السفيرة كوساك تكتب عن “الشراكة الخضراء” بين المغرب والاتحاد الأوروبي

الشراكة الخضراء بين المغرب والاتحاد الأوروبي.. كيف تتحوّل التحديات إلى فرص؟

كان لأزمة الطاقة العالمية عظيم الأثر علينا جميعا؛ لكن كان لها أيضا أثر إيجابي يتمثل في تعزيز جهود الانتقال نحو الطاقات المتجددة ونحو أساليب إنتاج وأنماط عيش أكثر استدامة. وبالنظر إلى تنامي مخاطر الظواهر المناخية القصوى، أضحت الاستدامة البيئية رهانا أساسيا يستدعي منا إعادة النظر بشكل عميق في نموذجنا الاقتصادي؛ فالأمر يتعلق لا أقل ولا أكثر بحماية الكوكب الذي نعيش فيه.

وينوي الاتحاد الأوروبي رفع هذا التحدي من خلال الاتفاق الأخضر، الذي اعتمده سنة 2019 والذي يلتزم من خلاله مع دوله الأعضاء بتحقيق هدف مركزي يتمثل في خفض انبعاثات غازات الدفيئة إلى أقل من 55 في المائة بحلول سنة 2030 وبلوغ مرحلة تحييد الكربون بحلول سنة 2050.

يتطلب هذا الرهان جهودا كبيرة وتعاونا وثيقا مع شركائنا. ولهذه الغاية، يعمل المغرب، منذ سنة 2009، بصفته شريكا متميزا للاتحاد الأوروبي، على تحقيق أهداف طموحة في مجال المناخ تجعله رائدا على المستوى الإقليمي وما فوق الإقليمي. فمن بين رهانات النموذج الاقتصادي الجديد أن يكون المغرب قطبا إقليميا في مجال الطاقة منخفضة الكربون.

إن الالتزام السياسي للمغرب من أجل نمو أخضر يعني تغييرا في النموذج الاقتصادي. وعلى الرغم من أن هذا التحول ستترتب عليه بعض الإكراهات، فإنه سيخلق في المقابل فرصا ستعزز قدرة المغرب على المنافسة وعلى جلب الاستثمارات؛ بما فيها الاستثمارات الخارجية.

القطار انطلق في أكتوبر 2022 حيث وقّع كل الاتحاد الأوروبي والمغرب الشراكة الخضراء، الأولى من نوعها في العالم. لقد حددنا معا أولويات النهوض بالتحول الأخضر في قطاعات الطاقة والصناعة والاقتصاد الدائري. هذا الالتزام الجديد يجسد روح “الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي من أجل ازدهار مشترك”؛ لأننا، من جهة، نلتقي على هدف واحد ألا وهو تحقيق اقتصاد منخفض الكربون وقادر على الصمود. ومن جهة ثانية لأننا نعتبر اليوم أن التحول الأخضر مفتاح الازدهار.

خلال هذا الأسبوع، يزور المغرب وفد من المفوضية الأوروبية لتبادل الآراء مع الحكومة المغربية والقطاع الخاص والمجتمع المدني بشأن رهانات الشراكة الخضراء والفرص التي تتيحها.

ومن خلال البرامج المختلفة للاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء والمؤسسات المالية الأوروبية، ندعم المشاريع الاستثمارية في مجالات الطاقة النظيفة والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، وسنكتفي بذكر مشروعين رائدين في هذا المجال ألا وهما المحطة الشمسية بورززات والمحطة الريحية بميدلت. كما يدعم الاتحاد الأوروبي استثمارات مستدامة تروم خفض الكربون في قطاعات الصناعة والنقل وغيرها من القطاعات التي تحدث مناصب شغل صديقة للبيئة.

هنا يأتي الدور المحوري للقطاع الخاص. في هذا السياق، يصاحب الاتحاد الأوروبي المقاولات المغربية، وخاصة منها المقاولات الصغرى والمتوسطة، لخفض الكربون من خلال منح قروض للمقاولات الصديقة للبيئة. كما أطلقنا مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب دليلا حول خفض الكربون يزخر بمعلومات عملية لفائدة الفاعلين الاقتصاديين.

ومن خلال هذه الرؤية الطموحة، يتموقع المغرب في سوق أوروبية يزداد طلبها على المنتوجات الخضراء. من هذا المنظور كذلك، تندرج آلية ضبط الكربون في الحدود (CBAM) وقوانين الاتحاد الأوروبي الخاصة بتصميم المنتجات وتعبئتها. كل هذه المبادرات تمثل استجابة لحالة الطوارئ المناخية التي نعيشها، والهدف من ذلك هو مواصلة خفض الكربون في الاقتصاد وتغيير أساليب الإنتاج والتخفيف من مخاطر انبعاث الكربون. فالمقاولات الملوثة لم يعد لها مكان في أوروبا؛ لكن لا نريد أن تخرج هذه المقاولات من الباب لتدخل من النافذة، ولا نريد أن تستمر في تلويث البيئة في بلداننا وفي البلدان الشريكة!

فالأمر، إذن، يتعلق بتعزيز هذه الآلية لخفض انبعاثات الكربون في القطاع الصناعي وخاصة في القطاعات الأكثر تلويثا مثل قطاعات الإسمنت والصلب والفوسفاط، وعلى هذه الآلية كذلك أن تكون فعالة ومثمرة سواء داخل حدودنا أو خارجها.

إن المغرب مؤهل للعمل بشكل استباقي في هذا المجال؛ فالأشغال الحالية لمساعدة المقاولات على تقييم التوازن الكربوني تمثل مرحلة جد مهمة، والأوراش التي أطلقها المغرب في مجال الطاقات المتجددة وتنمية الصناعات الخضراء تضعه في الطريق الصحيح. وهناك آليات أخرى يمكن أن تكمل بشكل مفيد هذا المسار؛ أولاها وضع نظام لتعرفة الكربون على المستوى الوطني كما هو جار في مناطق أخرى عديدة من العالم. وستمكن هذه المبادرة من تسريع وتيرة خفض الكربون وتوجيه الموارد نحو التنمية المستدامة.

وإضافة إلى خفض الكربون في إطار آلية ضبط الكربون في الحدود، ثمة فرص حقيقية في مجال التنافسية والنمو الاقتصادي وإحداث فرص الشغل. وبصفته قطبا صناعيا أخضر قادرا على المنافسة ومحايد الكربون، فإن المغرب سيؤكد لا محالة دوره الريادي في مجال التحول الأخضر، سواء في المنطقة أو على مستوى القارة الإفريقية. وعلى هذا الأساس، فإن أوروبا تريد العمل مع المملكة في هذا الاتجاه.

علاوة على ذلك، سيمكن تكامل الأسواق الطاقية وتوفير مناخ الأعمال المناسب من جلب المستثمرين الأوروبيين المهتمين بالسوق المغربية التي تسير في تطور مستمر، خاصة في مجال الهيدروجين الأخضر.

هناك نقطة أخيرة مهمة: يجب أن نحرص على أن يتم هذا التحول الأخضر على نحو عادل وشامل. يجب أن يكون عادلا من خلال إحداث فرص شغل لائقة، ويجب تدبير هذا الأثر الاجتماعي على نحو يحمي الفئات الأكثر هشاشة، كما يجب أن يستفيد الجميع وبشكل عادل من المزايا السوسيواقتصادية للتحول الأخضر.

التجربة الحديثة لخفض استهلاك الكهرباء عند الأسر، والتي انخرط فيها بشكل طوعي 8 ملايين مغربي ومغربية، مثال يعكس الوعي المتزايد للمجتمعات بالرهانات والفرص المرتبطة بالتحول الأخضر. ففي نهاية المطاف، هذا عمل نقوم به من أجلنا ومن أجل الأجيال المقبلة.

(*) سفيرة الاتحاد الأوروبي في المغرب

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى