“دليل عملي” يواكب جهود المغرب في محاربة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

قبل أن يحلّ خبراء “فريق المتابعة المعززة” التابع لـ”مجموعة العمل المالي” بالمملكة المغربية في زيارة مرتقبة منتصف يناير 2023، تراهن عليها السلطات المالية المغربية لخروج المغرب نهائياً من “اللائحة الرمادية أو السلبية” لغسل الأموال وتمويل الإرهاب، بادرت رئاسة النيابة العامة بتعاون وثيق مع قطب المديريتَيْن العامتين للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني وقيادة الدرك الملكي إلى إصدار “دليل عملي حول تقنيات البحث والتحقيق” في هذا النوع من الجرائم.

الدليل العملي، الذي جاء في 136 صفحة من الحجم المتوسط، وتم تقديمه، الجمعة، بحضور رئيسَي النيابة العامة والهيئة الوطنية للمعلومات المالية، ونخبة من مسؤولي القضاء والأمن والاقتصاد، جسّد موضوع تعاون متواصل بين المؤسسات الأربع، كما يعد ثمرة “تعبئة وطنية” انخرطت فيها جميع الهيئات والقطاعات، بعد أن احتضن المغرب في نونبر الماضي الاجتماع العام لمجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

الهدف والسياق

حسب معدّي الدليل، تتمثل أهدافه في “استكمال إجراءات تنزيل المعايير والتوصيات الدولية ذات الصلة، لاسيما توصيات مجموعة العمل المالي بشأن إدارة الأبحاث التمهيدية وجمع وسائل الإثبات وتحريك المتابعات”، مع “الاستجابة للملاحظات الواردة في تقرير التقييم المتبادل للمملكة المغربية الصادر عن مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA FATF)، المتعلقة بعدم وجود دلائل استرشادية بشأن إجراءات مكافحة هذه الجريمة وتعقب الأموال المحصلة منها ومصادرتها”.

وبينما يرتبط سياق إصدار الدليل بـ”تنفيذ بنود خطة العمل الخاصة بالمغرب المعتمدة من طرف مجموعة العمل المالي (GAFI) بشأن تعزيز فعالية المنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بهدف الخروج من اللوائح السلبية للمجموعة المذكورة”، يشكل أيضا “وثيقة توجيهية للممارس وأرضية تتضمن المبادئ الأولية للبحث والتحقيق بالنسبة للمبتدئين من ضباط الشرطة القضائية وقضاة النيابة العامة”.

شفافية النظام المالي

استُهل تقديم الدليل، الذي حصلت Alhayat 24 على نسخة منه، بأن “شفافية ونزاهة النظام المالي للدولة يعتبران مدخلا أساسيا لدعم تنافسية النظام الاقتصادي وسلامة المعاملات المالية وتكافؤ الفرص بمناسبة الولوج إلى السوق، فضلا عن منع الممارسات المخالفة للقانون والحيلولة دون انتفاع الجُناة بعائدات الجريمة واستغلالها في تمويل الأنشطة الإجرامية الخطيرة، وعلى رأسها الجرائم الإرهابية”، مردفا: “بالنظر إلى ما تشكله جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب من تهديد حقيقي للأمن والاقتصاد، واعتمادها في بعض الأحيان على وسائل وأساليب متطورة لإخفاء معالم الجريمة، فإن أجهزة العدالة الجنائية مدعوة، بدورها، إلى الرفع من أدائها، سواء على مستوى الأساليب والتقنيات المعتمدة في البحث والتحقيق وجمع الأدلة أو على مستوى تعقب الأموال وحجزها ومصادرتها لتجفيف منابع تمويل الجريمة”.

وشددت الوثيقة على أهمية “تكامل وتنسيق الجهود واعتماد التقنيات المنظورة التي يتيحها القانون في مجال البحث الجنائي، فضلا عن الاستعانة بهيئات الرقابة والإشراف والأشخاص الخاضعين وجميع الجهات التي تملك قواعد بيانات غنية يمكنها أن تدعم البحث الجنائي”، مستحضرة الدور الحاسم لمعطيات الهيئة الوطنية للمعلومات المالية، أبرز الشركاء الأساسيين لأجهزة العدالة الجنائية، في كشف جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب وجمع المعلومات المالية المتعلقة بها.

وبالإضافة إلى الإطار القانوني الملائم، يأتي الدليل، وفق إفادات واضعيه، قصد “تطوير آليات ومناهج الاشتغال، سواء على مستوى اليقظة أو وضع مؤشرات للاشتباه”، لمواجهة التحديات الجديدة للجرائم المالية، لافتا الانتباه إلى “التعديلات القانونية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، آخرُها القانون رقم 12.18، إضافة إلى إصدار مجموعة من النصوص التنظيمية والدوريات والمناشير التوجيهية للرفع من كفاءة وفعالية أجهزة الرقابة والعدالة الجنائية”.

محاور الدليل

وفضلاً عن “مدخل عام” يمهد لمضامينه والإطاريْن القانوني (الدولي والوطني) والمفاهيمي المتعلقين بهذه الجرائم، تضمن الدليل العملي لائحة مختصرة بـ”فك المختصرات”، قبل أن يستعرض في فصليْن “تقنيات البحث والتحقيق في جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب”، ثم “إجراءات التعاون الدولي لتعقب متحصلات الجريمة وحجزها وتجميدها ومصادرتها”.

وينقسم الفصل الأول إلى محورين بارزين؛ أولهما معنون بـ”منطلق البحث والتحقيق”، بينما الثاني يتناول “دور البحث المالي الموازي في الانتقال من الجريمة الأصلية إلى جريمة غسل الأموال وكشف جرائم تمويل الإرهاب”.

أما الشق الثاني من الوثيقة فيستعرض “إجراءات وآليات التعاون القضائي الدولي” من خلال “الإنابة القضائية، تسليم المجرمين، والشكاية الرسمية”، معرّجا على “آليات التعاون الأمني الدولي المعتمدة من طرف مصالح الأمن الوطني والدرك الملكي”، وخالصا إلى “تعاون وحدات الاستخبارات المالية”.

جدير بالذكر أن منهجية إعداد الدليل اعتمدت “مقاربة تشاركية” بناء على دراسات مقارنة؛ مع تبويب يراعي مراحل البحث ومعايير مجموعة العمل المالي، مؤكدة “عدم الخوض في تفاصيل إجراءات البحث الكلاسيكية، والجمع بين الجانبين القانوني المسطري والعمليّاتي”.

يشار إلى أن الاستمرار في “اللائحة الرمادية” يحُول دون حصول المغرب على قرض جديد من صندوق النقد الدولي؛ وهو ما سبق لرئيس بعثة الصندوق التعبير عنه في آخر ندوة صحافية نظمها في الرباط، عقب انتهاء المشاورات مع السلطات.

0 0 votes
Article Rating
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى