لم يكن إعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في 10 شتنبر 2026، حدثاً مفاجئاً بالمعنى الكامل، بقدر ما شكل النهاية المتوقعة لمسار طويل من التوتر السياسي والإعلامي بين البلدين، تدرج من التصريحات الحادة وتبادل الرسائل غير المباشرة إلى إنهاء اتفاقية للخدمات الجوية، قبل الوصول إلى القرار الأكثر تصعيداً في العلاقات بين دولتين: إغلاق القنوات الدبلوماسية.
القرار الجزائري، بحسب ما نقلته وكالة رويترز عن وسائل الإعلام الرسمية في البلاد، جاء بعد ما وصفته السلطات بـ«استنفاد جميع الوسائل للحفاظ على العلاقات الثنائية»، من دون أن يتضمن الإعلان شرحاً تفصيلياً للأسباب المباشرة التي دفعت الجزائر إلى اتخاذ الخطوة في هذا التوقيت تحديداً. كما لم تكن الإمارات قد أصدرت رداً رسمياً فور الإعلان عن القرار.
غير أن غياب التفاصيل عن البيان لا يعني غياب الخلفيات. فمنذ أشهر، كانت العلاقات تسير في اتجاه تصادمي واضح، بينما توحي طبيعة الخطاب الجزائري بأن الخلاف تجاوز ملفات ثنائية محدودة وأصبح مرتبطاً بكيفية رؤية الجزائر للتحولات التي تشهدها منطقة المغرب العربي والساحل، وبالتمدد الاقتصادي والسياسي الخليجي في فضاء تعتبره الجزائر جزءاً من مجالها الاستراتيجي المباشر.

الجزائر تنقل الخلاف من السياسة إلى القطيعة
المفارقة أن الخلافات بين الجزائر والإمارات ليست وليدة اليوم، كما أنها ليست استثناءً في العلاقات بين الدول. ففي السياسة الدولية، تختلف الحكومات حول الحلفاء والنفوذ والاستثمارات والمقاربات الأمنية دون أن تنتهي خلافاتها بالضرورة إلى قطع العلاقات.
وهنا يطرح القرار الجزائري سؤالاً عن جدوى الانتقال من إدارة التناقضات إلى إغلاق قنوات الاتصال نفسها.
فقطع العلاقات قد يكون رسالة سياسية قوية، لكنه في الوقت ذاته يسحب من الدولة إحدى الأدوات التي تسمح لها بإدارة الخلاف والتفاوض حوله. وعندما يتعلق الأمر بدولتين عربيتين تجمعهما ملفات اقتصادية وإقليمية مشتركة، فإن اللجوء إلى القطيعة يضعف فرص احتواء التوتر أكثر مما ينتج حلولاً له.
هذا التصعيد لم يبدأ في شتنبر. ففي فبراير الماضي، شرعت الجزائر في إجراءات إنهاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة مع الإمارات منذ عام 2013، في خطوة اعتُبرت آنذاك مؤشراً على أن الأزمة انتقلت من مستوى الخطاب إلى إجراءات عملية. كما سبق للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن وجه اتهامات حادة إلى دولة خليجية، فُهم على نطاق واسع أنه يقصد بها الإمارات، متهماً إياها بالتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر ومحاولة المساس باستقرارها.
لكن هذه الاتهامات ظلت، في جزء مهم منها، ضمن الخطاب السياسي والإعلامي الجزائري، فيما لم يقدم إعلان قطع العلاقات الأخير ملفاً تفصيلياً للرأي العام يوضح الوقائع التي جعلت استمرار العلاقات الدبلوماسية مستحيلاً.
المغرب في خلفية الخلاف
يصعب فهم التوتر الجزائري الإماراتي بعيداً عن العلاقات الوثيقة التي تجمع أبوظبي بالرباط، وعن موقع المغرب في الحسابات الإقليمية للطرفين.
فالمغرب لا يظهر في هذه الأزمة باعتباره مجرد طرف ثالث تربطه بالإمارات شراكات اقتصادية وأمنية، بل باعتباره جزءاً من التنافس الأوسع على النفوذ في شمال أفريقيا والساحل. وفي المقابل، تنظر الجزائر إلى دعم الإمارات للمغرب، ولا سيما في ملف الصحراء، باعتباره مؤشراً على اصطفاف إقليمي يتعارض مع رؤيتها لموازين القوى في المنطقة.
دراسة أصدرها مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في ماي 2026 خلصت إلى أن المغرب يتمتع بأعمق العلاقات وأكثرها مؤسساتية مع دول الخليج بين دول المغرب العربي، مشيرة إلى أن الدعم الخليجي للموقف المغربي في ملف الصحراء شكل أحد مرتكزات هذه العلاقات، إلى جانب الاستثمارات والتعاون الأمني والاقتصادي.
وتصف الدراسة العلاقة بين المغرب والإمارات بأنها تقوم على مستوى مرتفع من الثقة السياسية وتلاقي المصالح والاستثمارات، بينما ترى أن العلاقة الجزائرية الإماراتية دخلت، منذ 2024، مرحلة من التوتر البنيوي بسبب اختلاف العقيدة الأمنية ورؤية كل طرف للتحولات الإقليمية.
وبالتالي، فإن أحد أوجه المشكلة بالنسبة إلى الجزائر يبدو مرتبطاً أيضاً بتقدم العلاقات الإماراتية المغربية في وقت تعيش فيه العلاقات الجزائرية المغربية قطيعة دبلوماسية منذ 2021.
لكن العلاقات الوثيقة بين دولة ما والمغرب لا يمكن في حد ذاتها أن تكون مبرراً موضوعياً لتحويل علاقتها بالجزائر إلى مواجهة مفتوحة.
فالإمارات، مثل أي دولة أخرى، تحدد شراكاتها الخارجية بناء على مصالحها، مثلما تطالب الجزائر لنفسها بالحق في إقامة علاقات وتحالفات مع الدول التي تختارها. ومن هنا تظهر إحدى نقاط الضعف في الخطاب الجزائري: الدفاع الصارم عن مبدأ السيادة عندما يتعلق الأمر بخيارات الجزائر، مقابل حساسية متزايدة تجاه الخيارات السيادية لدول أخرى عندما لا تنسجم مع حساباتها الإقليمية.
الساحل وليبيا.. صراع رؤى أكثر منه صراعاً ثنائياً
الجانب الآخر من الخلاف يتصل بالساحل وليبيا.
مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية اعتبر أن الخلاف بين الجزائر وأبوظبي ليس مجرد أزمة عابرة، بل نتيجة اختلافات هيكلية في النظرة إلى الأمن الإقليمي والنفوذ. فالجزائر تنظر إلى ليبيا والساحل باعتبارهما امتداداً مباشراً لأمنها القومي، في حين طورت الإمارات خلال السنوات الماضية حضوراً سياسياً واقتصادياً وأمنياً متنامياً في أفريقيا.
وفي ليبيا على وجه الخصوص، دعمت الإمارات في مراحل سابقة قوات الشرق الليبي بقيادة خليفة حفتر، وهو مسار اختلف مع المقاربة التي فضلتها الجزائر تجاه الأزمة الليبية. كما ربطت تحليلات ألمانية وفرنسية وعربية التوتر بين الجزائر وأبوظبي بتضارب أجندات الطرفين في ليبيا والساحل والسودان، فضلاً عن العلاقة الإماراتية الوثيقة بالمغرب.
وجود خلاف حقيقي في هذه الملفات أمر يصعب إنكاره.
لكن السؤال يبقى: هل تقطع الدول علاقاتها كلما اختلفت حول منطقة نفوذ؟
الدبلوماسية، في جوهرها، وُجدت لإدارة المصالح المتعارضة. وكلما كان الخلاف أكبر، أصبحت الحاجة إلى القنوات الدبلوماسية أكبر أيضاً، لا أقل.
خطاب شديد مقابل دبلوماسية إماراتية أكثر تحفظاً
خلال الأزمة، ظهر اختلاف ملحوظ أيضاً في أسلوب إدارة الطرفين للخلاف.
الخطاب الجزائري انتقل في مناسبات عدة إلى عبارات شديدة اللهجة. وفي يوليوز الماضي، قال تبون إن الجزائر كانت قادرة منذ مدة على قطع علاقاتها مع الدولة التي كان يقصد بها الإمارات، لولا رغبتها، بحسب قوله، في عدم زيادة الانقسامات العربية.
أما أبوظبي، فاختارت في مراحل سابقة الرد بلغة أكثر تحفظاً، كما حدث بعد قرار الجزائر إنهاء اتفاقية الخدمات الجوية، حيث ركز الجانب الإماراتي على الجوانب القانونية والإجرائية بدل الدخول في مواجهة سياسية علنية.
هذا التباين لا يعني بالضرورة أن الإمارات لا تمتلك حساباتها أو مصالحها الإقليمية؛ بل يعكس اختلافاً في أسلوب إدارة الأزمة.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الجزائر سمحت للخلاف بأن يتحول تدريجياً إلى جزء من خطاب سياسي علني ومتكرر، الأمر الذي ضيق لاحقاً مساحة التراجع أو التسوية.
هل أصبحت القطيعة أداة متكررة؟
القرار يطرح أيضاً إشكالية أوسع تتعلق بالدبلوماسية الجزائرية في محيطها الإقليمي.
فالجزائر قطعت علاقاتها مع المغرب منذ غشت 2021، وها هي بعد خمس سنوات تصل إلى القطيعة مع الإمارات، في وقت شهدت علاقاتها مع عدد من دول الساحل بدورها فترات من التوتر.
ولا يعني ذلك أن المسؤولية تقع دائماً على الجزائر أو أن خلافاتها مع هذه الدول بلا أسباب، لكن تكرار الانتقال من الخلاف إلى مستويات مرتفعة من التصعيد يستحق مساءلة سياسية.
الدولة التي تعتبر نفسها قوة إقليمية مطالبة، أكثر من غيرها، بامتلاك قدرة واسعة على إدارة التناقضات والحفاظ على قنوات الحوار حتى مع خصومها.
فالقوة الدبلوماسية لا تقاس بعدد العلاقات التي يمكن قطعها، بل بقدرة الدولة على حماية مصالحها والتأثير في خصومها وشركائها من دون الاضطرار في كل مرة إلى الوصول إلى نقطة اللاعودة.
الخلاف أعمق من حادث عابر
الأرجح أن الأزمة الجزائرية الإماراتية لن تُفهم على حقيقتها إذا اختُزلت في حادثة واحدة أو تصريح واحد.
الدراسة التي نشرها مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية قبل أشهر من القطيعة وصفت التناقض بين الطرفين بأنه «بنيوي»، مرتبط باختلاف تصورات الأمن والنفوذ والسيادة، ومعززاً بالشراكة الوثيقة بين الإمارات والمغرب.
لكن الاعتراف بوجود هذه الخلافات لا يجعل القطيعة نتيجة حتمية.
فالجزائر كان بإمكانها الحفاظ على خلاف سياسي واضح مع الإمارات مع إبقاء سفارتها وقنوات التفاوض مفتوحة، مثلما تفعل دول كثيرة تجمعها خلافات أكثر حدة دون أن تلغي وجود بعضها الدبلوماسي.
وإذا كان هدف القرار هو الضغط على أبوظبي لتغيير سياساتها في المغرب العربي والساحل، فإن السؤال هو مقدار النفوذ الذي ستملكه الجزائر على الإمارات بعدما أغلقت إحدى أهم وسائل التواصل معها.
لهذا قد يكون قرار 10 شتنبر أكثر من إعلان عن أزمة بين الجزائر والإمارات؛ فقد يكون أيضاً اختباراً لنهج دبلوماسي جزائري بات يميل إلى رسم خطوط حمراء واسعة أمام تحركات القوى الأخرى في محيطه الإقليمي.
وفي منطقة تتغير فيها التحالفات بسرعة، وتدخل إليها قوى خليجية وأوروبية وآسيوية وأمريكية باستثمارات وشراكات متزايدة، قد تجد الجزائر أن حماية نفوذها لا تمر بالضرورة عبر محاولة إبعاد منافسيها أو قطع العلاقات معهم، بل عبر تقديم نموذج اقتصادي ودبلوماسي أكثر قدرة على المنافسة.
ذلك ربما هو التحدي الحقيقي الذي تكشفه الأزمة: ليست المسألة فقط ماذا تفعل الإمارات في المنطقة، وإنما كيف تريد الجزائر التعامل مع حقيقة أن شمال أفريقيا والساحل لم يعودا فضاءً تستطيع قوة إقليمية واحدة تحديد قواعده بمفردها.









التعليقات
0 تعليق