إعلان
980×90
مساحة إعلانية
مقالات رأي

النظام الجزائري يحرق منطقة القبائل ويهجر سكانها-الحقيقة الكاملة

نُشر في

فتيحة شاطر

رائحة اللحم البشري الممزوج برماد الأشجار المعمرة، وسماء تحولت في رمشة عين من الأزرق الصافي إلى برتقالي دموي يخنق الأنفاس، وصرخات تشق سكون الليل في قرى معزولة حاصرتها ألسنة اللهب من كل اتجاه.

عندما تندلع النيران في غابة، يقال عادة إنها غضبة الطبيعة أو لعنة الصيف الجاف. لكن ماذا لو كانت النيران تهبط من السماء؟ ماذا لو اشتعلت قمم الأشجار قبل أن تصل النار إلى جذورها؟ وماذا لو لم تخرج شرارة الموت الأولى من عود ثقاب، بل من كبسولة يُشتبه في احتوائها على مادة حارقة ألقتها طائرة مسيرة؟

بحسب الاتهامات التي وجهتها حركة تقرير مصير منطقة القبائل «الماك» والحكومة القبائلية المؤقتة في المنفى «أنفاد»، لا تقف المنطقة أمام كارثة بيئية عابرة أو غضب مناخي فقط، بل أمام ما تصفه بحرب غير تقليدية وسياسة للأرض المحروقة، تستهدف الإنسان والأرض والهوية.

أهلًا بكم في كابوس منطقة القبائل، حيث تحولت الغابات إلى أفران مفتوحة، والقرى إلى أكوام من الرماد، وأشجار الزيتون التي قاومت الزمن إلى هياكل سوداء. إنها قصة ما تسميه الحركة «مشروع صفر قبائلي»، والحرب الصامتة التي أعادت وضع قصر المرادية في قفص الاتهام.

هل يمكن للنار أن تكون ذكية؟

هل يمكن للهب أن يختار مساره في خطوط متوازية وهندسية، كأنها رُسمت بمسطرة داخل غرفة عمليات عسكرية؟ وهل يمكن لعشرات البؤر أن تشتعل في مواقع متباعدة خلال وقت متقارب، من دون أن تكون هناك يد رتبت لحظة الانفجار؟

في منطقة القبائل، وفق الرواية التي يقدمها ناشطون ومسؤولون قبائليون، لم تتصرف النيران كما تفعل الحرائق الطبيعية. فقد اندلعت بؤر عديدة في الوقت نفسه، ووصلت ألسنة اللهب إلى قمم جبلية وعرة يصعب على الإنسان بلوغها، كما ظهرت النيران في أعلى الأشجار قبل أن تمتد نزولًا نحو الأرض.

هذه التفاصيل دفعت حركة «الماك» والحكومة القبائلية المؤقتة إلى اتهام السلطات الجزائرية بتحويل حرائق الغابات إلى وسيلة عقاب سياسي، معتبرتين أن تزامن النيران وطبيعة المواقع التي اشتعلت فيها لا يمكن تفسيرهما بالجفاف والحرارة وحدهما.

وتستند الجهات التي وجهت هذه الاتهامات إلى تسجيلات مصورة قال أصحابها إنها توثق العثور على كبسولات محترقة داخل مواقع شهدت اندلاع النيران. وبحسب روايتهم، لا يتعلق الأمر ببقايا سجائر أو مخلفات عادية، بل بعبوات يُشتبه في احتوائها على مواد حارقة، من بينها الفوسفور المستخدم عسكريًا لإشعال حرائق شديدة يصعب إخمادها بالوسائل التقليدية.

ورغم خطورة هذه المزاعم، لم تُعرض، بحسب الحركة، نتائج تحاليل كيميائية مستقلة تحدد طبيعة المواد الموجودة داخل الكبسولات، كما لم يُفتح تحقيق دولي يسمح لخبراء محايدين بمعاينة المواقع وفحص العينات.

اعتقال الشهود بدل الاستماع إليهم

الأدهى من العثور على المواد المشتبه فيها، وفق الرواية القبائلية، هو المصير الذي واجهه بعض الأشخاص الذين وثقوا وجودها. فبدل الاستماع إليهم وحماية شهاداتهم والتحقق مما صوروه، تتهم الحركة قوات الدرك الوطني باعتقال بعضهم وملاحقتهم.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن دفنه تحت الرماد: لماذا يُعتقل الشاهد بدل فتح تحقيق في الأدلة التي قدمها؟

إذا كانت تلك الكبسولات مجرد نفايات لا علاقة لها بالحرائق، فلماذا لم تُفحص علنًا؟ ولماذا لم تُنشر نتائج التحاليل أمام الرأي العام؟ ولماذا لم تُشكَّل لجنة علمية مستقلة لتحديد طبيعتها ومصدرها؟

إن اعتقال الشهود لا يلغي شهاداتهم، بل يزيد الشكوك حول الجهة التي تخشى سماعها. كما أن تنظيف مواقع الحرائق قبل توثيقها وأخذ العينات منها قد يؤدي إلى إتلاف أدلة كان من الممكن أن تساعد على معرفة كيفية اندلاع النار وتحديد ما إذا كانت مواد حارقة قد استُخدمت فعلًا.

الطائرات المسيّرة في قلب الاتهامات

تعزز مقاطع مصورة متداولة الشكوك بشأن ظهور بؤر نارية في قمم جبلية يصعب الوصول إليها. فكيف اشتعلت أماكن متباعدة في أوقات متقاربة؟ وكيف بدأت النار من أعلى الأشجار بدل أن تصعد إليها من الأعشاب اليابسة الموجودة على الأرض؟

بالنسبة إلى أصحاب هذه الاتهامات، تقود الإجابة إلى الطائرات المسيّرة التي تجوب سماء المنطقة. وهم يشتبهون في استخدامها لإسقاط مواد حارقة فوق الغابات والقرى، بدل الاقتصار على مهام المراقبة والاستطلاع.

فالنار التي تبدأ من الأوراق العليا ثم تنحدر نحو الجذوع، بحسب روايتهم، قد تشير إلى أن مصدر الاشتعال جاء من الجو. وبذلك تتحول الطائرات المسيّرة من وسيلة مراقبة إلى أداة محتملة في حرب خفية تُنفذ بعيدًا عن أعين السكان.

ولا يمكن تأكيد هذه الاتهامات أو نفيها بالخطابات السياسية. فالجواب يحتاج إلى فحص تقني لصور الأقمار الصناعية، وتحديد توقيت ظهور البؤر، ومراجعة سجلات الطيران، وتحليل اتجاهات الرياح وبقايا المواد التي عُثر عليها.

شهران من الاستطلاع والتجهيز اللوجستي

نعود بالزمن إلى بداية صيف عام 2022، عندما أصدرت السلطات الجزائرية، بصورة مفاجئة، قرارًا يمنع المواطنين من دخول الغابات في منطقة القبائل. وقيل حينها إن القرار يهدف إلى حماية الغطاء الغابوي والحد من الحرائق، قبل أن يُلغى بعد نحو شهرين ويُسمح للسكان بالعودة.

لكن ماذا حدث داخل الغابات خلال هذين الشهرين؟ ولماذا أُبعد عنها الفلاحون والرعاة وأصحاب الأراضي، وهم الأكثر معرفة بمسالكها وتضاريسها والأقدر على ملاحظة أي تحركات غير عادية؟

الحكومة القبائلية المؤقتة وضعت تفسيرًا بالغ الخطورة، إذ اعتبرت أن القرار لم يكن لحماية الغابات، بل لإخلائها من الشهود وإعدادها بعيدًا عن أعين السكان.

لقد كانت تلك الفترة، وفق اتهاماتها، مرحلة للاستطلاع والتجهيز اللوجستي؛ جرى خلالها تحديد الإحداثيات، ودراسة اتجاهات الرياح، واختيار النقاط التي يمكن أن تنتشر منها النيران بسرعة، ثم إعداد مسرح الكارثة.

وفي الفترة التي مُنع فيها الرعاة والفلاحون من دخول أراضيهم، كانت الأجهزة المتهمة، وفق الرواية ذاتها، تتحرك بحرية داخل الغابات، تحدد المسارات وتختار المواقع المعزولة وتجهز الوسائل التي ستُستخدم لاحقًا لإشعال النيران.

وعندما رُفع الحظر، كان كل شيء قد أصبح جاهزًا. وما هي إلا أيام حتى اندلعت الحرائق بوتيرة مرعبة، وظهرت بؤر متعددة في مناطق متباعدة، قبل أن تتحول قرى بأكملها إلى جزر محاصرة باللهب.

هذا التسلسل الزمني، من إغلاق الغابات إلى إعادة فتحها ثم اندلاع النيران، لا تعتبره الحكومة القبائلية المؤقتة مجرد صدفة إدارية، بل تقدمه بوصفه قرينة تستدعي التحقيق في احتمال وجود تخطيط مسبق وإصرار وترصد.

لماذا أُبعد أصحاب الأرض؟

لم يكن سكان المنطقة مجرد زوار للغابات حتى يُمنعوا من دخولها بقرار إداري. فالغابة بالنسبة إليهم امتداد لمنازلهم، ومصدر رزقهم، وجزء من ذاكرتهم الجماعية وهويتهم.

يعرف الفلاحون مسالكها وينابيعها واتجاهات الرياح فيها، ويستطيعون اكتشاف أي حركة غير طبيعية أو مواد مجهولة تُترك داخلها. ولذلك فإن إبعادهم لم يحرمهم فقط من الوصول إلى أراضيهم، بل أزال من المكان شبكة مراقبة بشرية كان من الممكن أن تكشف أي نشاط مشبوه.

فمن المستفيد من إفراغ الغابات من أصحابها؟ ولماذا لم ترافق فترة الإغلاق حملة علنية لتنظيف الأحراش وإنشاء ممرات عازلة للنيران وتعزيز خزانات المياه ونشر فرق الحراسة؟

لو كان الهدف الحقيقي هو حماية الغابات، لظهرت آثار تلك الإجراءات على الأرض. لكن ما حدث، وفق أصحاب الاتهامات، هو أن الغابات أُغلقت في وجه سكانها، ثم أعيد فتحها قبل أن تلتهمها النيران.

تعدد البؤر ينسف رواية الحادث العرضي

قد يبدأ الحريق الطبيعي من نقطة واحدة ثم ينتشر بفعل الحرارة والرياح والجفاف، لكن ظهور بؤر متعددة في أماكن متباعدة خلال فترة زمنية قصيرة يفتح الباب أمام احتمال الفعل المتعمد.

كيف اشتعلت قمم جبلية يصعب بلوغها في التوقيت نفسه؟ ولماذا تكرر المشهد في مناطق مختلفة؟ وهل خضعت هذه البؤر لتحليل علمي يقارن توقيت ظهورها واتجاه انتشارها؟

إن تزامن الاشتعال وطبيعة المواقع المختارة وسرعة امتداد اللهب ليست تفاصيل هامشية، بل عناصر يفترض أن تخضع لتحقيق جنائي وتقني يشمل صور الأقمار الصناعية وبيانات الطقس وسجلات الطيران وشهادات السكان.

لكن غياب تحقيق مستقل يترك الساحة مفتوحة أمام روايتين متناقضتين: رواية رسمية تتحدث عن الحرارة والجفاف وأفعال إجرامية مجهولة، ورواية قبائلية تتهم أجهزة في الدولة بإدارة حرب سرية ضد المنطقة.

«صفر قبائلي» وسياسة الأرض المحروقة

وراء كل شجرة محترقة وأرض زراعية مدمرة، ترى الحكومة القبائلية المؤقتة ملامح مشروع سياسي أطلقت عليه اسم «صفر قبائلي».

ووفق هذا التصور، لا يقتصر الهدف على إخماد المعارضة السياسية، بل يمتد إلى تدمير مقومات الحياة في المنطقة، وضرب اقتصادها المحلي القائم على الزراعة وتربية المواشي وأشجار الزيتون، ثم دفع السكان تدريجيًا نحو الهجرة القسرية.

فالأنظمة الشمولية، عندما تعجز عن إسكات معارضيها بالترغيب أو الترهيب أو السجون، تنتقل إلى ضرب البيئة التي تمنحهم القدرة على البقاء: تحرق الأرض، تدمر مصادر الرزق، تنشر الخوف، ثم تترك السكان يتسولون أبسط شروط الحياة.

وبحسب الاتهامات التي ساقتها الحكومة القبائلية المؤقتة، فإن أجهزة خفية داخل المخابرات الجزائرية، بمشاركة أطر عسكرية ومدنية، تعمل ضمن خطة حصلت على ضوء أخضر من مستويات عليا في السلطة، وتهدف إلى استهداف الموارد الطبيعية والخصوصية الثقافية والسياسية للمنطقة.

وهكذا تتحول الحرائق، بحسب هذه الرواية، إلى وسيلة لتنفيذ إبادة ثقافية واقتصادية صامتة تحت غطاء الكوارث الطبيعية، بما يسمح للمتهم بأن يظهر في صورة الضحية والمنقذ في الوقت نفسه.

إحراق الاقتصاد قبل تهجير السكان

أشجار الزيتون في منطقة القبائل ليست مجرد غطاء نباتي، بل تمثل مصدر دخل وارتباطًا تاريخيًا بالأرض. وإحراقها يعني حرمان العائلات من مورد رزق قد يحتاج إلى سنوات طويلة كي يعود إلى الإنتاج.

وعندما تحترق الحقول، وتنفق المواشي، وتُدمر المنازل، وتفقد العائلات قدرتها على الاستمرار، تبدأ الهجرة القسرية من دون حاجة إلى إصدار قرار رسمي بالتهجير. يغادر السكان لأن شروط بقائهم أُزيلت من تحت أقدامهم.

وهنا تكمن خطورة ما يسمى «مشروع صفر قبائلي»: تفريغ المنطقة من أهلها عبر تدمير مقومات الحياة فيها، وتحويل أصحاب الأرض إلى نازحين داخل وطنهم أو مهاجرين خارجه، ثم تقديم ما جرى أمام العالم باعتباره نتيجة طبيعية لموجة حر عابرة.

دولة النفط والغاز ومواطنون يواجهون النار بالأغصان

لا تتوقف المسؤولية عند السؤال عمّن أشعل النيران، بل تمتد إلى الطريقة التي تعاملت بها السلطات مع الكارثة بعد اندلاعها.

فقد وجد سكان قرى عديدة أنفسهم أمام جدران من اللهب، لا يملكون سوى خراطيم مياه ضعيفة وأوعية وأغصان وأدوات بدائية، داخل دولة تمتلك عائدات ضخمة من النفط والغاز وتنفق أموالًا طائلة على المؤسسة العسكرية.

أين كانت طائرات إخماد الحرائق؟ ولماذا تأخر وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المعزولة؟ وكيف تعذر فتح ممرات آمنة لإجلاء السكان قبل أن تحاصرهم النيران؟

حتى إذا استُبعدت فرضية الإشعال المتعمد، فإن ترك المواطنين يواجهون الكارثة بتلك الوسائل يكشف تقصيرًا جسيمًا في الوقاية والإنذار والاستجابة. أما إذا ثبت أن النيران أُضرمت عمدًا، فإن تأخر التدخل سيتحول من إهمال إداري إلى جزء محتمل من خطة استنزاف المنطقة.

اتهام المغرب وإسرائيل من دون تحقيق دولي

خلال حرائق عام 2021، سارعت السلطات الجزائرية إلى توجيه أصابع الاتهام نحو المغرب وإسرائيل، وقدمت خطابًا سياسيًا وإعلاميًا اتهم أطرافًا خارجية بالوقوف وراء الكارثة، من دون عرض أدلة مادية حاسمة أمام جهة دولية مستقلة.

ورغم خطورة اتهام دول أجنبية بإحراق أراضٍ جزائرية وقتل مواطنين، لم تتجه الجزائر إلى فتح تحقيق دولي شفاف يسمح لخبراء محايدين بمعاينة مواقع الحرائق وفحص العينات والاستماع إلى الشهود.

واكتفت، وفق منتقديها، بالصراخ عبر القنوات التلفزيونية الموجهة للاستهلاك الداخلي، من دون طرق أبواب المؤسسات الدولية لإثبات الاتهامات التي وجهتها إلى الخارج.

لكن عندما تعرضت شاحنتان تجاريتان جزائريتان للقصف قرب الحدود الموريتانية، تحرك النظام سريعًا، وأقام الدنيا ولم يقعدها، وطالب بتحقيقات وتحركات دولية وإقليمية.

وهنا يطرح كريم عشاب، رئيس الحكومة القبائلية المؤقتة في المنفى، سؤالًا يضع قصر المرادية أمام تناقض صارخ: كيف تتحرك دولة دوليًا بسبب مقتل شخصين في حادث شاحنتين، ثم تتجنب المطالبة بتحقيق دولي مستقل في حرائق أودت بحياة أعداد كبيرة من مواطنيها ودمرت قرى ومساحات شاسعة من الغابات؟

إذا كانت السلطات تملك أدلة على مسؤولية المغرب أو إسرائيل، فلماذا لم تعرضها أمام العالم؟ ولماذا لم تطلب رسميًا إرسال خبراء دوليين لفحص مواقع الحرائق؟

بالنسبة إلى أصحاب الاتهامات، تبدو الإجابة بسيطة ومرعبة في الوقت نفسه: الجاني لا يستدعي الشرطة للتحقيق معه.

وترى الحكومة القبائلية المؤقتة أن أي تحقيق دولي مستقل قد يفحص بقايا المواد الحارقة، ويتتبع مسارات الطائرات المسيّرة، ويحلل صور الأقمار الصناعية، ويحدد بدقة المكان والزمان اللذين ظهرت فيهما كل بؤرة.

من المستفيد من احتراق القبائل؟

يبقى السؤال المركزي في أي تحقيق: من المستفيد؟

لقد دمرت الحرائق موارد المنطقة، وأضعفت اقتصادها، ودفعت عائلات إلى النزوح، وزادت اعتماد المتضررين على مساعدات السلطة المركزية. كما أتاحت للنظام تشديد حضوره الأمني ومراقبة المنطقة بذريعة إدارة الكارثة وملاحقة من يصفهم بمشعلي الحرائق.

وهكذا تحقق النار أهدافًا متعددة في وقت واحد: تدمير الأرض، إنهاك السكان، نشر الخوف، دفع الشباب إلى الهجرة وتوسيع القبضة الأمنية. وفي المقابل، تظهر السلطة في صورة المنقذ الذي يقدم التعويضات، رغم أنها الجهة المطالبة بالإجابة عن كيفية اندلاع الكارثة وأسباب العجز عن احتوائها.

تحقيق دولي لكشف الحقيقة

لا يمكن الفصل في هذه الاتهامات من خلال بيانات سياسية أو خطابات تلفزيونية. وحده تحقيق دولي مستقل، يشارك فيه خبراء الحرائق والمواد الكيميائية وصور الأقمار الصناعية والطيران، يمكنه تحديد ما إذا كانت النيران طبيعية أو مفتعلة، وما إذا استُخدمت مواد حارقة أو طائرات مسيرة.

كما ينبغي أن يشمل التحقيق مراجعة قرارات إغلاق الغابات وإعادة فتحها، والاستماع إلى الأشخاص الذين وثقوا الكبسولات المشتبه فيها، والكشف عن أسباب اعتقالهم، ومراجعة سجلات تحليق الطائرات فوق المناطق المنكوبة.

فالقبائل لا تحتاج إلى بيانات تعزية جديدة، بل إلى الحقيقة. ولا يحتاج سكانها إلى خطابات تتحدث عن التضامن، بل إلى إجابات واضحة: من أشعل النار؟ ولماذا تزامنت البؤر؟ ومن منع السكان من دخول الغابات؟ وأين كانت وسائل الإنقاذ؟ ولماذا جرى إسكات الشهود بدل الاستماع إليهم؟

إن أخطر ما في «مشروع صفر قبائلي»، وفق الاتهامات الموجهة إلى النظام الجزائري، أنه لا يعتمد على عملية عسكرية معلنة أو دبابات ظاهرة، بل على حرب بطيئة يمكن إخفاؤها خلف الحرارة والجفاف والتغيرات المناخية.

إنها سياسة أرض محروقة بلا إعلان حرب، وتهجير بلا قطارات، وإبادة صامتة لا تترك خلفها سوى القبور والرماد والأسئلة.

لكن النظام الذي اعتقد أنه يستطيع دفن الحقيقة تحت رماد الغابات نسي أن النار تترك آثارها، وأن المواد الكيميائية لا تختفي بسهولة، وأن صور الأقمار الصناعية لا تخضع لرقابة قصر المرادية، وأن ذاكرة الشعوب أطول عمرًا من كل محاولات التعتيم.

فقد تتحول الأشجار إلى رماد، وقد تُهدم البيوت، وقد يُعتقل الشهود، لكن رائحة الجريمة ـ إن ثبت وقوعها ـ تظل عالقة في المكان، ولن يبددها إلا تحقيق دولي مستقل يكشف من أشعل النار، ومن أصدر الأوامر، ومن حاول إخفاء الأدلة.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.

سياسة الخصوصية