جان لوك ميلانشون .. “ابن طنجة” يتصدى لزحف اليمين المتطرف في فرنسا

“فَعَلَها ابن مدينة طنجة”، الزعيم اليساري الفرنسي جان لوك ميلانشون؛ بهكذا عبارات وغيرها اهتم وعلّق بعض النشطاء المغاربة على إعلان تصدر تحالف اليسار “الجبهة الشعبية الجديدة” نتائج الانتخابات التشريعية المبكرة التي كان أطلق مسارها الرئيس الفرنسي ماكرون إثر حل “الجمعية الوطنية” مؤخرا.

وفقاً للنتائج النهائية للانتخابات التشريعية المبكرة التي نشرتها وزارة الداخلية الفرنسية، اليوم الاثنين، فقد تصدّر تحالف اليسار، تحت راية “الجبهة الشعبية الجديدة”، بـ182 مقعداً.

وإلى ميلانشون، ذي الـ72 سنة، يُرجع عديد من المتتبعين للشأن السياسي الفرنسي فضْل إنقاذ الفرنسيين من “مدّ جارف” كاد أن يلقيَ بـ”فرنسا الأنوار” في حضن أقصى أحزاب اليمين الفرنسي تطرّفاً (التجمع الوطني) بزعامة جوردان بارديلا ومارين لوبان.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

زعيم اليسار الراديكالي الفرنسي جان لوك ميلانشون، الذي بدا مزهُوّاً بـ”الفوز-المفاجأة” علّق في أولى خرجاته متفاعلا مع تقديرات أولية للنتائج، مساء الأحد، بأن على رئيس الوزراء “المغادرة”، وأنه ينبغي على الجبهة الشعبية الجديدة، متصدرة الانتخابات التشريعية في فرنسا، التي ينتمي إليها حزبه، أن “تَحكُم”، وفق تعبيره.

ورغم أن أيّاً من التشكيلات السياسية الفرنسية (الثلاث الرئيسية) لن تستطيع تشكيل حكومة بمفردها لعدم الوصول إلى الأغلبية المطلقة (البالغة 289 نائبا)، إلا أن زعيم حزب “فرنسا الأبية” أكد أن “الفرنسيين أطاحوا، بوضوح، بأكثر الحلول سوءً”، في إشارة غير خافية إلى هواجس صعود تيار اليمين المتطرف، عززته نتائج توقعات استطلاعات الرأي قبل ساعات من الاقتراع.

“مغربي الهوى”

قبل أن يصرُخ في وجه اليمين المتطرف الفرنسي وباقي خصومه السياسيين، أطلق ميلانشون صرخته أولى وتنفس نسائم الحياة عام 1951 بمدينة طنجة (التي كانت منطقة دولية وقتَها) في أقصى شمال المملكة المغربية، لينتقل بعدها رفقة عائلته إلى فرنسا عام 1962 بعد أن قضى في عروس الشمال طفولته الأولى.

في آخر زياراته إلى المغرب، بداية شهر أكتوبر 2023، تزامنا مع الهبة التضامنية للمغاربة إبان زلزال الحوز، وزيارته المناطق المتضررة لمواساة سكّانها، بدا ميلونشون مصراً على “إحياء الصخب القديم لليسار”، بتأكيده على قيم التشارك والتعاون التي “مكنت المغرب من إعادة الأمور إلى سابق عهدها بمناطق الأطلس-التي ضربها زلزال ثامن شتنبر الأليم-في وقت قياسي”، قائلا: “تحرُّك الجميع بعد هذه الكارثة هو أمر سحري بالنسبة لي، تضاف إليه مستويات أخرى من التدخل، من السلطات المحلية إلى الدولة. كل هذا يعضّد قناعاتي، ليس فقط في التصورات التي لدي عن أصدقائي المغاربة، ولكن في ما أعتقد أنه من المهم إدخاله في الحضارة الإنسانية: القدرة على التسامح والتعايش”.

ليست إشادة ميلانشون بوحدة المغاربة وتضامنهم خلال محنة “زلزال الأطلس الكبير” هي ما يربطه كوشائج متينة بالمغرب، بل دعوته الدائمة مسؤولي بلاده صانعي القرار في باريس إلى دعم صريح لمغربية الصحراء، خاصة في ظل سياق توتر العلاقات الدبلوماسية في السنوات الثلاث الأخيرة في عهد “فرنسا ماكرون”.

كما دعا زعيم اليسار الفرنسي، خلال تصريحاته من المغرب، بلده فرنسا إلى أن “تطوي صفحة العجرفة والتعالي والنظر إلى الآخرين من البرج العاجي”، بحسب تعبيره.

مسار ومواقف

قبل انشغاله بالسياسة ودروبها، عمل ميلانشون مُدرّسا للغة الفرنسية، ثم اشتغل في ميدان الصحافة، بعد مسار دراسي أكاديمي تُوج بتخرّجه من شعبة “الفلسفة والأدب الحديث”.

من بوابة “الاشتراكيين” وعبر “الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا”، وَلَج ميلانشون خائضا في غمار السياسة قبل أن يكون “أصغر عضو في مجلس الشيوخ في فرنسا” عام 1986. قبل ذلك، كان لزاما عليه أن ينضمّ عام 1977 إلى الحزب الاشتراكي الفرنسي.

سبق له أن شغل، لفترة وجيزة، منصب وزير التعليم في عهد رئيس الوزراء الاشتراكي ليونيل جوسبان، وفق “بي بي سي”، بينما كان عضوا في مجلس النواب في سن 35 عاما، ومُشرّعاً في الاتحاد الأوروبي في عام 2009.

في 2016، أسّس ميلانشون دعائم حزبه الحالي “فرنسا الأبية (أو) غير الخاضعة” قبل الترشح للرئاسة للمرة الثانية في انتخابات 2017، بعد “محاولة أولى” في 2012 حصل فيها على قرابة 11% من الأصوات في الجولة الأولى. آخر محاولاته لأن يصبح رئيساً للفرنسيين بوّأتْه المركز الثالث في انتخابات الرئاسة الفرنسية عام 2022 وراء منافسيْه إيمانويل ماكرون ومارين لوبان، إثر حصوله على حوالي 22% من الأصوات.

ميلانشون القادم من “أقصى اليسار”، ألّف نحو 20 كتاباً، أبرزها كتاب «L’Ere du peuple»، وهو معروف بـ”ودّ كبير” ينبض به قلبه للمغرب ودعمه لمخطط الحكم الذاتي، ومن أشد المدافعين عن اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على صحرائه، فضلا عن ترافعه من أجل “حقوق المسلمين والمهاجرين في الجمهورية”، وهو القائل بعد الفوز في تشريعيات فرنسا الأخيرة: “يجب الاعتراف بدولة فلسطين”.

شهادات

نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، قال: “يتعين علينا، بداية، أن نعبّر عن سعادتنا كحزب يساري بالمغرب بعد فوز تحالف اليسار (الجبهة الشعبية الجديدة) وتصدره لنتائج الانتخابات، مما كذّب جميع استقصاءات الرأي”، واصفاً ما حققه ميلانشون ورفاقُه بأنه “فوز أوّل أساسي أبعَد خطر اليمين المتطرف معيداً لفرنسا دورها وقيمها ومبادئ الجمهورية ومقاربتها لمسألة التنوع السياسي والثقافي وقضايا الهجرة ومحاربة العنصرية”.

ولفت بنعبد الله، في تصريح لAlhayat 24، إلى أن “هذه القضايا جعل منها حزب ميلانشون مسألة أساسية”، منوها بأنه “استند إلى برنامج اجتماعي يساري تقدّمي، عكس ما هو ممارَسٌ من سياسات إزاء الفئات الضعيفة”، كما استشهد بمواقفه المعبّر عنها مرارا منذ بداية الحرب الأخيرة في غزة، “خاصة دعم نضال شعب فلسطين للتحرر والانعتاق”، وزاد معلقا: “هي مواقف جريئة في محيط لم يكن مساعداً على ذلك”.

وأضاف زعيم “حزب الكتاب” في شهادته في حق ميلانشون وتياره السياسي: “انطلاقا من معرفتي به ونقاشاتي معه، يمكن أن نكون مُطْمئنِّين إلى أن الرجل، وفضلا عن الرابط الشخصي الذي يشدّه إلى المغرب ميلاداً ونشأة بطنجة، هناك قناعات يحمِلها تجاه صواب الموقف المغربي لتوطيد سيادته على وحدته الترابية”، مستحضرا في السياق ذاته أن “زيارته إلى المغرب في عز جهود مكافحة تداعيات زلزال الحوز، رسّخت علاقته بالمملكة وشعبها، وهو ما يفيد جدا ليس فقط قضية الصحراء المغربية بل العلاقات المغربية الفرنسية برمتها”.

بدورها، قالت نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، معلقة لجريدة Alhayat 24: “اليوم يرجع حصول الجبهة الشعبية الجديدة في فرنسا على صدارة التشريعيات إلى جهود كبيرة قادتْها حركة فرنسا الأبيّة التي أسسها ويتزعمها قائد سياسي، رجل مثقف حاملٌ لأخلاق رفيعة”.

وتابعت مدلية بشهادتها في حق زعيم “رفاق فرنسا”: “هو شخص بنى أفكاره على الانتصار لإنسانية الإنسان، في عالم يسوده التمييز والحروب والتعصب”، مسجلة أنه “لم يَنس ولادته بطنجة التي منحتْه العالَمية ليجسد الارتباط بالإنسان أينما وُجد وقيم التضامن والانتصار لتحرر الإنسان”.

يتجسد ذلك، بحسب القيادية اليسارية المغربية، في مبدأ “الاشتراكية البيئية (éco-socialisme) الذي شكّل جزءا من أجندة برنامجه الانتخابي ضد اقتصادات مفرطة في الإنتاج بشكل يضر الكوكب والبشر”.

وختمت منيب: “هو إنسان قبل أن يكون سياسياً؛ مجتهد وإنساني يوحّد جهوده من أجل أن يكون الإنسان واحدًا أينما وُجد. يحلم بعالم آخر تسوده قيَمُ العدل والتسامح والتضامن”.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى