بوقنطار يستعرض مفاجآت الانتخابات التشريعية ومآلات الحكومة في فرنسا

قال الأكاديمي المغربي الحسن بوقنطار إن “الاستحقاق الانتخابي الفرنسي لم يخلُ من ظواهر سياسية تستحق التأمل من طرف المتابعين للديناميات السياسية التي تشهدها بعض الدول المتميزة بالنقاش والتجاذبات المختلفة”، متسائلا في الوقت ذاته عن “مآل النتائج المترتبة عن هذا الاستحقاق وتداعياته على تشكيل الحكومة”.

وبعدما تطرّق بوقنطار، في مقال له بعنوان “الانتخابات التشريعية الفرنسية.. أية حكومة في الأفق؟”، إلى المفاجآت التي واكبت وأعقبت الانتخابات الفرنسية، أشار إلى أن الرئيس الفرنسي لا يملك هامشا كبيرا للمناورة رغم محاولة بعض أتباعه نكران انتصار اليسار، متسائلا في الوقت ذاته عن “قدرة ماكرون على خلق تحالف مستقر ومنسجم يمكنه من الاستمرار في كرسي الرئاسة حتى نهاية ولايته في سنة 2027”.

نص المقال:

على عكس التوقعات التي كانت تبوئ حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف الرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية التي جرى دورها الثاني الأحد الماضي، فإن النتائج النهائية مكنت تحالف اليسار المعروف بالجبهة الشعبية الجديدة من تصدر تلك الانتخابات، دون أن يعني ذلك توفره على الأغلبية المطلقة التي تمكنه من تشكيل الحكومة؛ وبالتالي تطبيق برنامجه، الذي تضمن مجموعة من الوعود الإصلاحية.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

وبالنسبة للديمقراطيين والمتشبعين بالقيم الإنسانية النبيلة، فإن إخفاق اليمين المتطرف في المشهد السياسي الفرنسي يشكل في حد ذاته مصدر ارتياح، ينضاف إلى الانتصار الساحق الذي حققه الحزب العمالي في بريطانيا، والذي أطاح بحكم المحافظين الذين حكموا إنجلترا طيلة السنوات الماضية.

وفي الواقع، فإن هذا الاستحقاق الانتخابي السابق لأوانه لم يخلُ من ظواهر سياسية تستحق التأمل من طرف المتابعين للديناميات السياسية التي تشهدها بعض الدول المتميزة بالنقاش والتجاذبات المختلفة، وفي السياق نفسه التساؤل عن مآلية النتائج المترتبة عن هذا الاستحقاق وتداعياته خاصة على تشكيل الحكومة التي قد تتم في ظل ما سيسمى من جديد بالتساكن، بينها وبين رئيس الدولة.

أولا: مفاجآت هذا الاقتراع

منذ إعلان نتائج الانتخابات المتعلقة بالبرلمان الأوروبي التي جرت في فرنسا في 9 يونيو الماضي، تسارعت التطورات السياسية مخلفة عددا من المفاجآت.

تتعلق المفاجأة الأولى بقرار الرئيس الفرنسي حل الجمعية الوطنية على إثر النتائج التي حصل عليها اليمين المتطرف في انتخابات البرلمان الأوربي المشار إليها؛ وهو قرار فاجأ الطبقة السياسية برمتها، وبدا وكأنه قرار متفرد يعكس فقط إرادة الرئيس في توجيه اللعبة السياسية، رغم أنه حاول بدون إقناع تبريره بمحاولة وضع حد للغموض الذي بات يسود الحقل السياسي بسبب غياب قوة مالكة للأغلبية المطلقة داخل الجمعية الوطنية؛ وبالتالي دفع الناخب الفرنسي إلى التعبير عن موقفه إزاء الاكتساح اليميني المتطرف.

في الواقع، كان الرئيس الفرنسي يراهن على صحوة الناخب من خلال تصويته لصالح القوى السياسية التي تدعم الرئيس والتي ظلت منذ إعادة انتخابه بدون أغلبية مطلقة؛ لكن هذا الرهان لم يتحقق، حيث إن قوى اليسار، بالرغم من اختلافاتها، فاجأت الجميع بالتكتل داخل ما سمي بالجبهة الشعبية الجديدة، أكثر من ذلك الاتفاق على مرشح واحد، كل ذلك تحت شعار من أجل قطع الطريق على اليمين المتطرف.

كانت نتائج الدور الأول تؤشر على إمكانية حصول اليمين المتطرف على الأغلبية المطلقة؛ وبالتالي إرغام الرئيس الفرنسي على تعيين جوردان بارديلا Bardella، رئيس الحزب، في منصب الوزير الأول، في انتظار الانتخابات الرئاسية التي تستعد لها مارين لوبين، الزعيمة الفعلية لهذا الحزب؛ لكن قرار الجبهة الشعبية الجديدة وكذا تحالف الرئيس ماكرون بسحب المرشحين المنتمين لهما، المرتبين في الدرجة الثالثة، لقطع الطريق أمام اليمين المتطرف، نجحا فعلا في وقف المد اليميني المتطرف الذي اكتفى بالرتبة الثالثة وراء القوتين المذكورتين.

لذلك، يمكن القول إن الرئيس الفرنسي بقراره المتسرع المتعلق بحل الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات سابقة لأوانها لم ينجح في إبراز أغلبية مطلقة ملائمة له؛ بل على العكس من ذلك، وبقطع النظر عن هزيمة اليمين المتطرف، فإنه زاد من بلقنة الجمعية الوطنية التي أصبحت تتأرجح بين ثلاث قوى لا أحد منها يملك الأغلبية المطلقة التي تؤهله للحكم بكل أريحية.

تكمن المفاجأة الثانية في وضعية التجمع الوطني اليميني المتطرف. لقد بنى هذا الحزب استراتيجيتيه على كراهية المهاجرين، واعتبارهم المسؤولين عن الصعوبات التي يعيشها المواطن الفرنسي، علاوة على تمجيد مفهوم السيادة الوطنية، والأفضلية الوطنية. في حمأة الزهو بالتقدم الواضح الذي حققه في الانتخابات الأوروبية، تولد لديه نوع من اليقين بإمكانية حصوله على الأغلبية المطلقة التي تؤهله إلى تشكيل الحكومة المقبلة وتطبيق برنامجه الذي يتضمن مجموعة من الإجراءات موجهة بالدرجة الأولى ضد المهاجرين؛ لكن كما يقال تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. وفعلا، فإن سفينة هذا الحزب العنصري اصطدمت بتحالفات جديدة وبأخطاء تدبيرية جعلتها غير قادرة على الوصول إلى مرفئها حسب مخططها الأصلي.

لكن مع ذلك، ينبغي الإقرار بأن هذا الحزب بالرغم من فشله، فإنه يبقى القوة التي حققت أكبر تقدم، حيث انتقل عدد نوابه داخل الجمعية الوطنية إلى 125 في التشكيلة الحالية، دون احتساب مقاعد حلفائه ليصل العدد النهائي إلى 143 مقعدا. وهذا يعني أن الأفكار اليمينية المتطرفة المشجعة على الكراهية والإقصاء ما زالت تجد التربة الخصبة للانتشار، مستفيدة من الأوضاع السوسيو اقتصادية الصعبة التي يعاني منها عدد من المواطنين، والتي تبدو واضحة على مستوى تزايد الفوارق بين الأغنياء والفقراء، وتراجع القدرة الشرائية بفعل الكثير من العوامل التي يرجعها اليمين المتطرف إلى عجز الحكومات السابقة على مواجهة ما يسميه بتدفقات المهاجرين، والعجز عن تطبيق إجراءات ردعية في مواجهة الهجرة غير الشرعية. ومن ثم، فإن هزيمة اليمين المتطرف ليست نهائية؛ فهو يظل في قاعة الانتظار، يترقب هفوات الأغلبية التي ستتشكل لتدعيم مواقعه في أفق الاستحقاقات المقبلة، وأساسا الانتخابات الرئاسية لسنة 2027.

في هذا السياق، تبرز المفاجأة الثالثة، والمتمثلة في تمكن قوى اليسار من لمّ شملها، والتكتل في إطار ما سمي بالجبهة الشعبية الجديدة، وهي تسمية لا تخلو من رمزية في ذاكرة اليسار الفرنسي.

لكن بناء هذا التكتل لا يلغي التساؤل حول قدرة اليسار بكل مكوناته على تقديم بديل واقعي لمواجهة التحديات، سواء المتمثلة في إخفاق تحالف الرئيس ماكرون في إقناع المواطن الفرنسي بجدوى الاختيارات والقرارات المتخذة طيلة الحقبة السابقة، والتي تم تمريرها رغم الاحتجاجات الكبيرة التي عبر عنها الرأي العام الفرنسي؛ وهي التي كانت من العوامل المساعدة على تنامي قوة اليمين المتطرف وتغلغله داخل شرائح متنوعة من المجتمع الفرنسي.

من الواضح أن اليسار الفرنسي تمكن إلى حد الساعة من تجاوز تناقضاته وتجاذباته من خلال تشكيل جبهة شعبية موحدة، والاتفاق على مرشح واحد، والانسحاب كلما كانت هناك ثلاثية لصالح القوى المناهضة لليمين المتطرف؛ لكنه مع ذلك يبقى تحالفا هشا، تخترقه تناقضات لعل أبرزها الاختلاف الواضح بين ما يسمى بحزب فرنسا الأبية La France insoumise، وباقي مكوناته من اشتراكيين وشيوعيين وخضر. ويتعلق الأمر أساسا بموقع جان لوك ميلانشن Mélenchon الذي يعتبره البعض عنيفا في مواقفه وتدخلاته؛ وبالتالي لا يمكن ترشيحه لرئاسة الحكومة الفرنسية المقبلة، وهو أمر يرفضه أنصار هذا الحزب الذين يعتبرون أنه المؤهل لاقتراح الوزير الأول المقبل بصفته الحاصل على أكبر نسبة من المقاعد داخل تجمع اليسار.

لكن أكثر من ذلك، وبصرف النظر عن هذا الجدل المشخصن، فإن عدم حصول هذا التكتل اليساري على الأغلبية المطلقة يجعله أمام إشكالية مزمنة في النظام الفرنسي، وهي المتمثلة في كيفية تشكيل الحكومة، وضمان الحصول على الثقة والاستمرارية، في ظل أغلبية جد نسبية. ألا يجعلها، حتى في حالة تشكيل حكومة مقبلة في وضعية شبيهة بالواقع المرير الذي عاشته الحكومة السابقة منذ سنة 2022، والتي كانت تفتقد للأغلبية المطلقة، مضطرة إلى استجداء تصويت الآخرين كلما أقدمت على تمرير قانون ما؟

تطرح هذه المعاينة التساؤل الجوهري: كيف ستحكم فرنسا مستقبلا على ضوء النتائج المسجلة؟

ثانيا: مأزق تشكيل الحكومة

لا يملك الرئيس الفرنسي هامشا كبيرا للمناورة رغم محاولة بعض أتباعه نكران انتصار اليسار. فمن الواضح أن ما يسمى بالمحور المركزي Le bloc central، الذي يضم مختلف الأحزاب المساندة للرئيس الحالي، سجل هزيمة واضحة من خلال فقدانه لثمانين مقعدا بالمقارنة مع أغلبيته السابقة التي كانت تتشكل من 250 عضوا داخل الجمعية الوطنية. وكان من الممكن أن تكون الهزيمة أكثر قساوة لولا تخلي مرشحي اليسار الذين رتبوا في المركز الثالث في الدور الأول عن الترشح للدور الثاني.

بعيدا عن الأحكام الدستورية التي تخول الرئيس صلاحية تعيين الوزير الأول، فإن الأعراف السياسية تفرض عليه تعيين شخصية من القوة التي احتلت الرتبة الأولى في الاقتراع، أي في هذه الحالة الجبهة الشعبية الجديدة؛ لكن يبدو أن الرئيس الفرنسي ليس مرتاحا لهذا الاختيار. وربما يفضل بناء تحالف مع القوى اليمينية خارج التجمع الوطني؛ لكن هذا التوجه يبدو إلى حد الساعة صعب التحقق بفعل رفض الجمهوريين لذلك. في الوقت نفسه، فإن التكتل المساند للرئيس بحاجة إلى أكثر من 130 مقعدا إذا أراد تكوين أغلبية مطلقة في الجمعية الوطنية. لذلك، يبدو أن الإبقاء على الوزير الأول الحالي في منصبه يبقى إجراء مؤقتا في انتظار هيكلة البرلمان؛ بما فيه تكوين الفرق وانتخاب الرئاسة والمكتب ورؤساء اللجان، وهي عمليات ستعطي صورة أولية عن نوعية التحالفات المحتملة.

في انتظار ذلك، تبقى الجبهة الشعبية الجديدة أكثر قابلية لتشكيل الحكومة المقبلة، رغم مناورات خصومها .

لكن هذه الأخيرة تواجه تحديات متعددة تتطلب الكثير من الحكمة والابتعاد عن الأنانيات والمصالح الحزبية الضيقة لضمان استمرار وجودها كتكتل: يتعلق الأمر باقتراح شخصية تحظى بالمصداقية والقدرة على توحيد مختلف القوى. وفي هذا السياق، بصرف النظر عن هذا الشخص وذاك، فإن الأساس يكمن في نوعية المنهجية التي سيتم اتباعها لاختيار الشخص المؤهل لذلك.

أكثر من ذلك، فإن تصريحات قادة هذا التكتل كلها تؤكد إلى حد الساعة على مسألتين: ضرورة تطبيق البرنامج الذي تم الإعلان عنه خلال الحملة الانتخابية، والذي يتضمن إجراءات جوهرية، لعل أبرزها التراجع عن سن التقاعد الذي حدد من طرف الأغلبية السابقة في 64 سنة، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 1600 أورو. وثانيا: عدم الدخول في تحالفات غير طبيعية أو هجينة.

لكن ذلك يبدو غير واقعي بالنسبة للكثيرين. فكيف يمكن لهذا التحالف اليساري تطبيق برنامجه بدون أغلبية مطلقة، وبدون انفتاح على قوى أخرى، كما هو الأمر بالنسبة للأغلبية السابقة المساندة للرئيس؟ وإذا كان هناك انفتاح، ما هي شروطه وحدوده؟ وخاصة ما هي مخاطره على هذا التحالف الذي كما أسلفنا، يبقى مسيجا بعدد من الاختلافات؟

صفوة القول، يظهر أن رهان الرئيس الفرنسي الطامح إلى توضيح المشهد السياسي الفرنسي لم يحقق المراد منه؛ بل زاد من ضبابيته. وفي ظل هذا التقاطب الذي يسم الجمعية الوطنية الفرنسية، يثور التساؤل حول قدرته على خلق تحالف مستقر ومنسجم يمكنه من الاستمرار في كرسي الرئاسة حتى نهاية ولايته في سنة 2027. لننتظر ما ستسفر عنه التطورات المقبلة، والإجابات الممكنة لحقل سياسي، يظل أكثر من أي وقت مضى مليئا بالتساؤلات حول نوعية قيادته.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى