هذه أضرار اختفاء الفلاحين الصغار على الأمن الغذائي والاجتماعي بالمغرب‎‎

قال موسى المالكي، أستاذ باحث في الجغرافيا السياسية والقضايا الجيواستراتيجية، إن استقرار الأرياف دعامة قوية وأساسية للأمن الاجتماعي الذي تتمتع به البلاد ككل بمدنها وقراها.

وأبرز المالكي، ضمن مقال توصلت به Alhayat 24، أن الاختفاء التدريجي للفلاحين الصغار من القرى من شأنه أن يحدث فجوة في الأمن الغذائي ويعزز بروز نوع جديد من الاحتكار لهذا القطاع الذي له خصوصيته الاجتماعية وأبعاده الاستراتيجية.

وهذا نص المقال:

خلال السنوات الأخيرة، يسجل المتتبع لواقع الأرياف المغربية تناميا لمخاطر الاختفاء التدريجي للفلاحين الصغار من المشهد (كسابة ومزارعين) وتزايدا لاحتمالات تسجيل “نزوح كتلي” من النشاط الفلاحي (نزوح قطاعي) لهذه الفئة نحو بدائل هشة.

وقد يؤدي هذا السيناريو في حال عدم استباقه بتدخلات حاسمة إلى إفراغ العديد من القرى والبوادي (نزوح مجالي) على المديين المتوسط والبعيد، وتعقيد مشاكل المدن (تدفقات المهاجرين، السكن الصفيحي، الضغط على الخدمات، معدلات البطالة، الهشاشة الاجتماعية وغيرها).

وقد أسهم كل من توالي سنوات الجفاف وتدهور جودة المراعي والغابات وغلاء الأعلاف بمعية مجموعة من العوامل الاجتماعية والثقافية والمضاربات العقارية (التوسع العمراني على حساب الأراضي الفلاحي) في تفاقم الوضع، دون إغفال سلبيات بعض اختيارات السياسة الفلاحية.

ونسجل، خلال الفترة الأخيرة، مؤشرات مقلقة تهم ارتفاع الأسعار؛ فقد شهدت الأسواق المغربية مستويات استثنائية وغير مسبوقة لأسعار الخضروات والفواكه واللحوم البيضاء والحمراء، على الرغم من أن المغرب بلد فلاحي ومصدر للعديد من المنتجات نحو أوروبا وإفريقيا.

إن من شأن تطور منحنى تراجع أعداد الفلاحين الصغار أن يحدث فجوة في الأمن الغذائي، وقد نسقط في نوع جديد من الاحتكار لهذا القطاع الذي له خصوصيته الاجتماعية وأبعاده الاستراتيجية التي لا تسمح بذلك. ولذلك، وجب التأكيد على أن استقرار الأرياف دعامة قوية وأساسية للأمن الاجتماعي الذي تتمتع به البلاد ككل بمدنها وقراها.

إن تجنب هذه المخاطر ممكن، خاصة مع توفر الإرادة السياسية العليا التي عبر عنها الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة حرصا منه على السيادة الغذائية للبلاد. ويستدعي تصحيح المسار تدخلا مستعجلا يتسم بالشمولية والاستدامة ويصحح الاختلالات التي أظهرتها السياسة الفلاحية خلال العقود الأخيرة، خاصة ما يتعلق بتركيزها على الزراعات التسويقية والتصديرية المستنزفة للماء، على حساب المناطق البورية والزراعات المعيشية والفلاحين الصغار التي لم تنل القدر الكافي من الاستثمارات.

إن الفلاحة في المغرب كمقوم من مقومات الدولة تمثل أكثر من مجرد قطاع اقتصادي. لذلك، فهي لا تحتمل حسابات الربح والخسارة؛ مثل غيرها من القطاعات (السياحة أو العقار على سبيل المثال). ويمثل الفلاحون الصغار رمزا من رموز التمسك والتشبث بالأرض والقيم (البلاد)، وذاكرة جماعية غنية بالدرايات المحلية والمهارات الزراعية المتوارثة المهددة بالاندثار.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى