ورقة ترصد إسهام “حماية الرأي المخالف” عند المداولات في التخليق الذاتي للقضاء

بالتزامن مع دخول “قانون التنظيم القضائي” (رقم 15-38)، في صيغته الجديدة، حيز التنفيذ ابتداء من منتصف يناير الجاري، بعد استنفاده المساطر التشريعية ونشره بالجريدة الرسمية في يوليوز 2022، خلصت ورقة بحثية إلى أن “التعديل الذي تضمنه القانون الجديد، بخصوص حماية الرأي المخالف في مداولات الهيئات القضائية، يُعتبر من أهم التعديلات التي تسعى لتخليق القضاء في المغرب”.

وأشادت الورقة، المنشورة حديثاً من طرف “المعهد المغربي لتحليل السياسات”، بما وصفته “أبرز المستجدات الهامة التي جاء بها قانون التنظيم القضائي”، مشيرة إلى إقراره، لأول مرة، “لحق تسجيل الرأي المخالف في مداولات الهيئات القضائية بمختلف المحاكم المغربية بشكل رسمي”. وسجلت أن “تنصيص القانون على تضمين الرأي المخالف داخل مداولات الهيئات القضائية، ولو في حدود معينة، هو أحد مداخل تخليق العمل القضائي في المغرب”، نظرا لأن “عملية التخليق ليس لها منفذ واحد بل منافذ متعددة، يتداخل فيها الجانب الوقائي والإجراءات الشفافة بالجانب الزجري”.

وبعد أن أكدت الورقة البحثية، التي أعدّها عبد اللطيف الشنتوف، الأستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط وسلا، والرئيس السابق لـ”نادي قضاة المغرب”، في تقديمها على “تعقيد عملية اتخاذ القرار داخل عمل الهيئات القضائية”؛ لاسيما على مستوى مداولات الهيئات القضائية، وضعت هذا المستجد في سياق “الحاجة لوضع ميكانيزمات لربط المسؤولية بالمحاسبة وحماية آراء الأقلية وتشجيع الاجتهاد القضائي”.

“ستسمح هذه الآلية الجديدة للقضاة بالعمل على تسجيل رأيهم المخالف لبقية القضاة الآخرين أعضاء هيئة المداولات عند اتخاذ القرارات القضائية”، يوضح الشنتوف، قبل أن يخلص إلى أن “هذا من شأنه أن يحمي رأي الأقلية داخل هذه المداولات، وخاصة في الحالات التي يكون فيها خرق غير مستساغ للقانون، كما أنها آلية تسهم في عملية التخليق الذاتي للقضاء، إذ يعتبر تمسك صاحب الرأي المخالف برأيه بمثابة إثارة انتباه باقي الأعضاء لضرورة مراجعة موقفهم قبل الإعلان عن القرار إن كان الأمر فعلا يحتاج لذلك”.

كما أنه يساهم، وفق المصدر ذاته، في “تحديد المسؤوليات بشكل دقيق، لاسيما عند إثارة المساءلة التأديبية وتوفر موجباتها القانونية، بحيث سوف تكون منصبّة على مرتكب المخالفة وحده، حيث أزال هذا المقتضى القانوني الجديد الغطاء الذي كان يتمسك به في السابق، أي قرار المداولة الجماعية وسريته”.

ويُرتقب أن “تبعث الآلية الجديدة الحيوية في المداولات القضائية”، حسب الورقة ذاتها، “مادامت تعلم أن رأيها سيكون لها وجود قانوني منظم عوض ما كان عليه الأمر سابقا مع سيادة الشعور بالإحباط لديها بسبب عدم القدرة على التأثير والإحساس بعدم أهمية رأيها حتى من ناحية التعبير عنه”.

مدخل إلى “تخليق العمل القضائي”؟

بعد استعراض اتجاهات عالمية عامة تتجاذب موضوع “الرأي المخالِف” بين منهجين تشريعييْن أحدهما أنغلوسكسوني والثاني فرنسي، لفت الشنتوف إلى أن “قانون التنظيم القضائي المغربي (من خلال المادة 16) نحا منحى وسطيًا بين هذين الاتجاهين”؛ لأنه “حافظ على مبدأ سرية المداولات كما كان عليه الأمر سابقا، ومنح فقط إمكانية للقاضي صاحب الرأي المخالف الحق في تسجيل رأيه المخالف للهيئة التي يعمل معها والتي قد تكون ثلاثية أو خماسية”.

كما أشار إلى أن “المادة 16 من قانون التنظيم القضائي تتضمن بعض الغموض، إذ لم توضح بعض الجوانب التدبيرية لهذه العملية”.

كاتب هذه الورقة البحثية أشار إلى إيجابية تنصيص القانون على تضمين الرأي المخالف داخل مداولات الهيئات القضائية، وخلص إلى إبراز “مساهمة تسجيل الرأي المخالف وحمايته في تحقيق عدد من النتائج”.

5 مزايا

أولى المزايا هي “تحمل المسؤولية من طرف كل قاض بشكل فردي”، بشكل يساعد على تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات بشكل أدق. ومع هذا التعديل القانوني الجديد “سيكون من الأسهل التمييز بين مختلف الآراء، وبالتالي حماية صاحب الرأي السليم المتحفظ على خرق القانون، وخاصة إذا كان خرقا فاضحا غير مستساغ”.

أما الثانية فهي ذات “وظيفة وقائية”، إذ “بمجرد إثارة القاضي لحقه في تسجيل رأيه وتمسكه بذلك، واتخاذ الأمر بشكل رسمي بتسجيله في محضر معد لهذا الغرض وتوقيع كافة الأعضاء عليه سيكون له تأثير نفسي وتذكير لباقي الأعضاء بضرورة التريث وإعادة النظر في قرارهم إنْ كانت تشوبه شائبة أو مخالفا للقانون بشكل واضح ومتعمد.”

عملية تضمين الرأي المخالف تساهم، ثالثاً، في “حماية رأي الأقلية” من هيمنة رأي الأغلبية التي فرضها التسيير الديمقراطي للمداولات عند تعذر الإجماع على القرار القضائي واللجوء للتصويت”، تسجل خلاصات الورقة، جاعلة “تشجيع الاجتهاد القضائي” رابع الإيجابيات.

وخلصت الورقة البحثية إلى أن “هذه الوسيلة القانونية إذا ما تم تطبيقها على الوجه الأمثل وحققت النتيجة الوقائية للتخليق المرجوة منها، ستعود بالنفع لتخفف من الضرر، بنسبة معينة، الذي يلحق بصورة القضاء عند ارتكاب المخالفات المهنية والسلوكية”. كما تصير معلومة لدى الرأي العام، خاصة المخالفات المرتبطة بالرشاوى أو استغلال النفوذ، حيث تضرب صورة العدالة في العمق وتؤثر على مجالات أخرى بشكل مباشر أو غير مباشر، و”هنا تكمن أهمية هذه الوسيلة الذاتية والسرية لتخليق العمل القضائي”، يختم مؤلف الورقة.

0 0 votes
Article Rating
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى