القري يلتقط رسائل “أوبنهايمر”.. معركة “الإبستمولوجيا” وبراعة لمّ الفن والعلم

يرى الناقد المغربي إدريس القري أن المخرج البريطاني كريستوفر نولان قد برهن في فيلم “أوبنهايمر” على “إمكانية الجمع بين: الدراما والسياسة والتحليل النفسي وتاريخ العلم وفلسفة نقد العلم… في تفريعاتها الإشكالية المتعددة، في صيغة فيلمية درامية تربط بقوة السينما بالفلسفة في أحدث انشغالاتها”.

ويضيف: “يجمع مخرج فيلم “أوبنهايمر” بين الفن والعلم ببراعة، مُحاولًا إيصال رسائل معقدة وعميقة تخص المعرفة العلمية وقضاياها الفلسفية عبر لغة السينما، بدقة وبإتقان وبإبداع مُفكَّرٍ فيه ومُسيطرٍ على أدواته”، في سهل ممتنع لا يسقط في الاستسهال، بل هو “أقصى درجات الاحترافية والسيطرة على التفاصيل والعمق الفكري والإمساك بناصية التعبير السينمائي”.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

ويقدّر القري أن المخرج نولان إضافة إلى الاستناد على “براعة متناهية بتوازن وتنسيق وتكامل مذهل” في تمثيل المشخّصِين، قد استعمل حواراتٍ لـ”تعميق فهم الجمهور للتعقيدات الأخلاقية” كما استعملها “لأن لا بديل بصريا، غير ما يرافق المواقف الصعبة من تعابير جسدية وانفعالية، عن العمق الفكري والعلمي للنقاشات الفلسفية بين أوبنهايمر والعلماء”، وإظهار “التناقضات بين التقدم العلمي والمسؤوليات الأخلاقية للشخصيات”، و”الصراع الصامت الذي كان بين العالِم والعسكري”، لتقديم صورة عن “اصطدام الأيديولوجيات والأولويات”.

هذا نص مقال الباحث في الجماليات البصرية إدريس القري: ضد العلم أم ضد الإنسانية؟ فيلم “أوبنهايمر” ومعركة الابستمولوجيا. المُنطَلق

لا أعتقد، وألح عليها منذ البداية، بأن السينمائي كريستوفر نولان “Christopher Nolan” كان من السذاجة ومن القصور الفكري والمهني، بحيث يكون اختياره لعمق ولقلب فيلمه دراميا وجماليا، يُراهن على الإشكالية التقليدية المتقابلة فيها العلم والأخلاق. فدون عمق الابستمولوجيا التي تتخذ من التفكير العِلمي صُلب وجودها النقدي الفلسفي، في استيعاب جدلي للقيم الكونية ولرهاناتها الجمالية بالمعنى الذي أثارته ثورة الرياضيات والفيزياء -لاحقا العلوم الإنسانية- وغداة انهيار اليقين الرياضي الكلاسيكي ومعه ثنائية القيم، يبدو أن المخرج كان واعيا تماما، بأن فيلمه لن يجد مادة خصبة لبنيته العميقة، ولا أساسا قويا لبنيته الدرامية أيضا. واهٍ من اعتقد بأن حضور شخصية أينشتاين وشخصية هيزنبرغ على سبيل المثال -وكلاهما على التوالي من أعمدة بناء اليقين الجديد ذي تعدد القيم كأساس- كان حضور ترف أو زينة أو أنه حضور ثانوي مساعد في بناء حبكة فيلم “أوبنهايمر”. لنعد إلى السينما ليكون السؤال هو: أين يكمن هذا البعد الفلسفي الابستيمولوجي في الفيلم سينمائيا أي بلغة السينما صورة وصوتا؟

عن قصة الفيلم

فيلم “أوبنهايمر Oppenheimer‏” هو سيرة ذاتية ودراما أمريكية من سيناريو وإخراج كريستوفر نولان “Christopher Nolan”، خرج للشاشات منتصف سنة 2023، وهو مقتبس من كتاب السيرة الذاتية “بروميثيوس الأمريكي”، الحاصل على جائزة “بولتزر” وألفه الكاتبان كاي بيرد ومارتن جي شارون.

يروي الفيلم حياة عالم الفيزياء النظرية ج. روبرت أوبنهايمر. تَعرِضُ حكاية الفيلم دراسات أوبنهايمر المبكرة في الفيزياء التجريبية، التي انتهت بقناعته بالتوجه نحو الشق النظري لحل المشكلات العالقة. وهو ما سيجعله في علاقة علمية تفاعلية مع علماء كبار في تلك الفترة ومنهم أساسا أينشتاين هيزنبرغ وبلانك وغيرهم. يروي الفيلم كذلك بل وأساسا إدارة أوبنهايمر لمشروع مانهاتن خلال الحرب العالمية الثانية، ثم فقده لحظوته بعد جلسة الاستماع الأمنية سنة 1954. كان الغرض من تلك الجلسة، التي تزامنت مع موجة القمع الماكارثية، محاصرة استيقاظ ضمير العالِم الأخلاقي بعد ما نتج عن قصف هيروشيما ونكازاكي من دمار بسبب القنبلة النووية الأمريكية التي اعتبر أوبنهايمر أباها. يعرض الفيلم إضافة لذلك للأحداث المحيطة بعلاقة أوبنهايمر مع لويس شتراوس، وهو عضو لجنة مشروع منهاتن الذي كان يرى في أوبنهايمر خصمًا له. الفيلم من بطولة كليان مورفي في دور أوبنهايمر، وروبرت داوني جونيور في دور شتراوس، إضافة إلى طاقم تمثيل يضم إيميلي بلانك ومات دايمون وفلورانس بيو وجو هارييت ورامي ومالك وكيني برانا.

حقق فيلم “أوبنهايمر” لمخرجه “كريستوفر نولان” نجاحا مدويا على المستويين النقدي والتجاري. يقُصّ الفيلم حكاية صُنع القنبلة الذرية تحت إشراف عالم الفيزياء روبرت أوبنهايمر إبان الحرب العالمية الثانية. يضُم الفيلم في بنيته اقتباسات ومناجاة للنفس ونقاشات بين شخصيات علمية وسياسية تاريخية لامعة لا تُنسى. مدة الفيلم أكثر من ثلاث ساعات لا يستطيع خلالها الجمهور أن يصرف نظره ولو للحظة عن الشاشة. معالجة الموضوع السينمائية رائعة شارك في كتابة السيناريو كاي بيرد ومارتن سيروين.

كريستوفر نولان وحِذق الجمع بين العلم والسينما

مخرج فيلم “أوبنهايمر”، الذي أدهش الجماهير بقدرته على إلقاء الضوء على تعقيدات عالَم الفيزياء وتأثيراتها على الإنسانية. صرح مستشاروه في الفيزياء عند الاشتغال على فيلم “أوبنهايمر” بأن عمق معرفته بنظرية “الكوانتا” الفيزيائية سهلت مأموريتهم كثيرا. تُظهِر أفلام كريستوفر نولان السابقة “Interstellar, Inception” … ولعه ومعرفته بالفيزياء النظرية والتجريبية وعلوم الفضاء وفلسفة العلوم والابستمولوجيا وإشكاليات العلم القيمية الكبرى. يظهر السينمائي كريستوفر نولان كشخصية متحمسة وشغوفة حد الهوس بالعلم وبقضايا الخيال العلمي.

يجمع مخرج فيلم “أوبنهايمر” بين الفن والعلم ببراعة، مُحاولًا إيصال رسائل معقدة وعميقة تخص المعرفة العلمية وقضاياها الفلسفية عبر لغة السينما، بدقة وبإتقان وبإبداع مُفكَّرٍ فيه ومُسيطرٍ على أدواته.

لدى صاحب رائعة “Interstellar” شغفٌ غير محدود بالعلم، حيث يتخذ من الأفلام وسيلة لاستكشاف الأفكار العلمية المعقدة، وجعلها قابلة لفهم جماهير متعددة، كل حسب قدرته في الغوص مع تعدد مستويات الحكي التي برع في بنائها في أفلامه. يُظهر “كريستوفر نولان” في عمله تفانيا في البحث عن توازن بين الرواية السينمائية الجذابة، وبين التعمق في مواضيع الفيزياء والخيال العلمي.

لا يكتفي المخرج البريطاني كريستوفر نولان بتقديم أفلام مُمتعة بصريًا، بل يسعى لترك بصمته في تسليط الضوء على القضايا الإنسانية الكبرى الأخلاقية والفلسفية المرتبطة بالعلم، وذلك ببناء عالم سينمائي يجعل المشاهدين يتفاعلون مع الأفكار والتساؤلات التي يثيرها، وهو ما يبرز الإبداع الفني والعلمي، والقدرة التواصلية الجماهيرية الهائلة لهذا المخرج الكبير والموهوب.

وبهذا الشغف اللافت بالعلم والخيال العلمي، يبني المخرج قصصًا تتناول التحديات والتضحيات التي يواجهها العلماء في سعيهم لفهم أعماق الكون وتشكيل مستقبل البشرية. يُظهر هذا المخرج، من خلال أعماله، أن السينما يمكن أن تكون وسيلة فعالة لنقل المعرفة والتأمل في قضايا الحياة والكون بطرق مثيرة وملهمة للجمهور.

فرجة السهل الممتنع

نعم السهل الممتنع لكن، لا يعتقدَن أحدٌ بأن ذلك يعني الاستسهال، بل أقصى درجات الاحترافية والسيطرة على التفاصيل والعمق الفكري والإمساك بناصية التعبير السينمائي.

يُعتبر فيلم “أوبنهايمر” من الأفلام السينمائية القوية، التي تنقل المُشَاهد إلى أعماق عقل ونفسية رجل عبقري -مستويات انتقال المُشاهد ورِفعة وعمق هذا الانتقال، يتوقف على تكوِينه المَعرفي، وعلى خِبرته في العِشق والتذوُّق السينمائي بالمعنى التركيبي للكلمة- كما تكشف لنا في الوقت نفسه الجوانب الإنسانية والأخلاقية في تعاطيه مع قوة العلم، (الفيزياء النظرية والتجريبية هنا)، ومع ثقل مسؤولية صناعة تكنولوجيات الدمار.

يُشكل الفيلم عملا فنيا يتأسس على اللحظات الحاسمة في حياة ج. روبرت أوبنهايمر، الفيزيائي الذي قاد “مشروع لوس ألاموس”، وساهم في اختراع وفي صناعة القنبلة النووية الأمريكية، إبان الحرب العالمية الثانية.

يمكن وصف فيلم “أوبنهايمر” بالإنجاز السينمائي السّهل المُمتنع، فهو يدور، كأفلام أخرى، حول إشكاليات الحياة البشرية وضرورة الاختيار والتضحية، مفارقة النظر إلى الوجود وإلى العالم بعيون العلم والأخلاق، المعيارية والتجرد، الذاتية والموضوعية. لكن تميُّزه يكمُن في كيفية صياغته لهذه الإشكاليات دراميا وتقديمها للمشاهدة سينمائيا.

بنية الفرجة

ينبني الفيلم على لحظات حاسمة في حياة أوبنهايمر، منذ قبوله بتسيير مركز “لوس ألاموس” للإشراف على صناعة سلاح تدمير شامل لإنهاء الحرب والانتصار فيها. كان ذلك هو الهدف الآني التكتيكي، أما الهدف الاستراتيجي فكان هو السبق في ردع الاتحاد السوفييتي آنذاك، عن امتلاك السلاح نفسه وبالتالي تحقيق توازن استراتيجي في القطبية العالمية.

متعة الناقد في علو كعب الإبداع السينمائي

إن أكثر ما يثير فضولي كناقد في هذا الفيلم، ليس هو حياة عالم الفيزياء النظرية أوبنهايمر، ولكن الأكثر إثارة لفضولي هو الصراع بين العلم من جهة، وبين القيم الكونية الإنسانية النبيلة من جهة أخرى. فالعلم وهو يصنع أشياء جيدة للإنسانية يكون ضمن فضائها الجمالي. يخرج العلم من دائرة القيم عند الانخراط في تدمير الإنسانية والحضارة والثقافة والناس.

هناك إشكالية جوهرية مع العلم في الفيلم، من المنظور الفلسفي والفني السينمائي. هذا هو ما أحبه أكثر في هذا الفيلم، الذي قام كريستوفر نولان بعمل يتسم بالذكاء وبالقدرة الفكرية والتاريخية والاحترافية سينمائيا في صناعته. لقد برهن كريستوفر نولان بفيلم “أوبنهايمر” على إمكانية الجمع بين: الدراما والسياسة والتحليل النفسي وتاريخ العلم وفلسفة نقد العلم… في تفريعاتها الإشكالية المتعددة، في صيغة فيلمية درامية تربط بقوة السينما بالفلسفة في أحدث انشغالاتها، التي لا يمنحها اليوم الاكتمال الإنساني، سوى مواضيع مثل التغيرات المناخية والذكاء الاصطناعي، ولعمرى فهي ضمنيا مطروحة مبدئيا في فيلم “أوبنهايمر”.

إن صراع العلم والقيم المحيط بتأثير العلم على الإنسانية هو موضوع عميق في فيلم “أوبنهايمر”. تعامَل كريستوفر نولان مع هذا الموضوع المعقد بمهارة كبيرة، فقد استكشف ثنائية التطور العلمي الذي يسهم في التقدم، ويشكل تهديدات محتملة، بل عملية، للإنسانية في الوقت نفسه. واضحة هي براعة صاحب “أوبنهايمر” في التعامل مع هذا التوازن/التحدي في السرد السينمائي، فمسؤولية العلماء ونتائج أعمالهم على الإنسان وحضارته بل وبقائه، قضية تستحق التأمل في فيلم قوي مثل فيلمه هذا.

بناء الإبداع البصري؟

يتميز أسلوب كريستوفر نولان على الشاشة في فيلم “أوبنهايمر” باستخدامه المبتكِر لتقنيات التصوير والسرد البصري. نولان معروف باستخدامه للمؤثرات البصرية والصوتية، ولهياكل سردية معقدة في أفلامه، فقد استخدم تقنياته المميزة لتصوير الدراما بصريا، وذلك ببناء مشاهد تقابِلُ وتُقارن بين اكتشافات العلم وبين صراعاتِ الأخلاق، التي واجهتها شخصيات الفيلم، وضمنها أوبنهايمر ذاته أساسا.

استخدم نولان لوحات ألوان متميزة وإضاءة وإطارات رقمية ضوئية، لتسليط الضوء على الصراع العاطفي والأخلاقي الذي يواجه الشخصيات، بمقابل شساعة الكون وعظمة الفضاء الكوني للمجرات ولعالم الذرة على حد سواء. كان استخدامه للسرد غير الخطي ولتقابل وجهات النظر المتصارعة بين العلم والسياسة، والعلم والأخلاق، واليقين واللايقين، إضافة إلى عمق السرد ولكثافته ولقوته ولاستمراريته مشوقا وممسكا بتلابيب المشاهد. كان ذلك تعزيزا ذكيا وبارعا لتأثير الدراما في الفيلم.

التشخيص.. احترافية مذهلة

لا شك أن التمثيل عنصر حاسم في صناعة الفيلم. يمكن لفريق مؤلف من الممثلين الموهوبين إعطاء حياة للشخصيات واستحضار مشاعرهم في بنية الحكي مع جمهور يتماهى بقوة وبعمق. ومع ذلك، تظل صناعة الأفلام عمل جماعي، حيث تلعب عناصر مختلفة مثل إدارة الممثلين والتصوير والكتابة كل تفصيل بما فيه الماكياج والملابس وأبسط الإكسسوارات…

أدوارًا حيوية في بناء الفيلم السينمائي بمعناه المحترف والأصيل.

يلفت الممثل العالمي البريطاني “Cillian Murphy” سيلين ميرفي، في “أوبنهايمر” الانتباه بشكل كبير، فتجسيده لـ ج. روبرت أوبنهايمر يأخذ المشاهد إلى عوالم عمق وتعقيد شخصية غير عادية مركبة وجد متميزة. جنبًا إلى جنب مع ميرفي. والواقع أن طاقم التمثيل كله شخص الصراعات الأخلاقية والصراعات الشخصية والنفسية بل والسياسية ببراعة متناهية وبتوازن وتنسيق وتكامل مذهل. ذلك ما جعل حكاية الفيلم أكثر إقناعًا ومتعة ولذة فكرية وفنية عالية.

الحوار

مقطع مختار، على سبيل المثال لا الحصر، من حوارات الفيلم جدُّ دال:

“J. Robert Oppenheimer: “Now I am become Death, the destroyer of worlds.”

President Harry S. Truman: “Hiroshima isn’t about you.”

Katherine “Kitty” Oppenheimer: “Why won’t you fight?”

J. Robert Oppenheimer: “They won’t fear it until they understand it, and they won’t understand it until they’ve used it.” …

J. Robert Oppenheimer: “Is anyone ever going to tell the truth?” …

Lewis Strauss: “Power stays in the shadows.” …

Lewis Strauss: “We’re not convicting – just denying”…

الحوارُ أساسيٌّ في فيلم “أوبنهايمر”. فهو غزيرٌ وجِدُّ مرتبط بتعبيريّة الفيلم الذي كان فيه التصميم “The shot” قوي التعبير نفسيا ووجدانيا وانفعاليا، لمن تبقى الكلمة مصرة على تسجيل تفوق السمعي. ربما لعب الحوار في الفيلم دورًا حاسمًا في إبراز الصراعات النفسية والعلمية الأخلاقية. تشارك شخصيات الفيلم في مناقشات صاخبة وعميقة فكرية وغرامية ووجدانية وسياسية الطابع، حول عواقب سعيهم العلمي. ربما استخدم نولان هذه الحوارات لتعميق فهم الجمهور للتعقيدات الأخلاقية المتورطة في عملهم. كما استعملها لأن لا بديل بصريا، غير ما يرافق المواقف الصعبة من تعابير جسدية وانفعالية، عن العمق الفكري والعلمي للنقاشات الفلسفية بين أوبنهايمر والعلماء.

تحمل العبارات والجمل والكلمات التي تنطق بها الشخصيات الرئيسية في “أوبنهايمر”، الثقل الأكبر في نقل الصراعات الأخلاقية والعلمية والسياسية والايديولوجية المطروحة في الفيلم. لذلك نعتقد أن معرفة حد أدنى بالنظريات العلمية الفيزيائية، وبالإشكاليات الفلسفية الابيستمولوجية للعلم في تلك الفترة، ستكون عائقا حقيقيا في وجه أي قراءة نقدية رصينة وذات مصداقية لهذا الفيلم.

لقد صيغت حوارات فيلم “أوبنهايمر” بعناية لتسليط الضوء على التناقضات بين التقدم العلمي والمسؤوليات الأخلاقية للشخصيات. فالحوارات في الفيلم المذكور يمكن أن تخدم لاستفزاز الأفكار، أو تحدي المعتقدات، أو إبراز تعقيدات قراراتهم، مما يسهم في إضفاء عمق حقيقي للفيلم.

تظهر حوارات الفيلم كذلك دراما الفيلم والمواقف الصعبة، أثناء اتخاذ أوبنهايمر لقرارات وهو عالِم مسؤول عن وحدة لوس ألاموس، والجيش في القيادة حيث يظهر الصراع الصامت الذي كان بين العالِم والعسكري؟ إنها صورة لاصطدام الأيديولوجيات والأولويات. قد أظهر الحوار تناول أوبنهايمر لصراعه الأخلاقي بشأن استخدام العلم لأغراض تدميرية، ولإظهار صراعه للتوفيق بين سلامة ذاته وحبه وبين عواقب اختياراته وطموحاته العلمية.

مشاهد ولحظات دالّة

تأخذ الحكاية المتزامنة وتصوير مشاهد التقابل التي تتيح المقارنة بين مواقف مسار كشف التبريرات الأيديولوجية وراء تبني أفكار والسكوت والتردد في لحظات تاريخية فاصلة. تصور تلك المشاهد وترسم بكل مكونات الخطاب السينمائي منسقة، عمق الدراما في نفسية وفي عقل أوبنهايمر. وبالطبع فإن تشخيص كليان مورفي -كان هذا الممثل العبقري هائلا في السلسلة البريطانية Peaky Blinders على سبيل المثال- عنصر جوهري في نجاح الفيلم وتوازنه وجماليته البنيوية.

يتناول الفيلم الصراع/التواطؤ الدائم بين العلم والسياسة -شخصيتي العالم والعسكري- وكيف يتم توظيف، العلم/الفيزياء لخدمة القوة/السلطة، السياسة/الدولة.

– لحظة خطبة الرئيس ترومان بعد قصف هيروشيما تشكل نقطة تحول هامة في الفيلم. يظهر أوبنهايمر في لوس ألاموس، يعبّر عن شروده ويقف وسط قاعة فارغة ممتلئة بالصورة وما يراه في حماس الحضور وما لا يسمع وما يسمع. يتناول الفيلم فترة الحضانة النووية وتأثيرها على العقل البشري والضمير.

– يظهر التصميم وحل رجله تحت تصفيقات الجمهور كرمز للتناقضات بين الانتصار العلمي والفاجعة الإنسانية.

– لحظة اللقاء مع عشيقته الشيوعية، يتم تصوير عبقرية أوبنهايمر وفضاء القاعة الفارغة بشكل عارٍ وجريء، مما يسلط الضوء على تشابك العقل والعواطف في الوقت نفسه.

– يعكس الفيلم أيضًا لحظة ايزي رفيق دربه وشكوكه حيال فظاعة الخسائر البشرية. يظهر الفيلم كيف يتغير وجه العالم بعد استعمال القنبلة النووية، وكيف يجد الإنسان نفسه في صراع دائم بين القوة العلمية والتحديات الأخلاقية.

– لحظة عبر هاينز عن تخوفه من التضحية بثلاثة قرون من تطور الفيزياء لصناعة سلاح يدمر العالم.

– لحظة طلب هاينز بيرث من أوبنهايمر التخلي عن اللباس العسكري.

– مشهد حديثه عن لقائه مع عشيقته الشيوعية وطريقة التصوير عري.

– لحظة خطبة الرئيس ترومان والتوازي بين قصف هيروشيما وخطبة أوبنهايمر في لوس ألاموس: الشرود – الصورة وما يُرى في حماس الحضور – ما لا يسمع وما يسمع – القاعة الفارغة وهي ممتلئة

– الحضور والغياب وعيا – تخوفه وانتظاره وتوجسه مما نتج عن قصف هيروشيما من خسائر بشرية: تصميم وحل رجله وهو تحت تصفيقات الجمهور في جسد مُتفحم – تخيله حبيبته الشيوعية بين الحضور المتحمس وهي تبكي – لحظة ايزي رفيق دربه وقد ساورته شكوك في فظاعة الخسائر البشرية وخطورة اللحظة التاريخية – وهو يبكي وحبيبته تواسيه وقت فرح جنوني للجميع.

خاتمة

يعتبر فيلم “أوبنهايمر” رحلة عاطفية وفكرية في عقل عالم عظيم، حيث يتم استناد الفيلم إلى الحقائق التاريخية والأحداث الحقيقية، لإلقاء نظرة عميقة على العلم والإنساني كقيمة ثقافية وحضارية، في لحظة مفصلية من انطلاق الإنسان نحو صناعة الدمار، بالعلم وبالمعرفة التي تظل في نهاية المطاف ككل شيء في الوجود الإنساني: سلاحا ذا حدين.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى