تواجه منظومة البحث العلمي في الولايات المتحدة تحديات هيكلية متصاعدة منذ عودة دونالد ترامب إلى سدة الحكم، حيث أدت سياسات تقليص التمويل وتسريح الكفاءات وإلغاء المنح إلى إثارة قلق واسع حول مستقبل التفوق الأمريكي في مجالات الدفاع والطب والتكنولوجيا.
ورغم بقاء الإنفاق الحكومي عند سقف 200 مليار دولار هذا العام، كشف تحقيق لصحيفة “نيويورك تايمز” عن نزيف حاد في الموارد البشرية داخل المختبرات والمؤسسات العلمية. وفي هذا السياق، حذرت وزارة الدفاع الأمريكية في تقرير صيفي من مخاطر جسيمة على الأمن القومي، مشيرة إلى صعوبة ملء الشواغر الوظيفية في ظل اشتراطات الولاء السياسي للمرشحين الجدد.
وتضررت قطاعات حيوية بشكل مباشر، إذ خسرت وزارة الطاقة أكثر من ألف عالم وفني، بينما حجبت المؤسسة الوطنية للعلوم مبالغ طائلة، وتم تعليق آلاف المنح في معاهد الصحة الوطنية، بما في ذلك أبحاث متعلقة بأمراض مستعصية كالسرطان والزهايمر.
وعزا التحقيق هذه الأزمات إلى ثلاثة توجهات رئيسية لإدارة ترامب، تشمل دور “هيئة الكفاءة الحكومية” بقيادة إيلون ماسك في تقليص النفقات، والضغط الأيديولوجي على الجامعات البحثية، بالإضافة إلى مساعي مدير مكتب الإدارة والميزانية راسل فوت لفرض رقابة سياسية صارمة على أوجه الصرف، رغم أن تدخلات قضائية وتشريعية حدت من تفاقم هذه الإجراءات.
وعلى صعيد آخر، تراجعت طلبات التحاق الطلاب الأجانب ببرامج الدكتوراه في الجامعات الأمريكية الرائدة بنسبة 21 في المائة، وسط حالة من عدم اليقين بخصوص التمويل الفيدرالي، وهو ما دفع الجامعات إلى تقليص أعداد المقبولين، مما أثر حتى على مجالات استراتيجية مثل الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، بدأت الصين في تقليص الفجوة العلمية مع واشنطن، حيث أظهرت بيانات شركة “كلاريفيت” اقتراب تأثير الأبحاث الصينية من نظيرتها الأمريكية، مع صعود جامعات صينية في التصنيفات الأكاديمية الدولية على حساب مؤسسات عريقة.
وحذرت مارسيا ماكنوت، الرئيسة السابقة للأكاديمية الوطنية للعلوم، من أن هذه التوجهات تحمل مخاطر بعيدة المدى، مؤكدة أن العلم مسعى تراكمي يتطلب استمرارية طويلة، وأن فقدان القدرة على تحقيق الإنجازات العلمية الكبرى قد يكون غير قابل للتعويض.
من جانبها، رفضت إدارة البيت الأبيض هذه الانتقادات، حيث اعتبرت المتحدثة ليز هيوستن أن الإدارة تدشن “عصراً ذهبياً” للعلوم من خلال تحديث المؤسسات، ونفت أن تكون السياسات الحالية معرقلة للتقدم، مشددة على أن الهدف هو دعم الأبحاث القائمة على الجدارة وتوظيف الذكاء الاصطناعي، معتبرة أن مغادرة بعض العلماء كانت طوعية وليست نتيجة قرارات فصل.
وفي ظل هذا المشهد، سارعت دول أخرى لاستغلال الوضع، حيث أطلقت أستراليا برامج لجذب المواهب العالمية، وخصصت كندا مليار دولار لاستقطاب الباحثين، فيما نجحت الصين في استقطاب كفاءات علمية بارزة، بما في ذلك حائزون على جوائز نوبل، لتعزيز أبحاثها في مجالات تقنية استراتيجية.
