هجر إمغري
يستعد السكن الجامعي بالمغرب لدخول مرحلة جديدة مع اقتراب انطلاق الموسم الجامعي 2026-2027، بعدما تقرر تعزيز العرض المتاح أمام الطلبة بإحداث ثلاثة أحياء جامعية جديدة في عدد من المدن التي تعرف ضغطا متزايدا على خدمات الإيواء. ويرتقب أن تساهم هذه المنشآت في توفير آلاف الأسرة الإضافية، بما يخفف جزءا من الضغط المتراكم على الأحياء الجامعية ويمنح عددا أكبر من الطلبة إمكانية الاستفادة من سكن قريب من مؤسساتهم التعليمية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتسع فيه قاعدة الطلبة المسجلين بمؤسسات التعليم العالي العمومي، الأمر الذي جعل مسألة السكن واحدة من أبرز التحديات المرتبطة بولوج التعليم الجامعي والاستمرار فيه. فارتفاع أعداد الطلبة لا ينعكس فقط على المدرجات والمختبرات والنقل الجامعي، وإنما يمتد كذلك إلى خدمات الإقامة، خصوصا بالنسبة إلى الطلبة القادمين من مدن ومناطق بعيدة عن أماكن الدراسة.
وتضيف الأحياء الجامعية الثلاثة المرتقب افتتاحها ما مجموعه 3554 سريرا، موزعة بين الرباط وأكادير والمحمدية، في خطوة ترمي إلى توسيع الطاقة الاستيعابية المتاحة مع بداية السنة الجامعية الجديدة. ويستفيد الحي الجامعي دار الباحث بالرباط من طاقة تصل إلى 600 سرير، بينما يوفر حي أكادير تيليلا حوالي 1600 سرير، في حين تصل الطاقة الاستيعابية للحي الجامعي بالمحمدية إلى 1354 سريرا.
ويرفع هذا التوسع العدد الإجمالي للأحياء الجامعية إلى 28 حيا، بعدما كان العرض يقتصر على 25 حيا جامعيا. كما ستنتقل الطاقة الاستيعابية الإجمالية من 56226 سريرا إلى نحو 59780 سريرا، وهو ارتفاع يعكس توجها نحو توسيع البنية المخصصة لإيواء الطلبة، رغم أن حجم الطلب الوطني لا يزال يفوق بكثير الإمكانيات المتوفرة.
ويكتسب هذا التوسع أهمية خاصة بالنسبة إلى المدن التي أصبحت تستقطب أعدادا كبيرة من الطلبة من مختلف مناطق المملكة، إذ يجد القادمون من خارج المدن الجامعية أنفسهم أمام تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف الإيجار وصعوبة العثور على سكن ملائم وقريب من المؤسسات الجامعية. كما أن ارتفاع أسعار الغرف والشقق، خاصة في المدن الكبرى، يجعل السكن الجامعي خيارا ضروريا بالنسبة إلى الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط.
ويزداد الضغط على السكن الجامعي مع توسع الخريطة الجامعية وارتفاع أعداد المسجلين في مؤسسات التعليم العالي العمومي. فقد تجاوز عدد الطلبة خلال الموسم الجامعي 2025-2026 حاجز 1.3 ملايين طالب وطالبة، مسجلا نموا بنسبة 4.8 في المائة مقارنة بالموسم السابق، وهو ما يعكس اتجاها تصاعديا في الطلب على مختلف الخدمات الاجتماعية الموجهة إلى الطلبة.
ويعني هذا النمو أن توسيع السكن الجامعي لم يعد مجرد خيار مرتبط بتحسين ظروف الإقامة، بل أصبح جزءا من السياسات الرامية إلى ضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى التعليم العالي. فالطالب الذي يضطر إلى قطع مسافات طويلة يوميا أو تحمل تكاليف إيجار مرتفعة قد يجد نفسه أمام أعباء إضافية تؤثر في مساره الدراسي، بينما يمكن للسكن الجامعي أن يوفر له ظروفا أكثر استقرارا ويساعده على التركيز على دراسته.
وفي المقابل، لا يزال العرض الحالي بعيدا عن تغطية جميع الطلبات، بالنظر إلى الفارق الكبير بين عدد الطلبة الراغبين في الاستفادة من السكن والإمكانيات المتاحة. لذلك فإن افتتاح 3554 سريرا جديدا، رغم أهميته، يظل خطوة ضمن مسار أوسع يحتاج إلى مشاريع إضافية ومتواصلة حتى تتمكن منظومة السكن الجامعي من مواكبة النمو الديمغرافي للطلبة.
وتتجه السلطات المعنية كذلك إلى اعتماد مقاربة جديدة في بناء وتسيير الأحياء الجامعية تقوم على توسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ويرتقب أن يسمح هذا النموذج بتسريع وتيرة إنجاز مشاريع جديدة وتعبئة استثمارات إضافية، خصوصا أن التحدي المطروح لا يتعلق فقط ببناء عدد محدود من الأحياء، وإنما بإحداث قدرة استيعابية ضخمة تستجيب للحاجيات المستقبلية.
ويستهدف التصور الجديد رفع الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية بالمغرب بما لا يقل عن 400 ألف سرير إضافي، وهو رقم يعكس حجم الرهان المطروح أمام قطاع التعليم العالي والخدمات الاجتماعية الموجهة إلى الطلبة. وإذا تحقق هذا الهدف، فمن شأنه أن يحدث تحولا كبيرا في واقع الإقامة الجامعية، ويقلص الفجوة بين العرض والطلب، خصوصا في المدن التي تعرف توسعا سريعا في أعداد الطلبة.
كما يرتبط تطوير السكن الجامعي بتحسين جودة الحياة داخل الأحياء نفسها، إذ لم يعد توفير سرير للطالب كافيا لضمان إقامة جامعية ملائمة. فالطلبة يحتاجون أيضا إلى فضاءات آمنة ونظيفة، وخدمات أساسية، ومرافق للدراسة والترفيه، وظروف تساعدهم على الاندماج داخل الحياة الجامعية. ومن ثم، فإن التوسع الكمي ينبغي أن يواكبه اهتمام متزايد بجودة الخدمات وظروف الإقامة.
وتبرز الحاجة أيضا إلى تحقيق توازن أكبر في توزيع الأحياء الجامعية بين مختلف الجهات، حتى لا تتركز الاستثمارات في المدن الكبرى فقط. فالطلبة القادمين من المناطق البعيدة يحتاجون بدورهم إلى حلول سكنية قريبة من المؤسسات الجامعية، خاصة في المدن التي أصبحت تعرف توسعا في الجامعات والمعاهد والمدارس العليا.
ويفتح افتتاح الأحياء الجامعية الجديدة في الرباط وأكادير والمحمدية الباب أمام آلاف الطلبة للاستفادة من عرض إضافي مع بداية الموسم الجامعي المقبل، غير أن حجم الطلب المتزايد يجعل استمرار الاستثمار في هذا المجال أمرا ضروريا. فكل موسم جامعي جديد يحمل معه آلاف الطلبة الجدد، ما يعني أن أي معالجة فعالة لأزمة السكن الجامعي تحتاج إلى رؤية طويلة الأمد تتجاوز الحلول الظرفية.
وتعكس هذه الدينامية في نهاية المطاف التحولات التي يعرفها التعليم العالي بالمغرب، حيث أصبح توسيع قاعدة المستفيدين من الجامعة يفرض تطويرا موازيا لمختلف الخدمات الاجتماعية. وبينما يشكل توفير المقاعد الدراسية خطوة أساسية في ضمان الحق في التعليم، يظل توفير السكن الملائم عاملا حاسما بالنسبة إلى فئات واسعة من الطلبة، خاصة أبناء الأسر التي لا تستطيع تحمل تكاليف الإقامة الخاصة.
ويترقب الطلبة مع بداية الموسم الجامعي 2026-2027 أن ينعكس افتتاح الأحياء الثلاثة الجديدة بشكل مباشر على فرص الاستفادة من السكن، خصوصا في المدن التي تعرف طلبا مرتفعا. وفي الوقت نفسه، ستظل الأنظار متجهة إلى المشاريع المقبلة ومدى قدرتها على تقليص الخصاص، وتحويل السكن الجامعي من أحد أبرز مكامن الضغط في الحياة الطلابية إلى خدمة اجتماعية أكثر قدرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها التعليم العالي بالمغرب.








التعليقات
0 تعليق