هجر إمغري
كشف فيلم وثائقي جديد يحمل عنوان «نازا» شهادات لعناصر سابقين وحاليين في القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، تناولت تفاصيل مرتبطة بعمليات القتل والاستهداف في قطاع غزة، وركزت بشكل خاص على الطريقة التي أصبحت بها تقنيات المراقبة وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي جزءا من منظومة تحديد الأشخاص والأهداف داخل القطاع.
وأثار الفيلم اهتماما واسعا منذ عرضه ضمن فعاليات مهرجان البندقية السينمائي، بعدما قدم معالجة وثائقية تعتمد على شهادات مباشرة لعناصر عسكريين واستخباراتيين، اختاروا الظهور أمام الكاميرا دون الكشف عن هوياتهم. ويأتي هذا العمل في سياق يتزايد فيه النقاش الدولي حول طبيعة العمليات العسكرية في غزة، وحجم الاعتماد على التكنولوجيا في جمع المعلومات ومراقبة السكان وتحديد الأهداف.
واستند العمل الوثائقي إلى تحقيق امتد لثلاث سنوات، سعى خلاله المخرجان يوفال أبراهام وراحيل تسور إلى جمع شهادات من داخل المؤسسات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، بهدف تقديم صورة عن الآليات التي يتم من خلالها جمع البيانات وتحليلها قبل اتخاذ قرارات الاستهداف.
وأوضح الفيلم، وفق ما جاء في الشهادات التي يتضمنها، أن أنظمة المراقبة الحديثة أصبحت قادرة على التعامل مع كميات ضخمة من المعلومات القادمة من مصادر متعددة، من بينها الاتصالات والبيانات الرقمية وغيرها من المعطيات التي يمكن تحليلها بواسطة أنظمة تعتمد على الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
وركز صناع الفيلم على العلاقة بين المراقبة واسعة النطاق وبين عمليات الاستهداف، معتبرين أن التكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة مساعدة لجمع المعلومات، وإنما أصبحت عنصرا مؤثرا في طريقة بناء صورة الأشخاص الذين يتم اعتبارهم أهدافا عسكرية.
وأعاد هذا الطرح إلى الواجهة أسئلة شديدة الحساسية حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقرارات قد تنتهي بمقتل أشخاص. فكلما ازدادت قدرة الأنظمة الرقمية على تحليل البيانات بسرعة، تبرز في المقابل تساؤلات حول مسؤولية الإنسان عن القرارات التي تعتمد على مخرجات تلك الأنظمة، وحول هامش الخطأ الذي يمكن أن يترتب عن الاعتماد على البيانات الآلية في بيئة حرب معقدة.
واستعرض الفيلم شهادات 24 عنصرا من القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وافقوا على الحديث أمام الكاميرا مع إخفاء هوياتهم. وتكتسب هذه الشهادات أهمية خاصة بالنسبة لصناع العمل، لأنها تقدم روايات من داخل المنظومة التي يتناولها الفيلم، بدلا من الاكتفاء بشهادات مراقبين أو جهات خارجية.
وسلطت الشهادات الضوء كذلك على حجم الاعتماد على المراقبة في قطاع غزة، حيث يتم التعامل مع الاتصالات والبيانات باعتبارها مصدرا أساسيا للمعلومات. ويطرح هذا الواقع قضية أوسع تتعلق بالخصوصية وحماية المدنيين في مناطق النزاع، في ظل انتشار تقنيات قادرة على تتبع وتحليل كم هائل من البيانات في وقت قصير.
وتوقف الفيلم عند الطريقة التي يمكن من خلالها استخدام تحليل الاتصالات للمساعدة في تحديد أشخاص يراد استهدافهم، وهي مسألة تفتح نقاشا حول المعايير التي تعتمدها الأنظمة المستخدمة في تصنيف الأفراد، ومدى قدرة التكنولوجيا على التمييز بدقة بين المعلومات المرتبطة بعمل عسكري وبين المعطيات الشخصية أو المدنية التي قد لا تكون لها علاقة مباشرة بالعمليات القتالية.
كما حاول العمل الوثائقي ربط تطور وسائل المراقبة بالتصعيد العسكري في القطاع، من خلال طرح فكرة مفادها أن جمع البيانات على نطاق واسع يمكن أن يتحول، في ظروف الحرب، إلى أداة أساسية في تحديد الأهداف. وبذلك لا يكتفي الفيلم بتناول التكنولوجيا باعتبارها تطورا تقنيا، وإنما يضعها في سياق إنساني وسياسي وعسكري شديد التعقيد.
واستقطب عرض الفيلم في مهرجان البندقية تفاعلا لافتا، بعدما استمر التصفيق للمخرجين لنحو 25 دقيقة عقب انتهاء العرض. ويعكس هذا التفاعل حجم الاهتمام الذي يحظى به العمل، خاصة أنه يتناول قضية الحرب في غزة من زاوية تعتمد على شهادات أشخاص كانت لهم صلة مباشرة بالمؤسسات العسكرية والاستخباراتية.
ويأتي حضور هذا النوع من الأفلام في المهرجانات السينمائية الدولية في وقت أصبحت فيه الأعمال الوثائقية تؤدي دورا متزايدا في توثيق الحروب والنزاعات، من خلال جمع شهادات وشهادات مضادة، والبحث في تفاصيل قد يصعب الوصول إليها عبر التغطية اليومية للأحداث.
ويركز المخرجان من خلال «نازا» على ما يعتبرانه الجانب غير المرئي من الحرب، أي البنية التكنولوجية التي تعمل خلف العمليات الميدانية، حيث لا تظهر الخوارزميات وأجهزة المراقبة في الصور القادمة من مناطق القتال، لكنها يمكن أن تؤثر في تحديد من يصبح هدفا ومن يبقى خارج دائرة الاستهداف.
وأعاد الفيلم بذلك النقاش حول الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري إلى الواجهة، بعدما كان الاهتمام بهذا الموضوع يتركز في الغالب على مستقبل الأسلحة الذاتية والأنظمة القتالية المتطورة. غير أن ما يطرحه العمل يوسع النقاش ليشمل مرحلة تسبق تنفيذ الهجوم، وهي مرحلة جمع المعلومات وتصنيفها وتحليلها واستخدامها في اتخاذ قرارات تتعلق بالأهداف.
ويؤكد مضمون الفيلم أن التطور التكنولوجي في الحروب لا يعني بالضرورة تراجع المسؤولية البشرية، بل يطرح الحاجة إلى مساءلة أكثر دقة حول الطريقة التي تستخدم بها هذه التقنيات والجهات التي تتخذ القرار النهائي بناء على المعلومات التي تنتجها. كما يثير تساؤلات حول إمكانية محاسبة المسؤولين عندما تؤدي أخطاء البيانات أو التحليلات إلى نتائج كارثية على المدنيين.
وفي ظل استمرار الحرب في غزة وما رافقها من جدل واسع بشأن حجم الخسائر البشرية والدمار، يمنح الفيلم الوثائقي مساحة جديدة للنقاش حول طبيعة الحرب الحديثة، حيث تتداخل القوة العسكرية مع التكنولوجيا والمراقبة والبيانات الضخمة.
ويقدم «نازا» في النهاية محاولة لفتح نافذة على واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في الحروب المعاصرة، وهي العلاقة بين التكنولوجيا والقرار العسكري. وبينما ينقل شهادات عناصر تحدثوا عن تجربتهم من داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية، يترك الفيلم أمام المشاهد أسئلة مفتوحة بشأن حدود استخدام المراقبة والذكاء الاصطناعي، ومدى تأثيرهما في حياة المدنيين، والمسؤولية التي تتحملها الجهات التي تستخدم هذه الأدوات في ساحات الحرب.







التعليقات
0 تعليق