمع المغربي، من خلال معالجة مسرحية لا تكتفي بتقديم الأحداث أو نقل الوقائع، وإنما تحاول تحويلها إلى مادة فنية قابلة للتأمل والنقاش. ويعتمد الزروالي في ذلك على مفارقات الحياة اليومية، وعلى مواقف قد تبدو في ظاهرها عادية، لكنها تحمل في عمقها أسئلة مرتبطة بطريقة عيش الناس وتفاعلهم مع التحولات التي يعرفها المجتمع.

ويجمع «شرمولة» بين البعد الكوميدي والنبرة النقدية، حيث تتحول السخرية إلى وسيلة للتعبير عن عدد من الإشكالات التي يصعب تناولها بشكل مباشر. ومن خلال الضحك والمفارقة، يقترب العرض من قضايا ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية، محاولا منح الجمهور فرصة للتفاعل معها من زاوية مختلفة، تجمع بين المتعة الفنية وإثارة التفكير.

ويستثمر الزروالي كذلك خصوصية اللغة المغربية في بناء العرض، من خلال المزج بين العربية الفصحى والدارجة المغربية. ويمنح هذا الاختيار العمل مساحة واسعة للتنقل بين مستويات مختلفة من التعبير، بما يسمح بالاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية وفي الوقت نفسه الحفاظ على بعد أدبي ومسرحي في صياغة الحوار والمواقف.

ويمنح استعمال الدارجة المغربية داخل العمل بعدا قريبا من الجمهور، خصوصا أن السخرية المرتبطة بالواقع اليومي تحتاج في كثير من الأحيان إلى لغة تنقل الإيحاءات والتعابير الشعبية والمواقف التي يصعب فصلها عن سياقها المحلي. وفي المقابل، تتيح الفصحى إمكانات أخرى على مستوى التعبير وبناء الجمل والمواقف، بما يجعل التداخل بين اللغتين جزءا من هوية التجربة المسرحية.

ويعتمد الفنان في «شرمولة» على السخرية السوداء باعتبارها أحد أبرز الأدوات الفنية القادرة على الاقتراب من الجوانب الأكثر تعقيدا في الواقع. فبدلا من تقديم خطاب مباشر، يختار العمل المرور عبر المفارقة والضحك، بما يسمح بتحويل المواقف اليومية إلى مشاهد تحمل أكثر من قراءة، وتدفع المتلقي إلى الضحك من جهة والتساؤل من جهة أخرى.

وتبرز الكوميديا في هذا السياق بوصفها أكثر من مجرد وسيلة للترفيه، إذ تصبح أداة لكشف التناقضات التي قد يتعايش معها الناس بشكل يومي دون التوقف عند خلفياتها. ويعمل الزروالي على توظيف هذه المساحة من أجل مساءلة بعض السلوكيات والظواهر الاجتماعية، ووضعها أمام الجمهور في قالب مسرحي يجمع بين الخفة والعمق.

ويستند المشروع أيضا إلى خصوصية المسرح الفردي الذي راكم الزروالي داخله تجربة واسعة، إذ يتيح هذا النوع من العروض للممثل مساحة كبيرة للتحكم في الإيقاع وتغيير الشخصيات وتعدد الأصوات والمواقف. كما يمنح الحضور الفردي فوق الخشبة قدرة على خلق علاقة مباشرة مع الجمهور، وهي علاقة تقوم على التفاعل المستمر وعلى قوة الأداء أكثر من اعتمادها على كثرة العناصر البصرية.

ويستحضر العمل في بنائه مجموعة من التفاصيل المستمدة من الثقافة المغربية ومن الحياة اليومية، بما يجعل الخشبة فضاء لإعادة تقديم مشاهد مألوفة في قالب فني جديد. ويمكن لهذه التفاصيل أن تمنح العرض قدرة أكبر على الوصول إلى الجمهور، خصوصا عندما يجد المتلقي نفسه أمام مواقف أو شخصيات أو تعبيرات تشبه ما يعيشه في محيطه الاجتماعي.

ويواصل الزروالي بذلك مسارا فنيا اختار منذ سنوات أن يجعل المسرح الفردي مجالا للتجريب والتعبير، مستفيدا من إمكاناته الأدبية والمسرحية ومن تراكم تجربته فوق الخشبة. وتأتي «شرمولة» في سياق هذه الرحلة، مع محاولة واضحة لتجديد أدوات الاشتغال على الكوميديا والسخرية وربطهما بقضايا المجتمع وتحولاته.

ويكتسب العمل أهمية إضافية من كونه يعيد النقاش حول وظيفة المسرح في مقاربة القضايا اليومية، خصوصا في مرحلة أصبحت فيها التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تنتج باستمرار مواقف ومفارقات جديدة. وفي هذا السياق، يمكن للمسرح الساخر أن يشكل مساحة للتعبير عن الأسئلة التي يطرحها المجتمع، بعيدا عن الخطاب المباشر، ومن خلال لغة فنية تترك للمتلقي هامشا واسعا للتأويل.

ويراهن «شرمولة» كذلك على خلق توازن بين الفرجة والتفكير، إذ لا يبدو الهدف محصورا في تقديم عرض كوميدي يبحث عن إضحاك الجمهور، بل يتجه المشروع نحو استثمار الضحك باعتباره مدخلا لطرح أسئلة حول الواقع. ومن هنا تأتي أهمية المفارقة التي تسمح بتحويل المواقف البسيطة إلى مشاهد تحمل أبعادا نقدية واجتماعية.

ويستعد الزروالي خلال الفترة المقبلة لاستكمال العمل على تفاصيل العرض قبل تقديمه للجمهور، في انتظار انتقال «شرمولة» من مرحلة الاشتغال والتحضير إلى فضاء الركح. وستكون هذه التجربة محطة جديدة في مساره المسرحي، وفرصة لمواصلة البحث في إمكانات المسرح الفردي وقدرته على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

ويحافظ عبد الحق الزروالي من خلال هذا المشروع على حضور المسرح الفردي باعتباره تجربة قائمة على قوة الأداء والحضور والتواصل المباشر مع الجمهور، بينما يمنح «شرمولة» مساحة جديدة للسخرية والنقد الاجتماعي. وبين الموروث المغربي واللغة اليومية والمفارقة الكوميدية، يبدو العمل محاولة لتقديم صورة مختلفة عن الواقع، صورة تضحك المتلقي في ظاهرها، لكنها تدفعه في الوقت نفسه إلى إعادة النظر في عدد من التفاصيل التي تحيط بحياته اليومية.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.

سياسة الخصوصية