كوثر بوجوال
حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» من أن التغير المناخي وتعليم الفتيات باتا مرتبطين بصورة أكثر وضوحا، بعدما أظهرت معطيات حديثة أن الفتيات يواجهن خطرا أكبر من الفتيان بترك مقاعد الدراسة عندما تتسبب موجات الحر والعواصف والفيضانات وحرائق الغابات في تعطيل المدارس أو إغلاقها.
وكشفت المنظمة، الخميس 10 شتنبر 2026، أن الظواهر الجوية القاسية أثرت خلال العام الماضي على أكثر من 171 مليون تلميذ في 106 دول وأقاليم، وهو ما يعادل نحو واحد من كل عشرة تلاميذ.
لكن الضرر لم يكن متساويا بين الجنسين، إذ أظهر تحليل اليونيسف أن الفتيات أكثر هشاشة عندما تتوقف الدراسة أو تتضرر المدارس أو تنتقل العملية التعليمية إلى أنماط بديلة مثل التعليم عن بعد.
التغير المناخي وتعليم الفتيات.. لماذا الضرر أكبر؟
بحسب تحليل اليونيسف، تصبح الفتيات أكثر عرضة لترك الدراسة عندما تؤدي الكوارث المرتبطة بالمناخ إلى تعطيل التعليم.
ولا يرتبط الأمر فقط بإغلاق المدرسة نفسها، بل بمجموعة من التداعيات التي تبدأ من تضرر المباني والمرافق، وتمتد إلى أوضاع الأسرة والضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تظهر بعد الأزمات.
وأوضحت المنظمة أن الأضرار التي تلحق بالمدارس ومرافق الصرف الصحي، إلى جانب النزوح أو فقدان دخل الأسرة، قد تؤدي إلى تحميل الفتيات مسؤوليات إضافية داخل البيت.
وتشمل هذه المسؤوليات أعمال الرعاية وجلب المياه ومهاما أخرى قد تصبح أكثر إلحاحا عندما تتضرر الخدمات الأساسية.
وهنا تبدأ المخاطر في التراكم، إذ قد يؤدي الابتعاد المؤقت عن المدرسة إلى انقطاع أطول، ثم إلى صعوبة العودة إلى الدراسة حتى بعد استئناف الفصول.
زواج الأطفال أحد أخطر التداعيات
حذرت اليونيسف أيضا من أن الضغوط الناتجة عن الكوارث المناخية يمكن أن تزيد مخاطر زواج الأطفال.
ويشكل هذا العامل أحد الأسباب التي قد تجعل عودة الفتيات إلى الفصول الدراسية أكثر تعقيدا بعد إعادة فتح المدارس.
ففي بعض الأسر التي تفقد جزءا من دخلها أو تضطر إلى النزوح، قد تتغير الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، وتصبح الفتاة أكثر عرضة للانقطاع عن التعليم.
وتشير المنظمة إلى أن المشكلة لا تتوقف عند أيام أو أسابيع من الغياب، بل يمكن أن تتحول إلى فقدان دائم للفرصة التعليمية، بما يترك آثارا طويلة الأمد على مستقبل الفتاة الاقتصادي والاجتماعي.
109 ملايين تلميذ تأثروا بالعواصف
أظهرت أرقام اليونيسف أن العواصف كانت السبب الأكثر شيوعا لاضطراب التعليم خلال العام الماضي.
ووفقا للتحليل، أثرت العواصف على نحو 109 ملايين تلميذ في مناطق مختلفة من العالم.
وتستطيع العواصف تعطيل التعليم بأكثر من طريقة، سواء بإلحاق أضرار مباشرة بالمدارس أو بقطع الطرق وشبكات النقل أو بإجبار الأسر على النزوح مؤقتا من مناطقها.
كما قد تستخدم بعض المدارس كمراكز لإيواء المتضررين في حالات الكوارث، ما يؤدي إلى توقف الدراسة حتى في حال عدم تعرض المبنى نفسه لأضرار كبيرة.
الفيضانات تعطل تعليم 70 مليون شخص على الأقل
جاءت الفيضانات ضمن أبرز العوامل المناخية التي أثرت على الدراسة.
وقدرت اليونيسف أن 70 مليون شخص على الأقل تأثروا بتعطل التعليم بسبب الفيضانات خلال العام الماضي.
وتتسبب الفيضانات عادة في إغلاق المدارس أو صعوبة الوصول إليها، إضافة إلى تضرر الكتب والمواد الدراسية والبنيات الأساسية.
وفي المجتمعات ذات الموارد المحدودة، قد تستغرق إعادة تأهيل المؤسسة التعليمية وقتا أطول، وهو ما يضاعف خطر فقدان الأطفال لأشهر من الدراسة.
وتزداد المشكلة حدة عندما تتكرر الفيضانات في المنطقة نفسها خلال فترات متقاربة، لأن المنظومات التعليمية قد تجد نفسها أمام أزمة مستمرة بدل حادث استثنائي.
موجات الحر تعطل الدراسة لـ50 مليون طفل وشاب
بدورها أصبحت موجات الحر عاملا مباشرا في تعطيل العملية التعليمية.
وبحسب المنظمة، أثرت درجات الحرارة المرتفعة على دراسة نحو 50 مليون طفل وشاب.
ولا تحتاج المدرسة إلى أن تتعرض لدمار مادي حتى تصبح الدراسة صعبة، إذ يمكن أن تجعل درجات الحرارة المرتفعة القاعات غير ملائمة للتعلم، خصوصا في المؤسسات التي تفتقر إلى وسائل التهوية أو التبريد.
كما يمكن للحر الشديد أن يؤثر على تركيز التلاميذ وقدرتهم على متابعة الدروس، فضلا عن المخاطر الصحية التي قد تظهر خلال فترات الحرارة القصوى.
مليار طفل يعيشون في مناطق عالية المخاطر
قدرت اليونيسف أن نحو مليار طفل يعيشون حاليا في بلدان تواجه مستويات مرتفعة جدا من المخاطر المرتبطة بالصدمات المناخية والبيئية.
ويعادل هذا الرقم تقريبا نصف أطفال العالم.
ويظهر حجم الرقم أن تأثير التغير المناخي على التعليم لم يعد مشكلة مرتبطة بعدد محدود من الدول، بل أصبح تحديا عالميا يطال أنظمة تعليمية مختلفة.
غير أن قدرة الدول على الاستجابة لهذه الأزمات ليست متساوية.
فالبلدان ذات الموارد المالية والبنية التحتية الأقوى تستطيع في العادة إعادة فتح المدارس بسرعة أكبر أو الانتقال إلى حلول بديلة، بينما تواجه البلدان الأقل دخلا صعوبات أكبر في ضمان استمرار التعلم.
الدول الفقيرة تتحمل العبء الأكبر
أشار تحليل اليونيسف إلى أن معظم الأطفال الأكثر عرضة للتأثر بالكوارث المناخية يعيشون في بلدان منخفضة الدخل أو متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا.
وغالبا ما تعاني الأنظمة التعليمية في هذه الدول أصلا من محدودية الموارد والبنيات التحتية.
وعندما تضرب عاصفة أو فيضان أو موجة حر، تصبح قدرتها على توفير بدائل سريعة أقل من الأنظمة الأكثر تمويلا.
وقد يشمل ذلك نقص المدارس البديلة أو ضعف البنية الرقمية اللازمة للتعليم عن بعد أو صعوبة توفير النقل والمرافق الصحية.
وهذا ما يجعل التغير المناخي عاملا إضافيا يمكن أن يوسع الفجوة التعليمية بين الدول الغنية والفقيرة.
خسائر التعلم قد تتحول إلى خسائر مالية مدى الحياة
لا تتوقف تداعيات تعطيل المدارس عند التحصيل الدراسي الآني.
فاليونيسف حذرت من أن خسارة فرص التعلم يمكن أن تؤثر في مهارات أساسية مثل القراءة والكتابة والحساب.
وقدرت المنظمة أن الآثار المترتبة عن هذه الخسائر يمكن أن تؤدي إلى خسائر في الدخل مدى الحياة لا تقل عن 200 مليار دولار.
ويرتبط ذلك بأن انخفاض جودة التعليم أو الانقطاع المبكر عن الدراسة يؤثر لاحقا في فرص الاندماج في سوق العمل ومستوى الدخل.
كما يمكن لهذه الخسائر أن تزيد من حدة أوجه عدم المساواة الموجودة أصلا بين المجتمعات والدول.
منهجية جديدة لرصد تأثير المناخ على المدارس
أوضحت اليونيسف أنها غيرت المنهجية التي تعتمدها في جمع بياناتها حول تأثير الكوارث المناخية على التعليم.
فبدلا من الاقتصار على الأرقام الحكومية، اعتمد التحليل الجديد أيضا على معلومات صادرة عن وكالات الإغاثة ووسائل الإعلام المحلية.
ويهدف هذا التغيير إلى توسيع نطاق رصد حالات إغلاق المدارس وتعطل الدراسة، خصوصا في المناطق التي قد لا تتوفر فيها بيانات رسمية سريعة أو شاملة.
لكن اختلاف المنهجية يعني أيضا ضرورة الانتباه عند مقارنة هذه الأرقام مباشرة مع بيانات سنوات سابقة جمعت بطريقة مختلفة.
مدارس أكثر قدرة على مواجهة الكوارث
دعت اليونيسف الحكومات وشركاءها إلى زيادة الإنفاق على إنشاء وتطوير مؤسسات تعليمية قادرة على الصمود أمام الأخطار المناخية والبيئية.
ولا يتعلق الأمر فقط بتشييد مبان أقوى، بل بضمان استمرار العملية التعليمية أثناء حالات الطوارئ.
فكلما كانت المدارس مجهزة بشكل أفضل لمواجهة موجات الحر والفيضانات والعواصف، تقل احتمالات توقف الدراسة لفترات طويلة.
كما أن حماية مرافق المياه والصرف الصحي تكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى الفتيات، بالنظر إلى ارتباط توفر هذه المرافق بقدرتهن على الاستمرار في الدراسة في ظروف ملائمة.
التعليم يتحول إلى جبهة جديدة في أزمة المناخ
تكشف أرقام اليونيسف أن آثار التغير المناخي لم تعد تقتصر على البيئة أو الاقتصاد أو الصحة، بل وصلت بصورة مباشرة إلى الفصول الدراسية.
ومع تضرر أكثر من 171 مليون تلميذ في 106 دول وأقاليم خلال عام واحد، أصبحت استمرارية التعليم جزءا من النقاش العالمي حول الاستعداد للكوارث المناخية.
لكن الفتيات يواجهن خطرا مضاعفا، لأن تعطيل الدراسة قد يترافق مع مسؤوليات أسرية إضافية أو ضغوط اقتصادية أو خطر الزواج المبكر، وهي عوامل تجعل العودة إلى المدرسة أكثر صعوبة.
ولهذا ترى اليونيسف أن معالجة تأثير التغير المناخي على تعليم الفتيات تحتاج إلى حماية المدرسة نفسها، وضمان استمرار التعلم، ومساندة الأسر التي تتعرض للصدمات الاقتصادية، حتى لا تتحول كارثة مناخية مؤقتة إلى انقطاع دائم عن التعليم.









التعليقات
0 تعليق