تقرير – ياسر الرقاص
في مشهد يعكس حالة الاستقطاب الحاد التي تسيطر على أروقة المجتمع الدولي، اكتفى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة باعتماد مقاربة “الحد الأدنى” في تعاطيه مع الأزمة السودانية المشتعلة.
فقد أقر المجلس، بإجماع أعضائه، قرارا يقضي بتمديد “تقني” لولاية لجنة الخبراء المعنية بمراقبة العقوبات المفروضة على السودان، وهي العقوبات التي تظل محصورة جغرافيا وسياسيا في نطاق النزاع التاريخي في إقليم دارفور.
غير أن هذا الإجماع الظاهري على التمديد الإجرائي يخفي وراءه انقساما جوهريا وتباينا عميقا في مواقف الدول الأعضاء حول الخطوة الأهم والأكثر إلحاحاً: توسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل كامل التراب السوداني، أو الركون إلى خيار الإبقاء على الوضع الراهن الذي يثبت يوماً بعد يوم قصوره عن مواكبة الديناميات الكارثية للحرب الحالية.
جوهر القرار الأممي وخلفيات التصويت
في صدارة المشهد الدبلوماسي، جاء القرار الأممي ليمنح لجنة الخبراء وقتا إضافيا لمواصلة مهامها الرقابية، وهو إجراء روتيني تتخذه المنظمة الدولية لتفادي الفراغ القانوني والرقابي عندما تتعثر المفاوضات حول التعديلات الجوهرية.
إلا أن الفشل في تمرير قرار يحظر تصدير السلاح إلى كامل السودان يمثل النقطة المركزية في هذا الحدث. فقد اصطدمت المساعي الرامية إلى خنق خطوط الإمداد العسكري بطرفي النزاع (الجيش السوداني وقوات الدعم السريع) بحائط من التوازنات الجيوسياسية المتباينة.
وتشير القراءة المتأنية في كواليس نيويورك إلى أن الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، تميل إلى فرض طوق شامل يمنع تدفق العتاد العسكري إلى كامل البلاد، في محاولة للحد من القدرات القتالية وتقليل الخسائر في صفوف المدنيين.
في المقابل، تبرز جبهة أخرى تقودها روسيا والصين، وتدعمها غالباً بعض الدول الإفريقية، تتحفظ بشدة على توسيع الحظر، وتستند هذه الجبهة إلى مبدأ احترام “السيادة الوطنية”، معتبرة أن توسيع الحظر قد يُفهم على أنه مساواة بين الجيش الوطني الرسمي، الذي يمتلك حقا سياديا في التسليح للدفاع عن مؤسسات الدولة، وبين التشكيلات شبه العسكرية والميليشيات المتمردة.
هذا التباين جعل من خيار “الإبقاء على الوضع الراهن” المخرج الوحيد المتاح لتجنب استخدام حق النقض (الفيتو) وانهيار المنظومة الرقابية برمتها.
تقادم القرار 1591 في مواجهة حرب وطنية شاملة
لفهم حجم القصور في الخطوة الأممية الأخيرة، يجب العودة إلى جذور منظومة العقوبات. فقد أُسست هذه الآلية بموجب القرار 1591 الصادر في عام 2005، والذي فرض حظرا على توريد الأسلحة والمعدات العسكرية إلى الأطراف المتحاربة في إقليم دارفور حصرا، استجابة للمذابح والانتهاكات الجسيمة التي شهدها الإقليم آنذاك.
كما تم تشكيل لجنة الخبراء لرصد أي خروقات لهذا الحظر ورفع تقارير دورية إلى مجلس الأمن، لكن المعادلة الميدانية اليوم اختلفت جذريا. الحرب التي اندلعت في منتصف أبريل من العام الماضي لم تعد نزاعا معزولا في الهامش الغربي للبلاد، بل هي حرب مدمرة اجتاحت العاصمة الخرطوم، وتمددت نحو ولايات الجزيرة وسنار وكردفان، وضربت البنية التحتية القومية في مقتل.
وفي هذا السياق، يصبح الإبقاء على حظر تسليح محصور في دارفور ضرباً من العبث الاستراتيجي؛ فالأسلحة التي تتدفق اليوم عبر الموانئ والحدود المفتوحة والجسور الجوية الإقليمية، تصل إلى مختلف جبهات القتال في الوسط والشرق، وتستخدم لاحقا لإدامة دوامة العنف في دارفور نفسها.
إن حصر الرقابة في بقعة جغرافية واحدة بينما البلاد بأكملها تشتعل، يشبه محاولة إطفاء حريق غابة هائل برشاش ماء صغير.
الكلفة الإنسانية لتردد المجتمع الدولي
ينعكس هذا الشلل الدبلوماسي بشكل مباشر ومأساوي على الأرض. ففي ظل غياب قرار أممي ملزم وحازم يمنع تصدير السلاح إلى السودان بأكمله، تستمر الأطراف الخارجية المتدخلة في تغذية آلة الحرب دون رادع قانوني قوي.
التقارير الاستخباراتية والصحفية المستقلة وثقت مراراً عمليات إنزال جوي وتهريب بري لأسلحة نوعية، تشمل طائرات مسيرة انتحارية، ومدرعات متطورة، وأنظمة اتصال حديثة، تصل تباعاً إلى أيدي المتقاتلين.
هذا التدفق الحر للسلاح يحول دون نضوب الموارد اللوجستية، مما يشجع طرفي الصراع على التمادي في الخيار العسكري ورفض العودة الجادة إلى طاولة المفاوضات، سواء في منبر جدة أو غيره من المبادرات الإقليمية.
والنتيجة المباشرة لهذا التعنت هي تعميق أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، حيث اضطر الملايين لترك منازلهم، فضلاً عن شبح المجاعة الذي بات يهدد أجزاء واسعة من البلاد، وانهيار شبه كامل للمنظومة الصحية والخدمية.
لجنة الخبراء.. عين تراقب في حقل ألغام
من جهة أخرى، يضع هذا التمديد التقني لجنة الخبراء في موقف بالغ التعقيد. فرغم أهمية الدور الذي تلعبه اللجنة في توثيق الانتهاكات ورصد شبكات التمويل والتسليح المعقدة التي تغذي صراع دارفور، إلا أن تفويضها المحدود يجعل تقاريرها بمثابة تشخيص منقوص للأزمة.
الخبراء يدركون تماما أن مصادر التسليح باتت مرتبطة بشبكات عابرة للحدود والولايات السودانية، وأن فصل مسرح عمليات دارفور عن المشهد الوطني السوداني بات مستحيلاً من الناحية العملياتية.
تمديد ولاية اللجنة يضمن استمرار تدفق المعلومات الاستخباراتية الموثقة إلى أروقة مجلس الأمن، وهو أمر حيوي للحفاظ على الحد الأدنى من المساءلة وتوثيق جرائم الحرب المحتملة. لكنه يظل في النهاية إجراءً مسكناً لا يعالج أصل الداء.
أفق مسدود وتساؤلات معلقة
إن ما حدث في مجلس الأمن لا يعد إنجازا دبلوماسيا بقدر ما هو إعلان عن العجز في التوصل إلى مقاربة شاملة لإنقاذ السودان، التباين في المواقف بين توسيع الحظر أو الإبقاء على الوضع الراهن يعكس أزمة أعمق في النظام الدولي المنوط به حفظ السلم والأمن.
فبينما تتخندق القوى الكبرى خلف مصالحها الجيوسياسية وتفسيراتها المتباينة للقانون الدولي ومفاهيم السيادة، يدفع المدنيون السودانيون ثمن هذا التردد من دمائهم وأمنهم ومستقبل بلادهم. ويبقى السؤال معلقا.. كم من الوقت والدماء يحتاج المجتمع الدولي ليدرك أن المقاربات المجتزأة لم تعد صالحة لإطفاء حرائق الأوطان المشتعلة بأكملها؟








التعليقات
0 تعليق