متخصص ضمن قضايا الصحة يبرز النقلة النوعية في إصلاح المنظومة المغربية

يوم 21 دجنبر 2022 سيظل يوما “خالدا” في أذهان وذاكرة مهنيي الصحة بالمغرب مع مصادقة الحكومة، في مجلسها الأسبوعي، بعد انتظار طويل، على مجموعة من مشاريع النصوص القانونية، المؤطرة لاستراتيجية الحكومة لإنجاح ورش إصلاح المنظومة الصحية الوطنية، تكريسا لركائز الدولة الاجتماعية‎؛ كما نادى بها الجالس على عرش المملكة.

وسبق أن حظي القانون الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية ‏الوطنية بمصادقة غرفتَي ‏البرلمان، بعد الموافقة عليه في مجلس وزاري يوليوز الماضي؛ في حين جاءت مشاريع القوانين التنفيذية الخمسة ‏المتعلقة ‏بالمجموعات ‏الصحية الترابية، والوظيفة الصحية، والهيئة العليا للصحة، ‏والوكالة المغربية ‏للأدوية والمنتجات الصحية، والوكالة المغربية للدم ومشتقاته تدعيما للمسار القانوني وتقوية للترسانة التشريعية الصحية.

نقلة نوعية

تعليقا على الموضوع، اعتبر البروفيسور خالد فتحي، الأستاذ بكلية الطب بالرباط والخبير في القضايا الصحية، أن “المشاريع الخمسة التي صادق عليها المجلس الحكومي، في ظرفية مهمة موسومة بتعميم الحماية الاجتماعية، تعكس النفَس الحكومي الإصلاحي في قطاع الصحة”، واصفا إياها بـ”نقلة نوعية تحدث إصلاحا عميقا وهيكليا في قطاع اجتماعي طالما عانى تعدد الأعطاب”.

“الحكومة، ومن خلال هذه الخطوة، أثبتت تملكها للشجاعة السياسية ووفاءها لالتزامات برنامجها”، أكد الخبير في القضايا الصحية، في تصريح لAlhayat 24، مسجلا أنها “ماضية في تنزيل مختلف الأوراش والإصلاحات ذات المركزية بالصحة العمومية”.

ولفت فتحي الانتباه إلى أن “الزمن التشريعي والسياسي لم يخضع للهدر كما جرت العادة”، متوقفا عند “مسار المصادقة على القانون الإطار للمنظومة الصحية في ظرف أقل من سنة”.

الهيئة “الناظمة” للصحة

وجوابا عن سؤال حول مهام واختصاصات الهيئة العليا للصحة، أورد خالد فتحي أنها “بمثابة العقل الإستراتيجي والفعال للمنظومة الصحية برمتها، وجاءت تنفيذا لمقتضى المادة 32 من القانون الإطار؛ موضحا أنها “مؤسسة تتمتع بالشخصية المعنوية هدفُها ضمان استمرارية عمل الدولة في قطاع الصحة، كما ستسهر على ثبات واستقرار والتقائية السياسات العمومية التي تطبقها الدولة”.

وتابع المتحدث ذاته شارحا: “ستناط بها مهام جسيمة، التأطير التقني للتأمين الإجباري عن المرض وضبط منظومته، في أفق تشكيلها صلة وصل بين منظومة الحماية الاجتماعية في شق التغطية الصحية والقطاع من عاملين ومؤسسات صحية”.

أربع دعامات

من جهة أخرى، أشاد فتحي، في معرض حديثه لAlhayat 24، بالتصور الحكومي لإصلاح القطاع، معتبرا أنه “يتسم بالتكامل وفق الدعامات الأساسية الأربع: اعتماد حكامة جيدة، وتثمين الموارد البشرية، وتأهيل العرض الصحي، فضلا عن رقمنة المنظومة الصحية التي تبقى أساسية لإنجاح الدعامات الثلاث الأولى”.

وقال الباحث الخبير في الشأن الصحي إن “الدينامية التي تشتغل بها الحكومة لإصلاح الصحة بالمغرب ليست بالجديدة”، مذكرا بأنها أهمية لا تقل عن تلك التي أولاها الجهاز التنفيذي لتعميم الورش الملكي المتعلق بالتغطية الصحية، بعد نجاحها في تعميم التأمين الإجباري عن المرض على عموم المغاربة، مع بداية شهر دجنبر 2022 تنفيذا للأجندة الملكية الواردة في خطب السنوات الأخيرة.

وأقام فتحي تشبيها يتمثل في كون نجاح ورش الحماية الاجتماعية يتطلب، بالضرورة، نجاح ورش إصلاح قطاع الصحة؛ واصفا: “إنهما ورشان توأمان، بل الجناحان اللذان ستحلق بهما الدولة الاجتماعية في صيغة مغربية”.

واعتبر الأستاذ بكلية الطب بالرباط أن “المجموعات الصحية الترابية دليل آخر على سعي الحكومة إلى تنزيل الجهوية المتقدمة والعدالة المجالية فعليا عبر قوانين”، منوها بفكرة تشكيل “الوكالة الوطنية للدواء والمنتجات الصحية، المؤطرة للقطاع الصيدلاني”، مسجلا: “المأمول منها أن تتحول إلى أداة للقوة الناعمة للمملكة، ليس فقط من خلال توفير السيادة الدوائية للمغرب، بل لضمانها في أرجاء القارة”.

وعن الوكالة المغربية للدم ومشتقاته، أورد فتحي أنها “مؤسسة تتمتع بالشخصية الاعتبارية، قصد ضمان وتنمية مخزون الدم ومشتقاته وقيادة الأبحاث العلمية حول مادة حيوية واستراتيجية قبل الحديث عن أمن صحي”.

عدم إغفال العنصر البشري

ولم تغفل الحكومة، حسب خالد فتحي، “الدور المحوري للعنصري البشري”، مستحضرا تنامي وعيها بـ”مشكل انعدام جاذبية المهنة حاليا ونزيف هجرة الأطر الطبية نحو الخارج”؛ ما دفعها إلى “خطة تكوين أعداد كافية من الأطباء والممرضات (هدف 45 إطارا صحيا لكل 10 آلاف مواطن بحلول 2030).

كما عدد الأستاذ بكلية الطب، في هذا الصدد، التزامات حكومية بتثمين الموارد البشرية الصحية، عبر “الحماية القانونية والتحفيز ونظام مبدع في التشغيل وفعالية الأجور، بمنطق الأجر الثابت والمتغير حسب المردودية”.

وختم الخبير في الشأن الصحي قائلا: “إنها ثورة اجتماعية سيحس بها المواطنون وتحدث تغييرات جذرية في المقاربة والعقلية والأداء داخل المنظومة الصحية في المملكة”، مشددا على “ضرورة انخراط المجتمع المغربي بكل فئاته في ورش التغطية الصحية؛ لأنه ورش وجودي تبصمه تحديات الأزمات الصحية والتأهب لها”.

0 0 votes
Article Rating
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى