خطابات الأحزاب السياسية الجزائرية تنبطح لنظام العسكر وتُنفر الاستثمار الأجنبي

إن المتأمل في خطاب بعض الأحزاب السياسية الجزائرية التي تركز بصورة مبالغ فيها على عنصري الأمن والاستقرار، وتعيد اجترار الخطاب الرسمي الذي لا يتوانى في اعتبار “الجزائر مهددة في استقرارها ومن أقرب الجيران”، سيظن للوهلة الأولى أن “ألوية عسكرية وأساطيل من الدبابات تقف على الحدود الجزائرية منتظرة الأوامر بالهجوم”.

مناسبة هذا القول، إعلان 30 حزبا ومنظمة وشخصيات جزائرية، الأحد، في بيان، عن إطلاق ما أسمته “المبادرة الوطنية لتعزيز التلاحم وتأمين المستقبل وتحصين الجبهة الداخلية”، لمواجهة ما وصفته بـ”التهديدات والمخاطر التي تحيط بالجزائر في فضائها الإقليمي والدولي”.

البيان يأتي مباشرة بعد ترويج بعض الصحف المحسوبة على النظام مزاعم “وجود خطة مغربية إسرائيلية فرنسية لخلق مشاكل أمنية في أربع ولايات جزائرية”، في حين يرى محللون أن الأحزاب والهيئات السياسية في الجزائر تخلت عن أدوارها المتمثلة في تأطير المواطنين والتداول في آليات تقاسم السلطة وتدبير الشأن العام، وجعلت من “التهديدات الخارجية” برنامجا سياسيا وحالة مزمنة تحكم خطابها وفعلها السياسي، وهي الحالة التي تشتد أعراضها مع اقتراب موعد كل استحقاق انتخابي في الجزائر.

على صعيد آخر، يرى متتبعون للشأن الجزائري أن مثل هذه الخطابات تتنافى والبرامج الحكومية التي تسعى لجذب الاستثمار الأجنبي إلى البلاد، متسائلين: كيف لمستثمر أجنبي أن يقبل استثمار أمواله في بلد يقول رئيسه وجيشه وحكومته وأحزابه وصحافته إنه مهدد وإن مؤامرات تحاك في الخفاء لزعزعة استقراره؟

انبطاح للنظام وتنفير للمستثمرين

وليد كبير، ناشط سياسي جزائري معارض، قال إن “هذه المبادرة لا تدخل في إطار العنوان الذي وضع لها، بل هي تطبيل وانبطاح تام لهذه الأحزاب للنظام في محاولة لكسب وده وتأييده في الانتخابات الرئاسية المقبلة”.

وأضاف أن “العبارات التي استعملها البيان الصادر عن هذه الأحزاب والهيئات، تؤكد مرة أخرى الانحدار الذي بات يعرفه المشهد السياسي الجزائري عبر ترويج الخطاب نفسه الذي يدعي وجود مؤامرات خارجية تستهدف الجزائر”.

وتابع كبير، في تصريح لجريدة Alhayat 24 الإلكترونية، بأن “أكبر المتآمرين على الجزائر هو النظام الحاكم وأحزابه التي لا هم لها إلا تحقيق مصالحها الضيقة، في غياب تام لأي رؤية استراتيجية لبناء دولة المؤسسات ودولة الحق والقانون”.

وشدد المعارض الجزائري على أن “تكرار هذه الخطابات ينفر المستثمرين الأجانب من الجزائر ويضيع عليها فرصا استثمارية كبيرة، على اعتبار أن الاستقرار السياسي والأمني هو عمود جذب هذه الاستثمارات، في الوقت الذي يؤكد فيه النظام الحاكم ونخبه جهارا نهارا في كل مرة أن الجزائر في خطر”.

فشل رسمي وفكر أحادي

عصام العروسي، مدير مركز منظورات للدراسات الجيو-سياسية والاستراتيجية، قال إن “الإعلان عن هذه المبادرة يكشف فشل الخطاب الرسمي في تجاوز حالة التقوقع والانهزامية التي باتت تعاني منها الدبلوماسية الجزائرية، التي أصبحت تختار من الحلول لتجاوز هذه الوضعية الانفتاح على القضايا الأمنية والعسكرية واللجوء إلى الخطوط الأخرى للدبلوماسية”.

وأضاف العروسي، في تصريح لAlhayat 24، أن “الأحزاب السياسية وبعض هيئات المجتمع المدني التي يفترض فيها أن تعبر عن آراء مخالفة للنخبة السياسية، باتت مفتقدة لاستقلالية قرارها”، مشددا في الوقت ذاته على أن “النظام الجزائري عمل على إنهاك الحراك والمشهد السياسي الجزائريين عبر تدجين خطاب الأحزاب السياسية التي تفتقد للمصداقية وتمثيلية الشعب الجزائري”.

وخلص المتحدث ذاته إلى أن “ما تعيشه الجزائر اليوم هو عسكرة الدولة وتغليف الحياة السياسية بكل ما هو أمني وتخويف الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني من الخطر الخارجي، وهو ما يساهم في تلاشي المعارضة وتعزيز الفكر الأحادي وفتح المجال أمام القرارات السياسية غير المدروسة والعشوائية”.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى