السويني: تقديم موعد الاقتراع الرئاسي في الجزائر يبعث بـ”رسائل متناقضة”

يقدم المنتصر السويني، الباحث في العلوم السياسية، قراءة حول الإعلان عن انتخابات رئاسية سابقة لأوانها في الجزائر، مبرزا أن هذا الإجراء، رغم استناده على مضامين اختصاصات الرئيس في دستور البلاد، يستدعي الانتباه بعدما تم الإعلان عن المستجد في ختام اجتماع لم يقتصر على مسؤولين مدنيين وانزاح للتداول في السياسة مع العسكر.

وفي حوار مع جريدة Alhayat 24 الإلكترونية يقلب السويني الأوضاع الجزائرية المرتبطة بالاقتراع الرئاسي الذي تم تقديمه بضعة أسابيع عن موعده الأصلي، منطلقا في ذلك من التشديد على أن الأجهزة الجزائرية، والمؤسسة العسكرية بالأساس، ما زالت تعيش في مرحلة ما بعد استقلال البلاد، وما زالت تخال التواجد في مرحلة الحرب الباردة، وبالتالي تمتلك حقيبة أفكار لا تواكب التطور الذي يشهده العالم.

نص الحوار: باعتبارك باحثا في العلوم السياسية كيف تقيم الإعلان عن انتخابات مسبقة في الجزائر من وجهة نظر دستورية؟

في البداية وجب التأكيد على أن إعلان الرئيس الجزائري عن تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة يدخل في صلب اختصاصاته الدستورية المنصوص عليها في الفقرة 11 من المادة 91 من الدستور الجزائري (يمكن أن يقرر إجراء انتخابات رئاسية مسبقة)، ولكن المتتبع للشأن الجزائري سيلاحظ أن الإعلان عن تنظيم انتخابات رئاسية المسبقة بالجزائر جاء مباشرة بعد اجتماع ترأسه الرئيس الجزائري وعرف حضور كل من الوزير الأول ورئيسي الغرفتين بالبرلمان ورئيس المحكمة الدستورية وكذلك ممثل المؤسسة العسكرية، وهنا يطرح المتتبع للشأن الجزائري السؤال المتعلق بسبب حضور المؤسسة العسكرية لاجتماع مخصص للتداول في الشأن السياسي (خصوصا أن المعروف عن الفعل السياسي أنه يتم من خلال المكشوف ومن داخل الميدان المرأي بالأساس)، والمفروض أن تحضره بالأساس السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وفي أقصى الحالات رئيس المحكمة الدستورية، حتى يتم التأكيد على أن القرار مطابق للدستور الجزائري، إلا إذا كان اللوبي المتحكم في الشأن الجزائري يريد أن يؤكد أن المؤسسة العسكرية الجزائرية ما زالت لاعبا أساسيا في تحديد حاضر ومستقبل الجزائر.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

من جهة أخرى، يطرح هذا الاجتماع السؤال الحرج المتعلق بثنائية التفويض، الذي يمارس من خلاله الرؤساء الجزائريون الحكم، باعتبارهم أولا مفوضين من المؤسسة العسكرية ويتمتعون كذلك بالمشروعية الشعبية، مع التأكيد على أولوية التفويض المستمد من المؤسسة العسكرية على التفويض المستمد من المشروعية الشعبية، مما يثبت أن الإعلان عن انتخابات مسبقة بالجزائر حمل في طياته رسائل متناقضة، من جهة رسالة ديمقراطية من خلال العودة إلى الشعب من أجل البحث عن المشروعية الشعبية، ومن جهة أخرى التأكيد على الحضور القوي للمؤسسة العسكرية باعتبارها المتحكم الفعلي حتى في المواعيد الانتخابية، مما يعني حضور ثنائية الاختيار المتحكم فيه والاختيار الحر. والخلاصة أن الإعلان عن انتخابات رئاسية جزائرية مسبقة رسخ مرة أخرى الديمقراطية على الطريقة الجزائرية أو ما يمكن أن يطلق عليه الاستثناء الجزائري.

في الأخير وجب التوضيح أن الإعلان عن تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة بالجزائر كان القادة الجزائريون يستهدفون من ورائه تسجيل نقاط إيجابية على مستوى الرأي العام الداخلي والخارجي، من خلال التأكيد الفعلي والقوي على انخراطهم وانضمامهم إلى خانة الدول التي تتبنى العولمة الديمقراطية على الطريقة الفرنسية (كما يؤكد مدير دار فرنسا بجامعة أوكسفورد جون كلود فاتين) من خلال اعتماد البنيات السياسية- الإدارية، وفق الدستورانية الفرنسية المعتمدة على التقاليد التي نظر لها رايموند كاري دو مالبيرغ، الذي تكون في المدرسة القانونية الفرنسية بمعهد الدراسات السياسية بباريس، المعروفة بتبنيها السوسيولوجيا الانتخابية المرتبطة بالثورة الفرنسية .

وبالتالي العمل على إيهام الرأي العام الوطني والدولي بأن الجزائر اليوم تحاول أن ترسخ الانتقال من الشرعية الحزبية (الانتماء إلى حزب جبهة التحرير الوطني- انتخاب الرئيس المناضل والرئيس المجاهد) ومن الشرعية العسكرية (الانتماء إلى المؤسسة العسكرية- الرئيس العسكري السابق) إلى المشروعية الانتخابية (الرئيس المرتبط بالمجتمع- الرئيس القادم من صناديق الاقتراع).

لكن طريقة إخراج الإعلان عن إجراء انتخابات رئاسية مسبقة من خلال حضور المؤسسة العسكرية أثبتت للمتتبعين للشأن الجزائري بأن الانخراط في العولمة الديمقراطية على الطريقة الفرنسية تم بعد إخضاع هذه العولمة إلى التعديل من خلال إقرار مرحلة مسبقة مرتبطة بضرورة أن يكون المرشح مرشحا للأجهزة أولا، ومن ثم يبحث عن الشرعنة الشعبية من خلال صناديق الاقتراع ليعود بعد الانتخابات لترسيخ دور الرئيس المطيع للأجهزة (كما يؤكد الباحث في الشأن الجزائري محمد حربي). ويؤكد أستاذ التاريخ بالجامعات الفرنسية عمر كارليي أن هناك ثلاث صور لزعيم الجزائر منذ الاستقلال (الزعيم التاريخي الذي يحكم من العاصمة: بومدين- الزعيم التاريخي الذي يحكم من خلال سياسة القرب: بنبلة- الشخص المعين من طرف الأجهزة). ولكن الديمقراطية على الطريقة الجزائرية تستهدف ترسيخ انتخاب الرئيس للأجهزة.

ووجب التأكيد هنا أن الشخص الأجهزة هو الشخص القادر على اللعب على ثنائية الشخص الشرعية الواقعية (الارتباط الفعلي بالمؤسسة العسكرية باعتبارها الحاكم الفعلي بحكم الواقع في الجزائر)، والشخص القادم من صناديق الاقتراع (الشرعية الشعبية). وهنا يكمن الاستثناء الجزائري.

تشبث المؤسسة العسكرية الجزائرية بنموذج الرئيس الأجهزة غير مرتبط فقط برغبة الأجهزة في الاستمرار في حكم الجزائر من خلف الستار من خلال ما أكده السوسيولوجي الفرنسي ليك بونطاسكي في تفسيره لثنائية الحاكم الرسمي والحاكم غير الرسمي، وثنائية حاكم الواجهة وحاكم الظل، بل كذلك بكون العقل المركزي الجزائري يحمل نظرة دونية للشعب الجزائري من خلال اعتباره تارة متطرفا وطوبويا، وتارة أخرى متأخرا ومعيقا للتقدم (كما يؤكد الباحث الجزائري محمد حربي)، وبالتالي قاصر سياسيا وغير قادر على اختيار حكامه، ويجب أن يقتصر دوره على تأكيد الاختيارات التي تقوم بها المؤسسة العسكرية من خلال التصديق على مرشح الأجهزة.

ماهي في نظرك الأسباب الحقيقية للدعوة إلى انتخابات مسبقة؟

بعيدا عن تفسيرات المنجمين وجب التأكيد أن تسبيق الانتخابات الرئاسية الجزائرية هي لمدة ثلاثة أشهر فقط، وبالتالي هذا سبب ظرفي أكثر منه سبب هيكلي، خصوصا أن الانتخابات في شهر شتنبر أكثر ملاءمة للزمن السياسي والزمن الاقتصادي والزمن المالي. ومن جهة أخرى هو زمن للعطلة، وبالتالي هذه فرصة للرفع من نسبة المشاركة في الانتخابات حتى تفتخر الأجهزة الحاكمة بنسب المشاركة المرتفعة لتسويق جديد لمشروعية النظام الحاكم بالجزائر، خصوصا أن نسب المشاركة المتدنية في الجارة تونس أثرت بشكل كبير على مشروعية المؤسسات التونسية دوليا.

ولكن تقديم الانتخابات في الجزائر قد يكون محاولة لقطع الطريق على بعض المرشحين المحتملين، الذين لا يخدمهم تقديم الانتخابات ويحرمهم من الزمن الكافي للاستعداد، مما يقلص المنافسة ويمنح الرئيس الأجهزة فرصة ذهبية للتفوق في اليوم الانتخابي .

أما فيما يخص إعادة ترشيح الرئيس الحالي عبد المجيد تبون لولاية أخرى، فإن المشكل الأساسي يكمن في السن. فالرئيس الحالي يبلغ من العمر 78 سنة، وبالتالي تنتقل الرئاسة في الجزائر من الرئيس المقعد (بوتفليقة) إلى الرئيس الشيخ (عبد المجيد تبون)، وبدل أن يطلق عليه بعض الجزائريين عمي الرئيس (بعد أن كانوا يطلقون على الرئيس سابقا الأخ الرئيس، لكن ارتفاع سن القادة الجزائريين فرض الانتقال إلى تسمية عمي الرئيس)، فإن عامل السن يفرض أن يسميه الجزائريون إذا تقدم لولاية جديدة “جدي الرئيس” وليس “عمي الرئيس”، مما سيؤكد شيخوخة القادة الجزائريين. كما أن تجديد ولاية الرئيس سيزيد في انغلاق النظام الجزائري وفي عدوانيته لأنه سيوسع أكثر نفوذ المؤسسة العسكرية الجزائرية ويفتح لها الطريق لممارسة الحكم المطلق من خلال وجود رئيس شيخ، أي رئيس صوري.

من جهة أخرى، وجب التوضيح كذلك أن الدعوة لانتخابات رئاسية مسبقة بالجزائر هي محاولة من طرف اللوبي الحاكم لترميم المشروعية الانتخابية المتآكلة، مع العلم أن الرئيس الجزائري عمد في أكتوبر 2023 إلى تعيين مستشارين له وتعزيز نفوذهم. هذه الخطوة السياسية كانت تعبيرا عن أن هناك خللا على مستوى التنفيذ الحكومي، مما سبب تذمرا شعبيا، وبالتالي كان الأمر يتطلب من الرئيس الأجهزة تحركا فعليا من أجل بعث إشارة إيجابية إلى الجزائريين يؤكد من خلالها أن الخلل ناتج فقط عن التنفيذ، وبالتالي ستتم مراقبة الحكومة من طرف المستشارين الرئاسيين، والتأكيد كذلك على أن حكومة الظل ستعمل على تسريع الإنجاز وتصحيح الخلل.

كما أن تعيين حكومة الظل الجديدة كانت رسالة إلى الجزائريين بأن الخلل يوجد داخل المنظومة المكونة من ثنائية الرئيس والحكومة (بينما الخلل يكمن بالأساس في حقيبة أفكار المؤسسة العسكرية التي أكل عليها الدهر وشرب)، وقد تم تصحيحه، وأنه من خلال إعادة الهيكلة على مستوى الرئاسة تم العمل على تعزيز الرقابة الرئاسية على الحكومة من أجل البحث عن التجديد الانتخابي للشخص الأجهزة، كيفما كان اسم هذا الشخص الأجهزة المقترح للمنصب الرئاسي.

هل يستطيع “الرئيس الأجهزة” أن يعبد الطريق نحو ما يسمى بـ”الجزائر الجديدة”؟

الرئيس المرتبط بالأجهزة هو رئيس ينفذ تعليمات الأجهزة، والمعروف عن الأجهزة الجزائرية (المؤسسة العسكرية بالأساس) أنها ما زالت تعيش في مرحلة ما بعد استقلال الجزائر، وما زالت تعيش في مرحلة الحرب الباردة، وبالتالي تمتلك حقيبة أفكار لا تواكب التطور الذي يشهده العالم. يقول الباحث أوليفيي بومسيل في كتابه “الاقتصاد السياسي الجديد” إن هناك نوعين من القادة في العالم اليوم: النوع الأول هو النوع المهتم بالمشاكل المرتبطة بالقوة والحرب وتوسيع نفوذ الدولة والديبلوماسية، وهذا النوع من الرؤساء يكون أكثر ارتباطا بالأجهزة والمؤسسات. والنوع الثاني من القادة هو النوع الواقعي، الذي يستهويه الاقتصاد والمالية والمشاكل الفعلية المرتبطة بالمجتمع وبالسياسات العمومية والأثر الذي تتركه هذه السياسات العمومية على المواطنين، وهو رئيس مرتبط بحل المشاكل اليومية للبلد .

الرئيس الأجهزة بالجزائر يمتلك حقيبة أفكار مرتبطة بالنموذج الأول من الرؤساء المهتمين بهاجس القوة (القوة الضاربة) والحرب ومشاكل النفوذ والتوسع، وبالتالي يمتلك بوصلة مرتبطة بالماضي وبعالم الحربين العالميتين الأولى والثانية والحرب الباردة. لهذا فإن الرئيس الأجهزة في ظل ما سبق توضيحه من الصعب أن يعبد الطريق نحو الجزائر الجديدة، بل أقصى ما يمكن أن يفعل هو أن يضع رتوشات جديدة على الجزائر القديمة .

كما وجب التأكيد كذلك أن تعبيد الطريق نحو الجزائر الجديدة يحتاج إلى رئيس قادم من صناديق الاقتراع فعليا، رئيس قادم من عالم السياسة، وعالم السياسة معروف عنه أنه يصنع أفقا مرتبطا بالمستقبل، ويحدد الهدف الذي سيسير فيه ويعمل على إقناع غالبية المواطنين بالهدف والأفق والمستقبل، وبالتالي هو ليس رئيسا مرتبطا بالماضي كما هو الحال بالنسبة للرئيس الأجهزة.

استفادت الجزائر من ارتفاع أثمان الطاقة بالسوق الدولية، ألا ترى أن ذلك يمكن أن يمنح دفعة قوية للقيام بالإصلاحات الرئاسية؟

إذا كانت الحرب الروسية الأوكرانية أججت ارتفاع ثمن النفط والغاز، مما عزز مداخيل العملة الصعبة ومكن اللوبي الحاكم بالجزائر من توزيع الريع بشكل كبير من أجل شراء السلم الأهلي، فإن ارتفاع احتياطات العملة الصعبة يعمل فقط على تصنيف الدولة الجزائرية كدولة للريع. في كتابهما المهم الذي يحمل عنوان “انهيار الدول” يؤكد الكاتبان دارون اكمجلي وجامس روبنسون، الباحثان في جامعة ماساتشوستس بالولايات المتحدة الامريكية، أن البحث عن الأسباب الحقيقية لغنى الدول أو فقرها ليس مرتبطا فقط بالثقافة والمناخ والجغرافيا، وليس مرتبطا كذلك بغباء قادتها السياسيين، بل إن التاريخ والتحليل الاقتصادي يقدمان تفسيرات مختلفة مرتبطة بوجود مؤسسات سياسية واقتصادية تسهل الولوج إلى طريق النمو عبر خلق ما يطلق عليه المؤسسات الاندماجية، التي تمكن الشعوب من الحد من ممارسة السلطة السياسية، وتمكن بالمقابل كل مواطن من ممارسة الأنشطة الاقتصادية بما يتوافق مع اختياراته ومواهبه من خلال احترام حق الملكية واحترام العقود وفتح الباب على الابتكار والإبداع، مما يخلق أثرا إيجابيا على الادخار والاستثمار والتقدم التقني، ويترك بالتالي أثرا كبيرا على التنمية. عكس ذلك فإن المؤسسات الاستخراجية (غالبية الدول الريعية) تحد من الإبداع والاختراع، ولا تضمن حق الملكية الخاصة، وتفرض الحواجز في الولوج حتى تحمي الحقوق المكتسبة، وبالتالي تمنع بروز أفكار جديدة، وتمنع التدمير المنتج حسبما نظر له الاقتصادي شامبتر.

المؤسسة العسكرية الجزائرية والرئيس الأجهزة سجنا الجزائر منذ الاستقلال داخل نموذج الدولة الاستخراجية المنغلقة، ومنعا انتقالها إلى مصاف الدول الاندماجية المنفتحة، مما جعل البلاد تحت رحمة العائدات النفطية والغازية .

ووجب التأكيد أن الكيفية التي تجرى بها الانتخابات بالجزائر من خلال انتخاب الرئيس الأجهزة لا تتيح لها اختيار الرئيس الحكيم والرئيس التغيير والرئيس الانفتاح والرئيس المستقبل، بل تمكنها فقط من اختيار الرئيس الأجهزة والرئيس المطيع والرئيس العادي، والكارثة التي يمثلها الرئيس الأجهزة والرئيس المطيع والرئيس العادي على مستقبل الجزائر ومستقبل المنطقة أنه رئيس غير قادر على إنجاز الانفتاح السياسي أو الانفتاح الاقتصادي.

الصحافي في جريدة “لوموند” الفرنسية كايز ميلانسيان في تقييمه لحالة العالم في سنة 2024، أكد أن هذه السنة تتميز بكون العالم اليوم لم يعد غير عقلاني، بل العكس. العالم اليوم يتميز بصراع العقلانيات، وانخراط القادة الجزائريين في صراع العقلانيات الذي يشهده العالم كان يفرض عليهم التخلص من حقيبة الأفكار الموروثة عن زمن الاستقلال، وكان يفرض تحديث حقيبة الأفكار بما يضمن على الأقل الانفتاح الاقتصادي، خصوصا أن النتائج المعلن عنها من طرف المؤسسات الدولية بخصوص الاقتصاد الجزائري ما زالت تشير إلى أن 92 في المائة من الصادرات الجزائرية مرتبطة بالمحروقات، وبالتالي هي بلد يعيش من خلال الريع فقط.

أزمة أوكرانيا وارتفاع ثمن الطاقة جعلا احتياطات العملة الصعبة بالجزائر ترتفع، وهو ما فتح الباب أمام القادة الجزائريين لتعزيز توجههم السلطوي المنغلق من أجل شراء السلم الأهلي بكل ما يعنيه ذلك من خلق طبقة متوسطة جديدة (بيروقراطية) ذات عقلية ريعية سلبية تعمل على تعزيز الزبونية السياسية للنظام الجزائري (كما يؤكد ذلك الباحث الفرنسي جون كلود فتان)، من خلال توزيع عائدات مداخيل البترول والغاز، مما يغلق الباب بشكل نهائي على أي انفتاح أو تغيير في حقيبة الأفكار الجزائرية في المستقبل القريب.

صراع العقلانيات الذي اجتاح العالم في شقه الديمقراطي والسلطوي كان نتيجة لاقتناع الدول السلطوية بإيجابيات ثنائية نظام سلطوي ووجود سوق حر، وهي الفكرة التي روج لها كثيرا الاقتصادي حايك، الذي يعتبر أن حرية السوق هي أهم من الحرية السياسية، حيث يؤكد أن الاختيار الحر من المفروض أن يرسخ في السوق أكثر منه في صناديق الاقتراع، وأن حرية السوق أساسية ومحددة من أجل ترسيخ الحرية السياسية، بينما الحرية السياسية غير أساسية وغير محددة من أجل الحرية الاقتصادية. وهكذا يستنج الاقتصادي حايك أن السوق الحر يمكن أن يوجد في ظل ديكتاتورية سياسية. ولم يخف حايك تفضيله لوجود ديكتاتور ليبيرالي على وجود حاكم ديمقراطي غير ليبيرالي (خطاب ألقاه عند زيارته للشيلي سنة 1981 دعما لبينوشي). التجربة الجزائرية جمعت للأسف بين ثنائية الانغلاق السياسي وغياب حرية السوق لأن حرية السوق والريع متناقضان. مشكلة الجزائر اليوم لا يمكن حلها فقط من خلال الانتخابات، بل يتطلب الأمر من القادة الجزائريين العودة إلى العقل، والعمل على الانتقال من نموذج الدولة الاستخراجية حيث الاعتماد على الريع إلى نموذج الدولة الاندماجية حيث الحرية السياسية والاقتصادية وخلق القيمة المضافة، وهو الشرط الوحيد الذي بإمكانه أن يعبد الطريق نحو الجزائر الجديدة.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى