إعلان
980×90
مساحة إعلانية
فن

من ساعي التوصيل إلى الخشبة.. عثمان ليحاوين يفتح باب التألق في «المصعد»

نُشر في حُدّث في

كوثر بوجوال

قد يحتاج الممثل الشاب إلى سنوات قبل أن يجد الدور الذي يسمح له بأن يضع أولى علامات حضوره فوق الخشبة، وقد تأتي البداية من شخصية تبدو بسيطة على الورق، لكنها تتحول أمام الجمهور إلى اختبار حقيقي للموهبة. وفي مسرحية «المصعد»، وجد الممثل الصاعد عثمان ليحاوين نفسه أمام واحدة من تلك البدايات التي قد ترسم ملامح مسار فني لا يزال في خطواته الأولى.

ليحاوين، خريج المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، يخوض من خلال «المصعد» أول تجربة مسرحية درامية في مساره الفني، مجسدا شخصية ساعي توصيل يجد نفسه، إلى جانب ثلاث شخصيات أخرى، عالقا داخل مصعد تتوقف أبوابه فجأة، لتبدأ رحلة لا تتعلق بالخروج من المكان بقدر ما ترتبط بما سيكشفه كل شخص عن نفسه وعن واقعه.

قد تبدو شخصية ساعي التوصيل مألوفة في الحياة اليومية، تمر إلى جانبنا عشرات المرات دون أن نتوقف كثيرا أمام صاحبها، لكن المسرح يمنحها فرصة أخرى للظهور. وهنا تحديدا يجد عثمان ليحاوين مساحة لاختبار قدراته الدرامية، إذ لا يقدم شخصية قائمة على الحركة العابرة أو الحضور الهامشي، بل يدخل بها إلى عالم إنساني تتكشف داخله المشاعر والهواجس والصراعات.

وفي بداية مساره، يختار ليحاوين أن يطل على الجمهور من بوابة الدراما، في تجربة تضع الممثل أمام مسؤولية مختلفة، لأن المساحة المسرحية المغلقة في «المصعد» لا تسمح كثيرا بالاختباء خلف المؤثرات أو تغيير الأمكنة. أربعة ممثلين، فضاء واحد، ومواجهة مباشرة مع الجمهور، ما يجعل الرهان أساسا على الأداء، والانفعال، والقدرة على بناء الشخصية خطوة بعد أخرى.

ومن خلال هذه التجربة، تبدو ملامح طموح فني لدى ممثل شاب ما يزال في بداية الطريق. فالتكوين الأكاديمي في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي يمثل محطة مهمة، لكن الانتقال من الدراسة إلى الخشبة هو الاختبار الفعلي لما يمكن أن يحمله الممثل إلى الجمهور.

وتأتي «المصعد» لتمنحه هذه الفرصة ضمن عمل يراهن، في جوهره، على الإنسان قبل كل شيء.

المسرحية تنطلق من فكرة بسيطة: أربعة أشخاص يدخلون مصعدا، قبل أن يتوقف بهم فجأة. ينتظرون النجاة، لكن طول الانتظار يفتح أبوابا أخرى. تبدأ الشخصيات في الحديث، ثم في كشف جوانب من حياتها، لتتحول المساحة الضيقة إلى صورة مصغرة عن مجتمع واسع، تختلف داخله المسارات والأحلام والمخاوف، لكن أصحابه يلتقون في لحظة واحدة تحت ضغط واقع لا يستطيعون الهروب منه.

وفي هذا السياق، لا تبدو شخصية ساعي التوصيل منفصلة عن الرسالة العامة للعمل، بل تنسجم مع اختياره تقديم نماذج مأخوذة من المجتمع، لكل منها قصتها التي قد لا تكون ظاهرة من النظرة الأولى.

فالإنسان الذي نراه في الشارع أو نلتقيه لبضع دقائق قد يحمل خلف ابتسامته أو صمته حكاية كاملة، وهو ما تحاول «المصعد» إبرازه عبر شخصياتها.

العمل من تأليف الزوبير هلال وإخراج أمين ناسور، ويشارك في التشخيص إلى جانب عثمان ليحاوين كل من الزوبير هلال وأمين بالمعزة ومحمد حميمصة، فيما تقدم المسرحية شركة لحلو للوساطة الثقافية بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة.

ويستند العرض كذلك إلى بناء بصري وفني تتداخل فيه السينوغرافيا والإضاءة والموسيقى والملابس والمابينغ، في محاولة لجعل الفضاء المحدود للمصعد قادرا على حمل تحولات نفسية وإنسانية متعددة.

لكن حضور عثمان ليحاوين في هذا العمل يفتح أيضا سؤالا يتجاوز الممثل نفسه: ماذا يعني أن يواصل شباب مغاربة اختيار المسرح طريقا لهم؟

في زمن تتغير فيه أنماط الفرجة بسرعة، ويزداد حضور المنصات الرقمية والصورة القصيرة، ما يزال جيل جديد يدخل المعاهد، يتدرب، يعتلي الخشبة ويبحث عن فرصته في صناعة لحظة مسرحية حقيقية.

وهنا يظهر أحد أهم أوجه الأمل في المشهد المسرحي المغربي. فالمسرح لا يعيش فقط بالأسماء التي صنعت تاريخه، بل كذلك بالوجوه التي تصل اليوم إلى الخشبة وهي تحمل طموحها الأول وخوفها الأول وحلمها الأول.

وعندما نرى ذلك الشغف في عيون ممثلين شباب من طينة عثمان ليحاوين، يصبح من الصعب الحديث عن المسرح باعتباره فنا يتراجع أو يموت.

المسرح حي لأن هناك من يختار الوقوف تحت أضوائه للمرة الأولى.

حي لأن جيلا جديدا يتقدم بهدوء نحو الخشبة، لا ليكرر من سبقه، بل ليبحث عن صوته الخاص.

وقد تكون شخصية ساعي التوصيل في «المصعد» مجرد بداية في مسار عثمان ليحاوين، لكنها بداية تحمل رمزية واضحة: أحيانا لا يحتاج الفنان الشاب إلى باب واسع كي يدخل عالم الفن، يكفيه باب مصعد مغلق ليبدأ منه فتح أبواب أخرى نحو المستقبل.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.

سياسة الخصوصية