كوثر بوجوال
اطلع وفد بريطاني رفيع المستوى، الأربعاء 9 شتنبر 2026 بالرباط، على التجربة المغربية في مكافحة التطرف والوقاية من الإرهاب، خلال زيارة إلى مركز «مصالحة» خُصصت لبحث عدد من الآليات التي تعتمدها المملكة في إعادة التأهيل الفكري والسلوكي وإعادة الإدماج.
وشكل اللقاء مناسبة لتبادل التجارب بين الجانبين المغربي والبريطاني، خصوصا في ما يتعلق بكيفية التعامل مع الخطاب المتطرف، ومواكبة الأشخاص المدانين في قضايا التطرف، ثم إعادة إدماجهم داخل المجتمع وفق مقاربة متعددة الأبعاد.
كما تم خلال اللقاء التطرق إلى برنامج تدبير ومواكبة العائدين من بؤر التوتر، باعتباره واحدا من أبرز مكونات المقاربة المغربية في هذا المجال.
الوفد البريطاني يزور مركز مصالحة
تركزت زيارة الوفد البريطاني حول التعرف بشكل مباشر على البرامج التي يشرف عليها مركز «مصالحة»، باعتباره إحدى الآليات المعتمدة في المغرب للتعامل مع قضايا التطرف داخل المؤسسات السجنية وخارجها.
وتقوم هذه المقاربة على عدم الاكتفاء بالجانب الأمني وحده، بل الجمع بين التأهيل الفكري والنفسي والسلوكي والديني والاجتماعي، بما يساعد المستفيدين على مراجعة الأفكار المتطرفة والاستعداد للاندماج مجددا داخل المجتمع.
وخلال الزيارة، قدم الجانب المغربي عرضا حول مختلف مكونات التجربة، بما يشمل أدوات المواكبة وإعادة التأهيل، إلى جانب آليات العمل مع الفئات المرتبطة بملفات التطرف العنيف.
إعادة التأهيل الفكري والسلوكي في قلب التجربة المغربية
من بين أبرز المحاور التي تمت مناقشتها خلال اللقاء، مجال إعادة التأهيل الفكري والسلوكي.
وتعتبر هذه المرحلة أساسية في برامج مواجهة التطرف، لأنها تستهدف معالجة الجذور الفكرية التي قد تكون وراء تبني خطابات أو مواقف متشددة.
ولا تقتصر العملية على تفكيك الأفكار المتطرفة، بل تشمل أيضا مواكبة المستفيدين على المستوى النفسي والسلوكي والاجتماعي، بهدف تسهيل عودتهم إلى حياة طبيعية بعد انتهاء فترة العقوبة أو الاستفادة من برامج إعادة الإدماج.
ويعتمد هذا النوع من البرامج على التدرج في التعامل مع المستفيد، عبر الحوار والمواكبة والتأطير، بدل الاقتصار على المقاربة العقابية.
المغرب يعرض برنامج مواكبة العائدين من بؤر التوتر
تطرق اللقاء كذلك إلى برنامج تدبير ومواكبة العائدين من بؤر التوتر، وهو أحد الملفات الأكثر حساسية في مجال مكافحة الإرهاب.
ويتعلق الأمر بالأشخاص الذين سبق لهم التواجد في مناطق نزاع أو ارتبطت أسماؤهم بجماعات متطرفة، قبل عودتهم إلى بلدانهم.
ويحتاج التعامل مع هذه الحالات إلى مقاربة دقيقة تجمع بين الجانب الأمني والقضائي والاجتماعي والنفسي، مع تقييم درجة الخطورة والاستعداد للاندماج.
وقدمت التجربة المغربية في هذا المجال ضمن رؤية شاملة تسعى إلى تقليص مخاطر العودة إلى التطرف، وفي الوقت نفسه توفير أدوات تسمح بإعادة الإدماج عندما تتوفر الشروط اللازمة.
أحمد عبادي يترأس الجانب المغربي
ترأس اللقاء من الجانب المغربي أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء ورئيس مركز «مصالحة».
وشارك أيضا الكاتب العام للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، ومنسق مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، إلى جانب عدد من مسؤولي وأطر المركز.
ويعكس حضور هذه المؤسسات طبيعة المقاربة المغربية التي تجمع أكثر من فاعل، بدل حصر ملف مكافحة التطرف داخل جهة واحدة.
فالرابطة المحمدية للعلماء تشتغل على الجانب الديني والفكري، بينما تضطلع المندوبية العامة لإدارة السجون بدور أساسي داخل المؤسسات السجنية، في حين تساهم مؤسسة محمد السادس في مواكبة إعادة الإدماج بعد مرحلة الاعتقال.
المقاربة المغربية تقوم على تعدد المتدخلين
تعتمد التجربة المغربية في الوقاية من التطرف العنيف على تنسيق بين مؤسسات دينية وأمنية واجتماعية وقضائية.
وتنبع أهمية هذا النموذج من كون التطرف لا يُعالج باعتباره ظاهرة أمنية فقط، بل باعتباره مسارا يمكن أن تكون له أسباب فكرية واجتماعية ونفسية متعددة.
ولهذا تسعى البرامج إلى معالجة أكثر من جانب في الوقت نفسه، عبر العمل على تصحيح بعض التصورات الدينية، وتعزيز مهارات الحوار، والمواكبة النفسية والاجتماعية.
كما تهدف هذه المقاربة إلى الحد من احتمالات العود إلى التطرف بعد مغادرة المؤسسة السجنية، من خلال الاستعداد المسبق لمرحلة إعادة الإدماج.
بريطانيا تعرض تجربتها في مواجهة السرديات المتطرفة
لم يقتصر اللقاء على تقديم التجربة المغربية، إذ عرض الجانب البريطاني بدوره عددا من الممارسات والمبادرات المعتمدة في المملكة المتحدة في مجال مكافحة التطرف العنيف.
وركزت العروض البريطانية بشكل خاص على الاتصالات الاستراتيجية ومواجهة السرديات المتطرفة.
ويشكل هذا الجانب أحد المحاور المتزايدة الأهمية في سياسات مكافحة التطرف، خصوصا مع توسع استخدام المنصات الرقمية في نشر الخطابات المتشددة واستقطاب الأفراد.
وتعتمد مواجهة هذه السرديات على تطوير خطاب بديل قادر على تفكيك الرسائل المتطرفة والحد من تأثيرها، بدل الاكتفاء بحذف المحتوى أو ملاحقة مروجيه.
التواصل الاستراتيجي يدخل صلب مكافحة التطرف
يعكس تركيز الوفد البريطاني على الاتصالات الاستراتيجية تحولا في أساليب مكافحة الإرهاب خلال السنوات الأخيرة.
فالجماعات المتطرفة لا تعتمد فقط على العمل الميداني، بل تستثمر أيضا في الدعاية والخطاب الرقمي ومحاولة استقطاب الأفراد عبر الإنترنت.
ولهذا أصبح التصدي للروايات المتطرفة جزءا أساسيا من الاستراتيجية الوقائية، إلى جانب العمل الأمني والقضائي.
وفي هذا السياق، يمثل تبادل الخبرات بين المغرب وبريطانيا فرصة لمقارنة أدوات العمل ومدى فعاليتها في الحد من انتشار الخطابات التي تشجع على التطرف أو العنف.
الوفد البريطاني يشيد بالتجربة المغربية
بحسب بلاغ مركز «مصالحة»، أشاد أعضاء الوفد البريطاني بالتجربة المغربية في مجال الوقاية من التطرف العنيف ومكافحة الإرهاب.
كما نوهوا بما راكمته المملكة من خبرات وممارسات في هذا المجال.
وتم التأكيد خلال اللقاء على أهمية استمرار الحوار بين الطرفين وتبادل الممارسات الفضلى والخبرات، بما يسمح بتطوير أدوات أكثر فعالية للتعامل مع الظاهرة.
كما اتفق الجانبان على تعزيز التنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
زيارة ميدانية لمؤسسة سجنية
من المقرر أن تتواصل زيارة الوفد البريطاني، الخميس، من خلال تنظيم زيارة ميدانية إلى مؤسسة سجنية.
وتهدف هذه المحطة إلى تمكين أعضاء الوفد من الاطلاع بشكل مباشر على كيفية تنزيل برامج إعادة التأهيل والمواكبة داخل الوسط السجني.
وستسمح الزيارة بالتعرف على المكونات العملية للتجربة المغربية، بدل الاقتصار على العروض النظرية التي قدمت خلال لقاء الرباط.
ويكتسي هذا الجانب أهمية لأن فعالية برامج مكافحة التطرف لا تتوقف عند التصورات العامة، بل ترتبط بكيفية تطبيقها داخل المؤسسات المعنية.
التعاون المغربي البريطاني يتوسع في ملف حساس
يحمل هذا اللقاء بعدا يتجاوز الزيارة البروتوكولية، بالنظر إلى حساسية ملف الإرهاب والتطرف العنيف.
فالتجارب الدولية أظهرت أن مواجهة هذه الظواهر تحتاج إلى تعاون واسع وتبادل مستمر للمعلومات والخبرات، خاصة مع الطبيعة العابرة للحدود للشبكات المتطرفة.
كما أن التعامل مع العائدين من بؤر التوتر يمثل تحديا مشتركا لعدد من الدول، وهو ما يجعل تبادل الممارسات أمرا ضروريا لتطوير السياسات الوقائية.
ومن هذا المنطلق، تفتح الزيارة الباب أمام مزيد من التنسيق بين الرباط ولندن في الجوانب المرتبطة بإعادة التأهيل ومواجهة السرديات المتطرفة.
المغرب يعزز حضور مقاربته في مكافحة التطرف
يأتي اهتمام الوفد البريطاني بالتجربة المغربية ليعكس استمرار حضور النموذج المغربي في النقاشات الدولية المرتبطة بالوقاية من التطرف.
وتقوم هذه التجربة على دمج المكون الديني والفكري مع الجوانب النفسية والاجتماعية والأمنية، في محاولة لمعالجة الظاهرة من زوايا متعددة.
ولا تنحصر هذه المقاربة في مواجهة الخطر بعد وقوعه، بل تسعى أيضا إلى الوقاية والحد من احتمالات إعادة إنتاج الأفكار المتطرفة.
كما تمثل برامج إعادة الإدماج أحد العناصر الأساسية في هذا التصور، خصوصا بالنسبة إلى الأشخاص الذين أنهوا عقوباتهم أو خضعوا لمسارات تأهيل داخل المؤسسات السجنية.
شراكة خبرات بين الرباط ولندن
تكشف زيارة الوفد البريطاني عن رغبة متبادلة في تطوير التعاون حول ملف الوقاية من التطرف العنيف، بالاستفادة من التجربتين المغربية والبريطانية.
فبينما يعرض المغرب خبرته في التأهيل وإعادة الإدماج والتعامل مع العائدين من بؤر التوتر، تقدم بريطانيا تجربتها في التواصل الاستراتيجي ومواجهة الخطابات المتطرفة.
ومن شأن استمرار هذا التبادل أن يسمح ببناء أدوات أكثر تكاملا لمواجهة ظاهرة تتغير أساليبها باستمرار.
ومع تواصل الزيارة ببرنامج ميداني داخل إحدى المؤسسات السجنية، ينتظر أن تتعرف البعثة البريطانية بصورة أعمق على التجربة المغربية في مكافحة التطرف وكيفية تطبيقها عمليا، في سياق تعاون يركز على تبادل الخبرة والوقاية وإعادة الإدماج.









التعليقات
0 تعليق