ياسر الرقاص
في تحول براغماتي لافت قد يعيد رسم مسار الصراع الأكبر في القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، ألقى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بحجر ثقيل في بركة الدبلوماسية الدولية الراكدة، بإعلانه الاستعداد المبدئي للجلوس إلى طاولة حوار مباشر مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وذلك على هامش القمة المرتقبة لمجموعة العشرين (G20).
هذا الإعلان المفاجئ يمثل انحرافا حادا عن العقيدة السياسية التي تبنتها كييف طيلة السنوات الماضية، والتي توجت سابقا بمرسوم رئاسي في خريف عام 2022 يحظر قانونيا أي تفاوض مباشر مع سيد الكرملين.
تأتي هذه الخطوة لتفتح نافذة أمل حذرة لإنهاء حرب استنزاف طاحنة أرهقت الاقتصاد العالمي، واستنزفت الترسانات العسكرية، وأعادت تشكيل التحالفات الجيوسياسية على أسس جديدة.
يقرأ هذا التراجع التكتيكي عن “اللاءات الأوكرانية” السابقة كاستجابة حتمية لمجموعة من المتغيرات الميدانية والسياسية المعقدة، فبعد مرور سنوات من القتال الضاري الذي تحول إلى حرب خنادق ومدفعية بطيئة الإيقاع، بات جليا أن الحسم العسكري المطلق لطرف على حساب الآخر أصبح خياراً بالغ الصعوبة، ومكلفا بشريا وماديا بدرجة لا يمكن استدامتها.
الجمود الميداني على جبهات القتال الطويلة في شرق وجنوب أوكرانيا، ترافق مع إدراك متزايد في أروقة صنع القرار في كييف بأن نافذة الدعم المفتوح من الحلفاء الغربيين قد لا تظل مشرعة إلى الأبد، خاصة مع التغيرات السياسية الداخلية في عواصم القرار الغربي، وتنامي ظاهرة “الإرهاق من الحرب” لدى دافعي الضرائب في الولايات المتحدة وأوروبا.
اختيار مظلة “مجموعة العشرين” كمنصة محتملة لهذا اللقاء التاريخي يحمل دلالات استراتيجية عميقة. فهذا المنتدى العالمي لا يقتصر على الحلفاء الغربيين الداعمين لكييف (مجموعة السبع)، بل يضم أقطاب “الجنوب العالمي” وقوى فاعلة في مجموعة “بريكس” مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا.
هذه الدول، التي احتفظت بعلاقات اقتصادية وتجارية وثيقة مع موسكو ورفضت الانخراط في نظام العقوبات الغربي، طالما مارست ضغوطاً هادئة ومستمرة على كلا الطرفين للجلوس إلى طاولة المفاوضات، من خلال إبداء مرونته للالتقاء ببوتين في هذا المحفل بالذات، يسحب زيلينسكي ورقة “التعنت” من يد الدبلوماسية الروسية، ويوجه رسالة للجنوب العالمي مفادها أن أوكرانيا ليست مجرد آلة حرب مدعومة غربيا، بل هي دولة تبحث عن سلام عادل ومستدام، مما يضع الكرة الآن بوضوح في ملعب الكرملين.
تطرح هذه المبادرة تساؤلات جوهرية حول أجندة اللقاء المحتمل والملفات الشائكة التي يمكن أن توضع على طاولة النقاش المباشر. في حال انعقاد هذا الاجتماع، من المتوقع أن تتركز المفاوضات حول قضايا محورية تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار
تجميد خطوط التماس والسيادة الترابية إذ يمثل هذا الملف العقدة الكأداء في أي مفاوضات، فبينما تصر كييف على انسحاب القوات الروسية واستعادة سيادتها، تعتبر موسكو الأراضي التي ضمتها واقعاً جيوسياسيا جديدا غير قابل للتفاوض، مما قد يدفع نحو سيناريوهات مشابهة للنموذج الكوري (هدنة طويلة الأمد دون اعتراف رسمي بالحدود).
الهندسة الأمنية والحياد الاستراتيجي و ستحتل مسألة طموحات أوكرانيا في الانضمام لحلف الناتو حيزاً كبيراً، مقابل سعي موسكو لفرض وضع الحياد العسكري على جارتها الغربية، وهو ما سيتطلب صياغة منظومة ضمانات أمنية دولية معقدة لحماية كييف مستقبلاً.
الأمن النووي والبنية التحتية و تحييد التهديد باستخدام الأسلحة التكتيكية النووية، وضمان سلامة محطات الطاقة الكبرى، وعلى رأسها محطة زاباروجيا، كخطوة أولية لبناء الحد الأدنى من الثقة المفقودة.
الاقتصاد العالمي وحرية الملاحة ومناقشة استقرار سلاسل الإمداد الغذائي عبر البحر الأسود، ورفع بعض القيود الاقتصادية التي أثرت بشكل مباشر على أمن الطاقة العالمي ومعدلات التضخم في دول مجموعة العشرين.
وعلى الجانب الآخر، يضع هذا الإعلان القيادة الروسية أمام معضلة دبلوماسية ولوجستية معقدة. فمشاركة الرئيس فلاديمير بوتين شخصياً في قمة مجموعة العشرين تصطدم بعقبة قانونية دولية تتمثل في مذكرة التوقيف الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية.
هذا الوضع يطرح تساؤلات حول قدرة الدولة المضيفة للقمة على توفير الحصانة الدبلوماسية الكافية لضمان حضور بوتين دون التعرض لضغوط قانونية دولية، وهو ما تسبب سابقاً في غيابه عن قمم دولية كبرى، واكتفائه بالمشاركة عبر تقنية الاتصال المرئي.
إذا اختار بوتين الحضور، فإن ذلك سيعني رغبة روسية جادة في كسر العزلة الدبلوماسية وفتح قنوات الاتصال المباشر، أما في حال رفضه، فإن زيلينسكي سيكون قد حقق انتصاراً دبلوماسياً بتصوير موسكو كعقبة وحيدة أمام السلام.
وتاريخيا، علمنا الصراع الروسي الأوكراني أن الاختراقات الدبلوماسية نادرة وسرعان ما تتبخر تحت وطأة الوقائع الميدانية، فقد سبق وشهدت مدينة إسطنبول التركية في ربيع العام 2022 جولات تفاوضية واعدة، سرعان ما انهارت مع تصاعد وتيرة المعارك واكتشاف حجم الخسائر المدنية. غير أن السياق الحالي يختلف جذريا؛ فالاستنزاف طال الطرفين، والتداعيات الاقتصادية باتت تهدد شركاء موسكو وداعمي كييف على حد سواء.
ولا يعني إبداء زيلينسكي الاستعداد للقاء بوتين أن السلام بات قاب قوسين أو أدنى، بل هو إقرار براغماتي بأن الحل العسكري الخالص قد استنفد أغراضه، وأن مسار الحسم الحقيقي يجب أن يمر عبر دهاليز الدبلوماسية.
وتعد هذه الخطوة الأولى والمحفوفة بالمخاطر على طريق طويل وملغم، إلحاحا ومطلبا من كلا الزعيمين على رأها تقديم تنازلات مؤلمة لا تحظى بشعبية داخلية، لكنها قد تكون الثمن الوحيد الممكن لإنقاذ ما تبقى من استقرار في نظام عالمي يقف على حافة الهاوية.








التعليقات
0 تعليق