إعلان
980×90
مساحة إعلانية
علاقات و دبلوماسية

الجغرافيا في مواجهة الأمر الواقع.. الدوافع العميقة لتمسك المغرب بسيادته على سبتة ومليلية

نُشر في

ياسر الرقاص

يشكل ملف مدينتي سبتة ومليلية واحدا من أقدم النزاعات الترابية المعلقة في التاريخ المعاصر، فبالرغم من استمرار الإدارة الإسبانية للمدينتين لعدة قرون، وعدم إدراج الأمم المتحدة لهما ضمن لوائح تصفية الاستعمار، لا تزال المملكة المغربية تعتبرهما ثغرين محتلين وجزءا لا يتجزأ من ترابها الوطني. 

ويستند هذا الموقف السيادي الثابت إلى مرتكزات جغرافية، وتاريخية، وديموغرافية تتجاوز في منظور الرباط أي تصنيفات قانونية أو قرارات أممية تعكس توازنات قوى سابقة.

حتمية الجغرافيا وعمق الروابط التاريخية في صلب المرافعة المغربية، تبرز حجة “الامتداد الجغرافي” كمعطى لا يمكن دحضه؛ فالمدينتان تقعان جغرافيا في القارة الإفريقية وتعتبران امتداداً طبيعياً للساحل المتوسطي المغربي، ومطوقتين بالكامل باليابسة المغربية. 

سياسيا وتاريخيا، يؤكد المغرب أن سقوط سبتة (عام 1415) ومليلية (عام 1497) جاء في سياق حملات التوسع الإيبيري التي استهدفت السواحل الشمالية للمملكة إبان فترات الضعف الداخلي، وأن هذا التقادم الزمني للاحتلال لا يمنحه أي شرعية. 

وتدعم الوثائق التاريخية وروابط “البيعة” المستمرة بين ساكنة المنطقة والسلاطين المغاربة هذا الطرح، مما ينسف السردية الإسبانية التي تعتبرهما مدينتين إسبانيتين قبل نشأة الدولة المغربية الحديثة.

التعقيد الأممي.. قراءة مزدوجة للقانون الدولي تستغل مدريد غياب المدينتين عن اللائحة الأممية للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي (والتي تشرف عليها اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة) لتكريس اعتبارهما “مدينتين تتمتعان بالحكم الذاتي” كجزء لا يتجزأ من الإطار الدستوري الإسباني. 

غير أن الدبلوماسية المغربية، مدعومة بخبراء في القانون الدولي، ترى أن عدم الإدراج الأممي لا يعكس حكماً نهائياً بالرفض، بل هو نتاج لتعقيدات بيروقراطية وتاريخية ترجع لزمن تأسيس المنظمة الأممية، حيث لم تصنف المدن التي احتلت قبل القرن التاسع عشر كـ “مستعمرات” بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. 

وتعتبر الرباط أن استمرار الوجود الإسباني يمثل مفارقة صارخة لروح قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى إنهاء كافة أشكال الاستعمار، وتناقضا للموقف الإسباني نفسه المطالب باسترجاع صخرة جبل طارق من بريطانيا بناءً على مبدأ الوحدة الترابية.

إدارة الأزمة بين المبدأ والبراغماتية وعلى المستوى الجيوسياسي الراهن، تحول هذا النزاع إلى حالة من “التعايش البراغماتي الحذر” بين البلدين الجارين. 

فالمغرب، وإن كان لا يتنازل عن حقه التاريخي والسيادي في استرجاع الثغرين، فإنه يعتمد مقاربة سلمية تدعو إلى الحوار المشترك والتفاوض الثنائي، مستلهماً في ذلك مقترحات سابقة كتشكيل خلية تفكير مشتركة لتدبير المرحلة الانتقالية. 

في المقابل، توظف المدينتان اليوم كنقاط ارتكاز أمني واقتصادي، حيث تتداخل فيها ملفات حساسة كالهجرة غير النظامية، والتهريب، ومكافحة الإرهاب، ما يجعل استقرارهما مرتهناً بشكل كلي بمستوى التعاون الأمني والاستراتيجي مع المغرب.

إن استمرار المطالبة المغربية ليس مجرد استهلاك سياسي، بل هو تذكير دائم للمجتمع الدولي بأن التقادم الزمني وتجاهل المؤسسات الدولية لا يمحوان حقائق الجغرافيا، ولا يلغيان حقوق الدول في استكمال وحدتها الترابية مهما طال الأمد.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.

سياسة الخصوصية