الحجام يَقرض “مثل التفاتة ثكلى إلى الوراء”

عن منشورات “باب الحكمة” بتطوان صدرت أخيرا مجموعة “مثل التفاتة ثكلى إلى الوراء” للشاعر علال الحجام، وهي تأمل لأمرين متجانسين؛ أحدهما هو الموت الذي تجلوه أسطورة أورفيوس وأوريديس، كما يتضح في النص الذي تستعير المجموعة عنوانه. وأما الأمر الثاني هو المحو الذي قد يهاجم الذاكرة المتعبة أو المنتشية بلذتها أو بجذبتها أو بتساميها، فيكون محوا لأشياء تحل محلها أشياء وعوالم جديدة، أو يهاجم حيوات مزهوة بحركتها المبتهجة فيناسخ موتا يبتعث حياة أخرى، ثم ينعكس فنيا على بنية لغة شعرية لا تسلم من تحولاته.

حالة المحو هذه هي حالة من يتوقف نبضه خلال نصف ساعة أو أقل دون أن يدري ما يحدث، أو يغيب عن الوعي تماما، فيمسي قاب قوسين أو أدنى من الموت، لا توقظه إلا سقطة رحيمة داخل البيت أو في سلم ضيق قريبا من الطابق الخامس، أو إدراك سحري متأخر لجسد ملقى على قارعة طريق في الضواحي بعيدا عن المدينة التي يتذكر بصعوبة أنه كان يحاور أضواءها منذ لحظات وجيزة أو ليقظته المفاجئة على إيقاع جدال عنيف لم يعد يذكر فحواه مع حراس الأمن أمام محطة قطار غارقة في الضجيج ذات ليلة قائظة. هذه الحالة قد تكون أيضا حالة عاطفية وجدانية تعتري المرء في ما يشبه هوى جارفا لا يدرك المرء هوله إلا في عنفوان الطوفان، مستعيدا حالة “مادام بوفاري” التي تلخص ما غرقت فيه رومانسيتها الجارفة من محو وهي تعترف شامخة: “إنني أستحق الرثاء، ولكنني لست للبيع”. في جميع الحالات تضعنا نصوص كثيرة في هذا الديوان أمام تسام سيكولوجي يستغوره الشعر بكيميائه الخاصة بعيدا عن التقرير، ململما شتات لحظات يتبخر فيها الزمان على مرجل تتفاعل فيه النشوة والدهشة والفزع.

وحيث إن أغلب نصوص “مثل التفاتة ثكلى إلى الوراء” كتب خارج الوطن، فقد كان من اللازم تأمل المحو العرقي الذي عانت منه قبائل الشيروكي في “نيو إتشوتا”، وما تعرضت له من قهر في ما يعرف بـ”طريق الدموع”. وبما أن المحبة والكراهية حالتان متناحرتان تحضران بقوة في وجدان البشرية، سواء أكانت متقدمة أو متخلفة، متمدنة أو بدائية، فقد كان من السهل على الرؤية استحضار ما حدث من تماه بين النموذج الكولونيالي وبين الطغيان السائد الذي يوحد الجنس البشري حين يتغلب بداخله الشر على الخير بشراسة.

في هذا السياق، راودت الذات الشاعرة أسئلة كثيرة خارج عشها الأصلي، بعيدا عن حاضنة الوطن الأم، وحتمت عليها أن تكون “إطفائيا تعود على إخماد النار بكل مشاعر الشلال” أملا في محو آثار ما يسوط ذاكرة الغريب من لعنات محو تطارد اللغة والثقافة والهوية. ها هنا يستحضر المعيش مشاهد تتسع للمتناقضات قبل أن تنتهي إلى تقرير حقيقة لا مجال لدحضها مؤداها أن حوادث السير ليست قدرا، لا هنا ولا هناك، لكنها محض احتمال.

وإذا كان النظر الحصيف يؤمن حقا بضرورة تطابق الشكل والمضمون، تجنبا لأي تنافر يعمق الهوة بينهما، فقد كان لا بد من التساؤل عما إذا كانت هناك علاقة بين تيمة المحو وبين الشرط الجمالي في الديوان. وقد تبين أن بنية النص لم تسلم من هذا المحو على مستويات ثلاثة: أحدها تكويني يتعلق بالمادة الثقافية التي تحدد زوايا الرؤية وتشكل الصور وتبسط ظلال المعاني، إذ آلت على نفسها إلا أن تتحرر من القيود والحواجز كيفما كانت ولا تكتفي بالنهل من نبع واحد فقط هو الثقافة الشعرية العربية، إيمانا بأن الكتابة الراهنة منفتحة على كل التجارب والثقافات حديثة كانت أو قديمة لا فرق في ذلك بين سينما وتشكيل ومسرح ورواية وأساطير ونصوص دينية قديمة. والمستوى الثاني دلالي يبرزه إغراق الصورة الفنية في علاقات المنافرة وتجنب الإكثار من علاقات المشابهة التي تسجنها مرغمة في حظيرة المجاز التعبيري. أما المستوى الثالث والأخير فهو الإيقاع الذي طاله المحو فلم يعد يستقر على حال، وظل ينوس بين التفعيلة الصافية أو المركبة وبين التوازنات الصرفية التركيبية والتكرار والجناس في غير ما تصنع أو تمحل.

لقد كانت الكلمة الأولى والأخيرة لسلطة الشعر وهو يعتصر اللاوعي لا لغيره؛ غير أن هذا الحكم لا يمنع من الاعتراف بأن التحليق في سماء هذه الرؤية الشعرية للعالم قد اتخذ له إيقاعين اثنين: أحدهما إيقاع تتعالى فيه قوة الشعر متخلصة إلى أبعد حد من سلطة الواقع الحسي الذي يترك مكانه لسلطة الذات واختلاجاتها، والآخر إيقاع تتضامن فيه سلطتا الواقع والتخييل متلاحمتين فتذوب إحداهما في الأخرى لتوفير روح الشعر ومائه.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى