هكذا تنعش المنصات الرقمية والبحث عن “البوز” ظاهرة الأخبار الزائفة

مع التطور الكبير الذي يعرفه مجال التواصل، تنتشر الأخبار الزائفة بشكل هائل، ما يجعل الحد منها أمرا بالغ التعقيد، لكن التقليل من خطرها ممكن من خلال تمكين المواطنين من المعلومات التي بحوزة الإدارة والمؤسسات العمومية، وتحرّي المهنيين العاملين في الحقل الإعلامي الحقيقة في الأخبار التي ينشرونها، وتحلّي المواطنين بالحس النقدي الذي يمكّنهم من غربلة ما يصلهم من أخبار وعدم تصديق إلا الصحيح منها.

يشير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في الرأي الذي قدمه حول ظاهرة الأخبار الزائفة إلى أن هذه الظاهرة قديمة جدا، وكانت تستعمل منذ زمن بعيد، ويؤكد ذلك عدد من الأمثلة المتوارثة منذ قرون، من قبيل “الحرب خدعة وجميع الأمور المتعلقة بالحرب تعتمد على الخداع”، و”اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس”.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي انتعشت ظاهرة الأخبار الزائفة بشكل لافت، بينما كان انتشارها في السابق محدودا، نظرا لكون عملية إخبار الجمهور كانت محصورة في كبريات المؤسسات الإعلامية، وكان ولوج القطاع أمرا صعبا، وكانت الجهة التي تنشر الخبر معلومةَ الهوية، وهو المُعطى الذي اندثر مع انتشار مواقع التواصل، حيث أصبح نشر الخبر متاحا للجميع.

وبينما أضحت الأخبار الزائفة خطرا على الثقة في المؤسسات وتهدد الأمن والاستقرار المجتمعي، وتشكل انتهاكا للحياة الخاصة للناس، اعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن نشر الأخبار الزائفة ممارسة تتعارض مع القيم، التي هي ركيزة أساسية في المجتمع تقوم عليها مرجعيته الثقافية والأخلاقية وينبني عليها تماسكه، وتتعارض مع مبادئ جميع الأديان.

الخطر الذي تكتسيه المعلومة المضللة يعكسه انتشارها السريع والواسع، ذلك أنها تنتشر بوتيرة تزيد بستة أضعاف مقارنة بالمعلومات الحقيقية، كما أن التفسيرات التبسيطية التي تصل إلى الناس على متنها، يتم قبولها من طرف المتلقّين بسهولة كبيرة.

وفي تشخيصه لطرق انتشار الأخبار الزائفة، يرى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن المنصات الرقمية تعد عنصرا محفّزا لتفشي هذه الظاهرة، باعتبار أن نموذجها الاقتصادي يقوم على الإشهار عبر الأنترنت، ما يجعلها تبحث عن جذب أكبر عدد ممكن المستعملين، وبعضها يفعل ذلك “مهما كلّف الأمر”، وذلك بهدف خلق الحدث “البوز”، وإبقاء المستعملين أطول فترة ممكنة على اتصال بمواقع التواصل الاجتماعي.

وإذا كان التقليل من خطر الأخبار الزائفة التي يتم تداولها على المنصات الرقمية ممكنا من خلال رصدها وتكذيبها من طرف الجهات المعنية، فإن كسب هذا التحدي يظل صعبا في الشق المتعلق بتتبع المحتوى المتداول على تطبيقات التراسل الفوري الخاصة “Social dark”، حيث يتم تداول المعلومة المضللة بين مجموعات صغيرة من المستعملين قبل أن تتسع دائرة انتشارها.

وتكمن صعوبة تتبّع الأخبار الزائفة على تطبيقات التراسل الفوري الخاصة، بحسب رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي، في كون هذه التطبيقات والمنصات مغلقة، ويقوم المبدأ الذي يؤطر مستعمليها على عدم الاختلاط فيها بالغرباء ممن لم توجه إليهم الدعوة إلى المشاركة في الدردشة، ما يعني استحالة التحقق من المحتوى المتداول فيها.

وإذا كانت محاربة الأخبار الزائفة تقتضي توفر صحافة قوية لديها مصادر ذات مصداقية، فإن الصحافة الوطنية تعتريها مجموعة من النواقص التي تحد من قدرتها على ذلك؛ ففي الوقت الذي تراجعت فيه الصحافة الورقية، وشهدت الصحافة الرقمية تطورا هاما، بحسب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فإن المشهد الإعلامي يعاني من التشتت، حيث لا توجد مجموعة إعلامية كبيرة بالقدر الكافي، إضافة إلى التحدي المتمثل في التكوين المستمر للصحافيين.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى