هجر إمغري
بحث يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، مع رودريغ شارل مالاندا-سامبا، وزير التشغيل والمقاولة والتكوين التأهيلي بجمهورية الكونغو، آفاقا جديدة لتطوير التعاون بين المغرب والكونغو في عدد من الملفات المرتبطة بسوق الشغل والإدماج الاقتصادي وتنمية المهارات، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام بتبادل التجارب الإفريقية والاستفادة من الخبرات المتراكمة في مجال السياسات العمومية المرتبطة بالتشغيل.
ويأتي هذا اللقاء في سياق دينامية متواصلة تشهدها العلاقات المغربية الكونغولية، خاصة على مستوى التعاون القطاعي وتبادل الخبرات في المجالات ذات الصلة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما يعكس رغبة مشتركة في الانتقال بالعلاقات الثنائية من مستوى التنسيق والتشاور إلى تطوير مبادرات عملية يمكن أن يكون لها أثر مباشر على برامج التشغيل وتأهيل الشباب وتشجيع المبادرة الخاصة.
واستعرض الجانبان خلال المباحثات مجموعة من القضايا التي تفرض نفسها على أجندة السياسات العمومية، وفي مقدمتها التحديات المرتبطة بإدماج الشباب في سوق الشغل، وتحسين قابلية التشغيل، ومواكبة الباحثين عن فرص مهنية، إلى جانب تشجيع روح المبادرة والمقاولة باعتبارها إحدى الآليات الأساسية لخلق فرص العمل وتعزيز النشاط الاقتصادي.
كما شكل اللقاء مناسبة لاستحضار عدد من التجارب والممارسات المعتمدة في مجال تنمية الكفاءات والمهارات، خصوصا في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها سوق الشغل، والتي أصبحت تفرض على الدول تطوير منظومات التكوين والتأهيل حتى تكون أكثر انسجاما مع حاجيات المقاولات والقطاعات الاقتصادية الصاعدة. وفي هذا السياق، برزت أهمية الاستثمار في الرأسمال البشري باعتباره مدخلا أساسيا لتحقيق تنمية اقتصادية أكثر استدامة.
وتناول النقاش كذلك سبل الاستفادة من التجربة المغربية في مجال التشغيل والإدماج الاقتصادي والمقاولة، بما يسمح بتقاسم الخبرات وتبادل الممارسات الناجحة مع الجانب الكونغولي. ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة بالنظر إلى الحاجة المتزايدة داخل الاقتصادات الإفريقية إلى تطوير برامج تستجيب للخصوصيات المحلية، وتساعد الشباب على الانتقال من مرحلة التكوين إلى الاندماج الفعلي في سوق العمل.
وفي السياق نفسه، يبرز التعاون في مجال المقاولة باعتباره مجالا واعدا لتوسيع الشراكة بين البلدين، خصوصا أن دعم المبادرة الخاصة أصبح يحتل موقعا متقدما ضمن السياسات الرامية إلى مواجهة البطالة وتعزيز فرص الإدماج الاقتصادي. ويتيح تبادل التجارب في هذا المجال إمكانية الاستفادة من الآليات المعتمدة في مواكبة حاملي المشاريع، وتسهيل ولوجهم إلى بيئة الأعمال، وتشجيعهم على تحويل أفكارهم إلى مشاريع منتجة وقادرة على خلق فرص شغل.
ومن جهة أخرى، ارتبطت المباحثات بموضوع تنمية الكفاءات، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لمواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي تعيد تشكيل طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة. فالتغيرات التي يشهدها عالم الشغل لم تعد تقتصر على القطاعات التقليدية، بل امتدت إلى مجالات جديدة تتطلب تكوينات متخصصة وقدرات تقنية ومهنية متجددة، وهو ما يجعل تطوير منظومات التكوين والتأهيل ضرورة مشتركة بالنسبة إلى مختلف الدول.
ويكتسب هذا التعاون بعدا إضافيا من خلال التركيز على الشباب، باعتبارهم الفئة الأكثر ارتباطا بتحولات سوق الشغل والأكثر حاجة إلى برامج فعالة تساعدها على اكتساب المهارات المطلوبة. ولذلك، فإن تعزيز التنسيق بين المغرب وجمهورية الكونغو في هذا المجال يمكن أن يفتح المجال أمام تطوير مقاربات جديدة تجمع بين التكوين والمواكبة المهنية وتشجيع المقاولة ودعم الإدماج الاقتصادي.
كما استحضر اللقاء المباحثات السابقة التي جمعت الوزيرين في جنيف، على هامش الدورة 114 لمؤتمر العمل الدولي، والتي شكلت فرصة لتبادل الرؤى بشأن قضايا التشغيل وتنمية المهارات والإدماج الاقتصادي. ويؤكد استئناف النقاش على المستوى الثنائي أن الملفات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بسوق الشغل أصبحت تحظى بأهمية متزايدة ضمن أجندة التعاون بين البلدين.
وفي المقابل، يعكس استمرار هذا النوع من اللقاءات توجها نحو بناء تعاون يقوم على تقاسم المعرفة والخبرات بدل الاكتفاء بالتواصل المؤسساتي التقليدي. فالتجارب التي راكمتها الدول في مواجهة تحديات البطالة وتطوير التكوين وتشجيع المقاولة يمكن أن تتحول إلى أدوات عملية عندما يجري تبادلها وفق حاجيات كل بلد وخصوصياته الاقتصادية والاجتماعية.
وأكد الجانبان أهمية مواصلة العمل المشترك بين القطاعين الوزاريين، مع السعي إلى تطوير آليات أكثر عملية لتبادل الخبرات والمعارف في المجالات ذات الاهتمام المشترك. ويمكن لهذا التوجه أن يشكل أرضية لتطوير برامج مستقبلية تستفيد من التجارب المتاحة لدى الطرفين، وتساهم في الرفع من فعالية السياسات العمومية المتعلقة بالتشغيل والمقاولة وتنمية الكفاءات.
ويأتي هذا التحرك أيضا في وقت أصبحت فيه قضايا التشغيل والإدماج الاقتصادي في صلب النقاش التنموي بالقارة الإفريقية، بالنظر إلى الارتفاع المتواصل في أعداد الشباب والحاجة إلى توفير فرص اقتصادية ومهنية قادرة على استيعاب الطاقات الجديدة. ومن ثم، فإن التعاون جنوب-جنوب يتيح إمكانية تطوير حلول تنطلق من التجارب الإفريقية نفسها، بدل الاعتماد بشكل كامل على نماذج خارجية قد لا تتلاءم دائما مع الخصوصيات المحلية.
ويبرز المغرب في هذا الإطار كطرف يسعى إلى توسيع مجالات التعاون مع شركائه الأفارقة، خاصة في القطاعات المرتبطة بتنمية الرأسمال البشري وتطوير الكفاءات. ويمنح هذا التوجه للبعد الاجتماعي والاقتصادي مكانة مهمة داخل العلاقات الإفريقية للمملكة، بالنظر إلى أن بناء شراكات مستدامة لا يرتبط فقط بالمبادلات الاقتصادية، وإنما يشمل أيضا نقل الخبرات وتطوير الموارد البشرية وتعزيز قدرات المؤسسات.
ويعكس اللقاء بين السكوري ونظيره الكونغولي، في المحصلة، رغبة مشتركة في إعطاء دفعة جديدة للتعاون في مجالات التشغيل والإدماج الاقتصادي والمقاولة والتكوين. كما يفتح الباب أمام إمكانية بلورة مبادرات وبرامج أكثر قربا من احتياجات الشباب والمقاولات، بما يساعد على تحسين قابلية التشغيل وتشجيع المبادرة الخاصة والاستجابة للتحولات التي يعرفها سوق العمل.
وبذلك، لا يقتصر التعاون المغربي الكونغولي في هذا المجال على تبادل المواقف والخبرات، بل يتجه نحو بناء مقاربة تقوم على التعلم المتبادل وتقاسم الممارسات الناجحة وتطوير أدوات عملية لمواجهة تحديات التشغيل. ومن شأن استمرار هذه الدينامية أن يعزز العلاقات الثنائية، ويدعم في الوقت نفسه رؤية أوسع للتعاون الإفريقي تقوم على الاستثمار في الإنسان والكفاءة والمعرفة باعتبارها ركائز أساسية للتنمية المستدامة.








التعليقات
0 تعليق