ياسر الرقاص
لم تكن المشاهد القادمة من الحدود الوهمية لمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين يومي 30 و31 يوليوز من عام 2026 مجرد فصول اعتيادية لأزمة هجرة سرية، بل بدت وكأنها زلزال جيوسياسي مدروس بعناية.
احتشاد عشرات الآلاف في وقت متزامن وبزخم بشري غير مسبوق، كشف عن هشاشة التوازنات الإقليمية، وطرح تساؤلات ملحة حول ما يجري في الكواليس، القراءة العميقة للحدث تتجاوز القناعات التقليدية التي تربط النزوح بالظروف الاقتصادية، لتسلط الضوء على فرضية متماسكة تعتبر هذا التدفق بمثابة أداة ضغط استراتيجية.
هذه الفرضية تضع إسبانيا في فوهة تقاطع مصالح أمريكي-إسرائيلي-مغربي، عقابا لمدريد على تمردها الدبلوماسي غير المسبوق ووقوفها الصارم ضد حرب الإبادة والتهجير القسري التي يشنها الكيان الصهيوني على قطاع غزة.
لفهم هذا الاستهداف المباشر للخاصرة الرخوة الإسبانية، يتعين تتبع المسار التصادمي الذي سلكته حكومة بيدرو سانشيز مع المحور الداعم لإسرائيل. لقد غردت إسبانيا، رفقة أيرلندا، خارج السرب الأوروبي المتردد، متخذة مواقف سيادية أزعجت صناع القرار في تل أبيب وواشنطن بشدة.
فقد توجت مدريد مسار دعمها للفلسطينيين بإعلان الحكومة الإسبانية رسميا الموافقة على الاعتراف بدولة فلسطين في 28 ماي 2024، ولم تكتف مدريد بالمواقف الرمزية، بل انخرطت في خطوات عملية عرقلت الآلة العسكرية الإسرائيلية، حيث شرعت منذ ماي 2024 في منع السفن المحملة بالأسلحة من الرسو في موانئها، وبلغ الأمر حد إعلان الحكومة الإسبانية إيقاف سفن تابعة لشركات شحن كبرى مثل “ميرسك” محملة بشحنات عسكرية متجهة لإسرائيل .
هذا التوجه التصعيدي من مدريد اتخذ طابعاً أكثر حدة في شتنبر 2025، عندما أقرت إسبانيا حزمة قرارات جديدة شملت منع السفن التي تحمل الوقود للجيش الإسرائيلي من دخول موانئها، وإغلاق المجال الجوي أمام الطائرات المحملة بالسلاح لإسرائيل.
هذا الحظر الفعلي لاستخدام البنية التحتية الإسبانية لصالح التحالف الصهيو-أمريكي جعل من مدريد “دولة مارقة” في نظر هذا التحالف، مما استوجب تفعيل أدوات الردع المتاحة.
في ذروة الأزمة الحدودية لسبتة ومليلية، التقطت أطراف إسرائيلية اللحظة لتوجيه رسائل سياسية واضحة لا تخلو من شماتة، مما يزكي فرضية التنسيق أو على الأقل “الاستثمار في الأزمة”.
ففي 30 يوليوز 2026، ومع تصاعد التوتر الحدودي، نشر المندوب الإسرائيلي الدائم لدى الأمم المتحدة، داني دانون، تدوينة على منصة “إكس” يهاجم فيها إسبانيا لأنها “لا تفوت فرصة لإلقاء الدروس على إسرائيل”، مطالبا إياها بتقديم تفسير للعالم حول أسباب استمرارها في احتفاظها بـ”جيوب استعمارية في إفريقيا”.
وفي تناغم مع هذا الخطاب، وجه وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، رسالة تهكمية لرئيس الحكومة بيدرو سانشيز، “مهنئا” إياه على إيمانه بالتنوع، وداعياً إياه لفتح أبواب إسبانيا لاستقبال سكان غزة الراغبين في الهجرة.
ورغم محاولة رئيسة البعثة الإسرائيلية في مدريد، دانا إرليخ، التبرؤ الدبلوماسي من تصريحات دانون، إلا أن السردية الداعمة للمغرب أخذت مساحة واسعة في الإعلام الإسرائيلي، حيث تنامت الأصوات المنادية بضرورة أن يُدار مضيق جبل طارق ذو الأهمية الاستراتيجية البالغة من قبل “أطراف قريبة من سياستنا الجيوسياسية”، وليس من قبل حكومة تناصب إسرائيل العداء.
الضلع الثالث والأكثر ثقلا في هذه المعادلة هو الولايات المتحدة الأمريكية، التي أظهرت مؤسساتها وشخصياتها الوازنة انحيازاً غير مسبوق للموقف المغربي بخصوص المدينتين، كجزء من عملية تطويق إسبانيا.
الحدث الأبرز في هذا السياق كان صدور تقرير لجنة الاعتمادات في مجلس النواب الأمريكي في 30 أبريل 2026، بتوجيه من النائب الجمهوري ماريو دياز-بالارت. فقد تضمنت الصفحة 88 من التقرير سابقة سياسية تتمثل في الإشارة إلى أن مدينتي سبتة ومليلية تقعان في الأراضي المغربية رغم خضوعهما للإدارة الإسبانية، مع الدعوة لفتح مفاوضات دبلوماسية لحسم مستقبلهما.
وعلى الرغم من أن هذا النص جاء في تقرير مرفق ولم يدرج في صلب القانون الذي صودق عليه في منتصف يوليوز 2026، إلا أنه شكل جرس إنذار حقيقي لمدريد بشأن التحولات في العقيدة المؤسساتية الأمريكية.
هذا التطور التشريعي رافقه تصعيد سياسي مباشر قاده دونالد ترامب، الذي وضع إسبانيا تحت مجهر الانتقاد المستمر، فخلال قمة الناتو في صيف 2025، هدد ترامب إسبانيا بتداعيات تجارية قاسية بسبب رفضها رفع إنفاقها الدفاعي إلى 5% لدعم المجهود الحربي، متهما إياها بأنها “تدفع القليل جداً”.
لكن الرسالة الأكثر ترويعاً لمدريد جاءت في 2 يوليوز 2026، حين عاد ترامب للهجوم، واصفاً إسبانيا بعضو الناتو الذي “لا يتصرف بشكل جيد”، وقد استحضر ترامب بذكاء خبيث التاريخ الإمبريالي والانكسارات الإسبانية، مشيرا إلى جزر الفلبين وكوبا وبورتوريكو كأراض فقدتها إسبانيا لصالح أمريكا، وهو ما قرأه الخبراء كتهديد مبطن لا تخطئه العين بأن سبتة ومليلية قد تلقيان نفس المصير.
إن هذا التقاطع المثير للانتباه لا يبدو وليد صدفة الأزمة الحالية، بل هو تتويج لمسار من البناء السردي والسياسي. فبذور هذه الاستراتيجية يمكن تلمسها منذ عام 2019 عندما دعا يائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي، العرب لـ”تحرير” المدينتين، ونشره لخريطة تعتبرهما أراضي عربية محتلة.
ومع تبلور الموقف الإسباني المناهض لإسرائيل لاحقاً، انتقلت السردية إلى مراكز الأبحاث، حيث دعا الباحث الأمريكي بمعهد (American Enterprise Institute) مايكل روبين، في مارس 2026، صراحة إلى ضرورة قيام المغرب بـ”مسيرة خضراء جديدة” نحو المدينتين لتعبئة المدنيين. وواكب ذلك تنظير مكثف في مقالات لمنتدى الشرق الأوسط وصحف مثل “تايمز أوف إسرائيل” طيلة ربيع 2026، تدعو لإنشاء مراكز استطلاع بحري مشتركة وتعزيز الموقف المغربي حصراً كجزء من إعادة ترتيب التحالفات.
ولا يمكن فصل الطوفان البشري على حدود المدينتين المحتلتين عن هندسة الضغط الجيوسياسي الذي تقوده أطراف متعددة، ثمة تناغم واضح وتقاطع مصالح دقيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل والمغرب، وجد في أزمة الهجرة المفتعلة أداة فعالة لتصفية الحسابات مع إسبانيا.
لقد أدركت مدريد متأخرة أن فاتورة اصطفافها الأخلاقي والسياسي لجانب غزة، وتجرؤها على تعطيل سلاسل الإمداد العسكري للتحالف الغربي، ستدفعها نقداً من رصيد أمنها القومي واستقرار حدودها، في مشهد يؤكد أن جغرافيا المضيق باتت مسرحاً بديلاً لصراعات الشرق الأوسط.








التعليقات
0 تعليق