إعلان
980×90
مساحة إعلانية
تحليل

ترامب يتخلى عن محمد بن سلمان ويترك السعودية وحيدة أمام زحف الحوثيي

نُشر في

فتيحة شاطر

لم يعد التقدم الحوثي على الساحل الغربي لليمن مجرد تحول ميداني في حرب داخلية ممتدة، بل أصبح تطورًا استراتيجيًا يهدد بإعادة رسم موازين القوة في البحر الأحمر والمنطقة بأكملها. فبوصول قوات الحوثيين إلى مدينة ذُباب وسيطرتها على جزيرة ميون الواقعتين عند مضيق باب المندب، بات أحد أهم الممرات البحرية في العالم تحت تهديد مباشر من جماعة مرتبطة بإيران، في لحظة إقليمية بالغة الحساسية.

وأكدت مصادر في الحكومة اليمنية أن الحوثيين استولوا على ذُباب وجزيرة ميون بعد تقدم سريع على الساحل الغربي، سبقته السيطرة على مدينة المخا وانسحاب القوات التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا من مواقع استراتيجية. ويمنح هذا التحول الحوثيين قدرة أكبر على مراقبة حركة السفن والتأثير فيها، سواء باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة أو حتى المدفعية الساحلية، نظرًا لضيق المضيق وقرب مواقعهم الجديدة من خطوط الملاحة الدولية. ⁠

ولا تكمن أهمية باب المندب في موقعه الجغرافي فقط، بل في كونه البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والحلقة التي تصل المحيط الهندي وخليج عدن بقناة السويس والبحر المتوسط. وأي اضطراب طويل داخله قد يجبر السفن التجارية وناقلات النفط على تغيير مسارها نحو رأس الرجاء الصالح، بما يعنيه ذلك من زيادة مدة الرحلات وتكاليف الشحن والتأمين وارتفاع أسعار السلع والطاقة.

وبهذا التقدم، انتقل الحوثيون من ممارسة التهديد عن بُعد إلى الاقتراب من السيطرة الجغرافية على الضفة اليمنية للمضيق. وهذا فارق بالغ الخطورة؛ إذ لم يعد الأمر مرتبطًا بإطلاق صاروخ أو طائرة مسيّرة يمكن اعتراضها، بل بوجود عسكري ثابت يسمح للجماعة ببناء منصات مراقبة وهجوم وفرض معادلة أمنية جديدة على حركة الملاحة.

انهيار مفاجئ لقوات الحكومة

أظهر سقوط المخا والتقدم نحو ذُباب هشاشة القوات التابعة للحكومة اليمنية، رغم سنوات من الدعم العسكري والمالي والتدريب. فقد انسحبت وحدات حكومية من مواقعها بسرعة، في وقت وصف فيه مسؤولون ما جرى بأنه «انسحاب تكتيكي» يهدف إلى إعادة تجميع القوات والاستعداد لهجوم مضاد.

لكن سرعة التقدم الحوثي وحجم المواقع التي سقطت يطرحان أسئلة صعبة بشأن جاهزية هذه القوات وقدرتها على الصمود، فضلًا عن الخلافات والانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين. فالقوة العسكرية لا تُقاس بعدد المقاتلين والأسلحة فقط، وإنما بوحدة القيادة وسرعة اتخاذ القرار والقدرة على التنسيق، وهي عناصر بدت غائبة خلال المعارك الأخيرة.

وقد نفذت السعودية غارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات حوثية في عدد من المحافظات، إلا أن القصف لم يتمكن من وقف الاندفاع نحو الجنوب أو استعادة المناطق التي سقطت. وفي المقابل، هدد الحوثيون بتوسيع هجماتهم داخل الأراضي السعودية، مؤكدين أن الغارات لن تمر من دون رد، في مؤشر إلى احتمال انتقال المواجهة من الساحل اليمني إلى جبهة إقليمية أكثر اتساعًا. الجزيرة⁠

الرياض أمام تهديد مزدوج

بالنسبة إلى السعودية، لا يمثل ما يجري في باب المندب تهديدًا لحدودها الجنوبية فحسب، بل يطال أمنها الاقتصادي وطرق تصدير نفطها. فالاضطرابات التي تشهدها منطقة الخليج جعلت موانئ البحر الأحمر وخط أنابيب شرق–غرب أكثر أهمية في الاستراتيجية السعودية، باعتبارها بديلًا عن المسارات المهددة في الخليج ومضيق هرمز.

لكن وصول الحوثيين إلى قلب باب المندب يضع هذا البديل نفسه في دائرة الخطر. وهكذا تجد الرياض نفسها أمام تهديد مزدوج: ضغط إيراني في الخليج، ونفوذ حوثي متزايد عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

وتكشف هذه التطورات أن سنوات الحرب والهدن والتسويات الجزئية لم تنتج ضمانات حقيقية للأمن السعودي. فقد تمكن الحوثيون من المحافظة على ترسانتهم الصاروخية وقدراتهم في مجال الطائرات المسيّرة، ثم أعادوا تنظيم صفوفهم وانتقلوا من الدفاع عن مناطق سيطرتهم إلى تنفيذ هجوم واسع غيّر خريطة الساحل الغربي خلال فترة قصيرة.

ومع تلويح الجماعة باستهداف منشآت سعودية والتقدم نحو الحدود الشمالية لليمن، باتت المملكة مطالبة بإعادة تقييم استراتيجيتها كاملة: هل تعود إلى حرب جوية مفتوحة قد تتحول إلى استنزاف طويل، أم تبحث عن تفاهم سياسي يضمن أمن حدودها وممراتها البحرية، أم تعمل على بناء تحالف إقليمي قادر على حماية البحر الأحمر بعيدًا عن الاعتماد الكامل على واشنطن؟

ترامب يرفض فتح جبهة استنزاف جديدة

تحدثت تقارير عن اتصالات عاجلة أجراها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لطلب تدخل عسكري أكثر فاعلية لوقف زحف الحوثيين، غير أن الإدارة الأمريكية فضّلت عدم الانخراط المباشر، مكتفية بتقديم الدعم الاستخباراتي للسعودية.

ولا يبدو هذا الموقف منفصلًا عن الضغوط التي يواجهها الجيش الأمريكي، خصوصًا مع تزايد الحديث عن استنزاف مخزونات الذخائر والصواريخ بعيدة المدى ومنظومات الدفاع الجوي نتيجة المواجهة مع إيران. فقد أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة استخدمت جزءًا كبيرًا من أسلحتها الدقيقة بعيدة المدى، وهو ما يجعل فتح جبهة يمنية جديدة قرارًا مكلفًا عسكريًا وسياسيًا. رويترز⁠

ويضع هذا التردد الأمريكي الرياض أمام حقيقة غير مريحة: التحالف مع واشنطن لا يعني بالضرورة الحصول على تدخل عسكري مباشر كلما تعرضت المصالح السعودية للخطر. فترامب، الذي يواجه ضغوطًا داخلية متزايدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يدرك أن إرسال القوات الأمريكية إلى اليمن أو شن حملة جوية طويلة قد يحوله إلى طرف مباشر في حرب جديدة لا يمكن ضمان نهايتها.

ومن هنا يبدو الدعم الاستخباراتي حلًا وسطًا بالنسبة إلى واشنطن؛ فهو يمنح السعودية قدرًا من المساندة، لكنه يُبقي القوات الأمريكية خارج مواجهة مفتوحة مع الحوثيين وإيران. غير أن هذا الخيار قد لا يكون كافيًا إذا استمر الحوثيون في تثبيت مواقعهم حول المضيق وتحويل سيطرتهم الميدانية إلى بنية عسكرية دائمة.

طهران تربح من دون مواجهة مباشرة

تبدو إيران المستفيد الأكبر من هذا التحول. فمن خلال الحوثيين، تمكنت طهران من توسيع نفوذها إلى واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم من دون أن ترسل قواتها النظامية إلى باب المندب أو تدخل في مواجهة مباشرة جديدة.

وإذا ترسخت السيطرة الحوثية على مواقع المضيق، فإن إيران ستصبح قادرة على ممارسة ضغط متزامن عند هرمز وباب المندب، وهما بوابتان أساسيتان لتجارة الطاقة العالمية. وهذه القدرة لا تعني بالضرورة إغلاق المضيقين، بل يكفي التهديد بذلك لرفع كلفة التأمين والشحن وإرباك الأسواق وإجبار القوى الكبرى على التفاوض من موقع أكثر حذرًا.

ومع ذلك، فإن وصف الحوثيين بأنهم مجرد أداة إيرانية لا يفسر المشهد كاملًا؛ فالجماعة تمتلك مشروعها المحلي وحساباتها اليمنية الخاصة، لكنها تستفيد بوضوح من الدعم العسكري والسياسي الإيراني، فيما تستفيد طهران بدورها من تحركاتها لتعزيز نفوذها الإقليمي والضغط على خصومها.

ناقوس خطر يتجاوز اليمن

السيطرة على ذُباب وميون ليست نهاية المعركة، فقد أعلنت الحكومة اليمنية نيتها شن هجوم مضاد، كما أن السعودية ما تزال تملك تفوقًا جويًا وقدرات عسكرية كبيرة. لكن استعادة المناطق التي سقطت لن تكون سهلة، خصوصًا إذا تمكن الحوثيون من تحصين مواقعهم ونشر الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة الساحلية.

أما الخطر الأكبر، فيتمثل في تحول باب المندب إلى ورقة مساومة عسكرية وسياسية بيد الحوثيين وإيران. عندها لن يبقى الصراع محصورًا بين جماعة مسلحة وحكومة يمنية ضعيفة، بل سيتحول إلى مواجهة حول أمن التجارة الدولية وإمدادات الطاقة ومكانة الولايات المتحدة وتحالفاتها في الشرق الأوسط.

لقد كشفت معركة باب المندب هشاشة الحكومة اليمنية، وحدود القوة الجوية السعودية، وتردد إدارة ترامب في دخول حرب استنزاف جديدة. وفي المقابل، منحت إيران وحلفاءها فرصة لترسيخ معادلة ردع بحري جديدة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.

إنها ليست مجرد جولة أخرى في الحرب اليمنية، بل لحظة تحول قد تحدد شكل التوازنات الإقليمية لسنوات مقبلة. فمَن يمسك بباب المندب لا يضغط على اليمن والسعودية وحدهما، وإنما يضع يده على شريان تتنفس عبره التجارة العالمية، ويجعل من كل سفينة تعبره جزءًا من صراع أكبر لم تعد حدوده واضحة ولا نهايته قريبة.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.

سياسة الخصوصية