حركة “معا” تبسط خمسة أسباب موضوعية لارتفاع معدل التضخم في المغرب

قالت حركة “معاً” إن موجة التضخم التي يُعاني منها المغاربة منذ أزيد من سنة وجعلتهم غير قادرين على توفير مستلزمات الحياة اليومية هي تمظهر لأزمة بنيوية وراءها خمسة أسباب موضوعية.

وقالت الحركة، في تقرير لها، إن هذه الموجة بدأت بشكل تدريجي مع عودة النشاط الاقتصادي بعد جائحة كورونا وارتفاع الطلب العالمي على المواد الأولية عامة والطاقية خاصة، مما أنتج ارتفاعا في كلفة الإنتاج وارتفاعا في المستوى العام للأسعار.

تفاقمت الموجة التضخمية واتخذ بُعداً أكبر بعد اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية لارتباط أسواق النفط والغاز والغذاء العالمية بالمنتجين المتحاربين، واضطراب سلاسل التسويق إثر فرض العقوبات الغربية على روسيا، كل ذلك ساهم في تشكل الموجة التضخمية الأولى في المغرب والتي يمكن اعتبارها مستوردة.

وأشارت الحركة إلى أن هذه الظروف صادفت موسما فلاحيا جافا وتراجعا للقيمة المضافة لقطاع الفلاحة بالمغرب بما يناهز الثلثين العام الماضي مقارنة بسنة 2021؛ وهو تراجع أدى إلى انخفاض العرض الغذائي، ليتحول التضخم من ظاهرة مستوردة إلى ظاهرة محلية الصنع تتكاثف العديد من العوامل في تشكلها واستمرارها، بل في تقويتها.

وحسب الحركة، فإن أول الأسباب التي ساهمت في تحول التضخم من ظاهرة مستوردة إلى ظاهرة محلية الصنع تتجلى في مُعاناة بنية التسويق المواد الغذائية من ممارسات احتكارية ومضاربات متتالية قدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في تقرير سنة 2021، أنها مسؤولة عن رفع ثمن المنتوج بأكثر من أربعة أضعاف عن ثمن بيع الفلاح.

السبب الثاني يتمثل في بنية التخزين وأسواق الجملة التي تُعتبر إشكالية بنيوية في تسويق الخضر والفواكه، حيث إن 25 في المائة بدون بنية، و60 في المائة منها بنيتها ضعيفة؛ وهو ما يؤدي إلى فقدان 40 في المائة من منتوج بعض المواد.

السبب الثالث يتجلى في خضوع بنية التسعير عبر أسواق الجملة لإضافة ريعية تعادل 7 في المائة من رقم المعاملات دونما موجب مساهمة في الإنتاج أو التسويق، حيث يُجسد الأمر تكملة للصورة القاتمة للبنية الريعية المتحكمة في مفاصل الاقتصاد الوطني.

وأوردت الحركة ضمن السبب الرابع توجه المخطط الفلاحي “المغرب الأخضر” نحو الزراعة التسويقية الموجهة نحو الأسواق الخارجية، إذ على الرغم من الدعم الكبير الذي تم تخصيصه للمخطط فإن نتائجه ظلت محدودة على الفلاحة المعيشية. في المقابل، أدى الاستنزاف الحاد للمقدرات المائية إلى اللجوء إلى موارد أعلى تكلفة كتحلية مياه البحر؛ مما سيؤدي إلى ارتفاع كلفة الإنتاج (ارتفاع ثمن المتر المكعب من الماء من درهمين حاليا إلى 5 دراهم)، واستمرار هذه الموجة التضخمية.

آخر الأسباب وراء الموجة التضخمية تفسره حركة “معاً” بمعاناة القطاع الفلاحي من ضعف الصناعة التحويلية المرتبطة به بحوالي 4 في المائة من إنتاج الخضر والفواكه الموجه نحو الصناعة الغذائية، مما يفقد السوق مقدرة كبيرة على استغلال هامش الضياع المقدر بـ40 في المائة.

الخلاص من التضخم

تقرير الحركة، التي يصفها مؤسسوها بأنها حركة سياسية منبثقة من المجتمع المدني وتتجاوز التعصب الإيديولوجي والتي تهدف إلى التمكين السياسي للمواطن المغربي من خلال جعله الفيصل الأول والأخير في الحقل السياسي اختيارا ودعما ومحاسبة، ذكر أن التضخم كان أحد أهم نقاط قوة المعطيات الماكرو اقتصادية للمغرب بحيث إن معدله لم يتجاوز 2 في المائة منذ 2008 وإلى حدود سنة 2021، قبل أن يرتفع بشكل صاروخي ليبلغ معدل 6.6 في المائة سنة 2022.

وقد بلغ معدل التضخم 8.9 في المائة في شهر يناير 2023، وقفز إلى 10.1 في المائة فبراير 2023 مع ارتفاع أثمان المواد الغذائية بـ18.4 في المائة مقارنة مع السنة الماضية والمواد غير الغذائية بـ3.7 في المائة خلال شهر فبراير.

أمام هذا الوضع لجأ بنك المغرب إلى رفع معدل الفائدة الرئيسي خلال ثلاثة اجتماعات فصلية منذ شتنبر، ليصل السعر إلى 3 في المائة؛ لكن الحركة اعتبرت أن مفعول ذلك على التضخم يبقى ضعيفا لارتباطه بعوامل أخرى.

وحسب الحركة، فإن “التضخم في المغرب صار هيكليا ويعكس اختلالات الخيارات الاستراتيجية السابقة لضمان الأمن الغذائي للمواطنين المغاربة”. كما اعتبرت أن “الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لا تتعدى طابع البهرجة، ومحاولة للتخفيف من ظاهرة عميقة بدت غير قادرة على استيعاب عمقها”.

وأشارت “معاً” إلى أن إصلاح بنية التسويق أولوية في السياسة الغذائية، ولن يستقيم الإصلاح إلا بتغيير النظام الحالي بتجاوز أسواق الجملة المتهالكة وخلق بنيات عصرية تتيح للمنتجين تسويق منتوجاتهم دونما خضوع للوساطات والمضاربات، مما سيتيح وضوح في العرض والطلب ونظام التسعير.

وعلى الرغم من ارتفاع الدعم للأسعار الذي ناهز 2 في المائة من الناتج الداخلي الخام، فإن الحركة أوردت أن “استمرار التشبث بالسياسات التنموية الخاضعة لمنطق التقلبات المناخية يهدر كل هذه الجهود، ويفتح بابا جديدا للاستفادة الريعية للشركات المعنية والفئات غير المستحقة للدعم”.

وفي نظر الحركة، فإن اختيار سياسة حرية التسعير يحتاج مؤسسات موازية تعمل على كبح المضاربات والتوافقات واللوبيات، وأشارت إلى أن مجلس المنافسة من المفروض أن يقوم بهذا الدور؛ لكن “محدودية تأثير تقاريره تجعله مجرد ديكور يُوحي ببنية اقتصادية حرة وتنافسية، ولعل تقرير شركات المحروقات أكبر دليل على الخلاصة المتوصل إليها”.

وذكر التقرير أن “الخلاص من أزمة التضخم يحمل في طياته جرأة سياسية كبيرة من خلال زعزعة البنيات الريعية المستحكمة في الاقتصاد الوطني، والتي تسترزق وتراكم الثروات من جيوب البسطاء، وكل إجراءات خارج هذا التوجه تبقى مجرد محاولة تطهير خارجي لجرح عميق ومتعفن”.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى