باحث مغربي يقارب تاريخ “المونودراما العربية” من خلال تجربة الزروالي

قال عمر الرويضي، أستاذ جامعي مغربي، إن “المسرح الفردي أو المونودراما يعد من الاتجاهات المسرحية التي يصح وصفها بالاتجاهات البكر، التي لم تنل حقها بعد من التنظير والممارسة، ويتأتى الدليل على هذا الحكم انطلاقا من عدد العروض المسرحية التي تمثل هذا الاتجاه، في مختلف بقاع الوطن العربي، واستنادا إلى الدراسات اللغوية النقدية، والمقالات المنشورة التي تحاول مقاربة المسرح الفردي كل سنة مقارنة بباقي عروض الاتجاهات المسرحية الأخرى”.

وأضاف الرويضي، في مقالة بحثية منشورة بمجلة “المسرح” الإماراتية عدد يوليوز، أنه بإجراء “مسح بيبليوغرافي بسيط لعدد الدراسات النقدية والمقالات، وأيام المهرجانات، والعروض المسرحية المخصصة للمسرح الفردي كل سنة، سيتضح بالتأكيد أن هذا الاتجاه ما زال في حاجة إلى اهتمام جماعي، والتزام خاص من الفنانين، والمبدعين، والنقاد، وعموم المسرحيين”.

إعلان

وحاول الباحث المغربي مقاربة تلك الإشكاليات من خلال دراسة مضامين كتاب “المسرح الفردي في الوطن العربي: مسرح عبد الحق الزروالي نموذجا”، الصادر عن الهيئة العربية للمسرح سنة 2015، للكاتب والإعلامي المغربي الطاهر الطويل، وذلك انطلاقا من مجموعة من المحاور.

وقال: “بقراءة أفقية لمختلف التعريفات التي وقفت على مفهوم المسرح الفردي، نجدها تؤكد على حسبانه نبتة غريبة عن التربة المسرحية، وأيضاً حسبان هذا الاتجاه المسرحي شكلا مسرحيا انفرد به بعض المسرحيين العرب وتفردوا به، بتسميات مختلفة، من قبيل: المونودراما، ومسرح الممثل الواحد، والمونولوغ المسرحي”.

وأردف: “إذا كانت المونودراما تعتمد على وجود فرد واحد يمثل شخصية واحدة، فهي لا تمنع قيام ذلك الممثل لوحده بأدوار متعددة. وبالرجوع إلى الفصل الأول من الكتاب سالف الذكر، الذي جاء موسوما بعنوان: هوية المسرح الفردي، تجد الطاهر الطويل يحاول أن يتوقف بإمعان عند أهم منابع هذا الاتجاه المسرحي، وبداياته الممكنة، أو المفترضة، حيث يرجح البعض أنها تعود إلى المسرح اليوناني، من خلال أناشيد الديثرامب، التي كانت ترتل أثناء عبادة ديونيزوس”.

“وفي تقديري أن وجود الممثل الفرد أملته ضرورة فنية واقتصادية وتقنية، وبفضله جرى الانتقال من المسرح الطقوسي نحو الفضاء التمثيلي الفردي الحافل بعناصر الفرجة الحية التي يدبرها شخص واحد، والعرب قد عرفوا، منذ عصور طويلة، عدة أشكال فرجوية شبيهة، أو مطابقة للمسرح الفردي، منها: الراوي والقصاص، والحكواتي. حيث كانت توظف هذه الأشكال لأغراض ترفيهية توجيهية، وتعتمد حكي القصص والأخبار والنوادر”، يورد الرويضي.

واستطرد قائلا: “اشتهر المغرب بالحلقة التي تقام في الأسواق الشعبية، والساحات الكبرى، والأبواب التاريخية. والغاية من ذكر هذه الأشكال، هي توضيح مدى استعداد الإنسان العربي للتمثيل، بوصفه استعداداً فطريا يتجسد في إطار قوالب فرجوية متنوعة بتنوع فئات المجتمع، كما تقوم هذه الأشكال بوظائف ترفيهية، واجتماعية، وأخلاقية، وفكرية مختلفة؛ بينما يستقي صانع الفرجة مادته الحكائية من المخزون المعرفي الشعبي، ومن الواقع المعيش، فيسبغ عليه طابع الإثارة والتشويق”.

ومضى بالقول: “حتى يتمكن الناقد من وضع المتلقي في صورة واضحة حول موقع المسرح الفردي ضمن الحركة المسرحية في الوطن العربي، توقف في فترة الستينيات من القرن العشرين، بحسبانها منعطفاً حاسما في مسار المسرح العربي، حيث ظهرت دعوات تنادي بالرجوع إلى الأشكال التمثيلية التراثية والشعبية، والاستفادة منها في إيجاد شكل مسرحي جديد قلبا وقالباً”.

وفي سنة 1964، نشر يوسف إدريس بحثا مطولا في مجلة “الكاتب” المصرية، دعا فيه إلى ضرورة الرجوع إلى الظواهر التمثيلية الشعبية. وفي سنة 1967، صاغ محمود دياب مسرحيته “ليالي الحصاد”، ووظف فيها “السامر” و”المرتجل”، وجعلها حافلة بالمواقف الشعبية، وأصدر توفيق الحكيم في العام نفسه كتابه المعنون بـ “قالبنا المسرحي”، الذي نادي فيه بالعودة إلى مرحلة ما قبل السامر، وركز في دعوته الجديدة على الثالوث العربي: الحكواتي، المقلد، المداح.

ودعا علي الراعي إلى العودة إلى الشكل الفرجوي الشعبي الذي يقوم على الارتجال. وفي سوريا، انشغل سعد الله ونوس بهاجس البحث عن صيغة مسرحية عربية أصيلة. وفي تونس اتخذت الدعوة التأصيلية منذ بداية السبعينيات بعدا تراثياً مع عز الدين المدني. وفي لبنان اقترن اسم روجيه عساف بجماعة “مسرح الحكواتي”، حسب المقالة.

وواصل كاتب المقالة قراءته للمؤلف سالف الذكر بقوله: “انتقل الباحث الطاهر الطويل إلى المغرب بعد بسطه التجارب العربية، ليتوقف عند بعض التجارب المغربية التي تحت هذا الاتجاه، ومن أهمها تجربة الطيب الصديقي، الذي نال السبق في توظيف التراث الشعبي المغربي. وفي 1979، ظهرت جماعة المسرح الاحتفالي، التي أصدرت بيانها الأول، حيث عدت منبع المسرح هو الاحتفال، كما دعت إلى تأسيس مسرح عربي تتحقق فيه شروط اللقاء الحي، والمشاركة الفاعلة بين كل الأطراف المحتفلة”.

وأشار المؤلف إلى أهم التجارب المسرحية الفردية في المغرب، متسائلا عن موقع مسرحيات الممثل الواحد ضمن التجارب المسرحية الأخرى، وهل يمكن أن تعدها حالات استثنائية بالنسبة لمبدعيها أم أنها لا تعدو أن تكون محطة عادية ضمن التجربة المسرحية لصاحبها؟

وفي سياق معالجته لهذا الإشكال، يؤكد الطاهر الطويل أن شهر مارس من سنة 1976 هو تاريخ الإعلان عن المسرح الفردي في المغرب، خلال المهرجان الأول للمسرح الفردي الذي نظمته جمعية الفن السابع بمدينة الرباط، وهو المهرجان الذي عقدت دورته الثانية بمدينة فاس في شهر فبراير 1984، وأشرفت على تنظيمه جمعية قدماء “ثانوية مولاي إدريس”.

وفي مقابل خفوت التجربة المغربية، يرى الطاهر الطويل أن “المونودرامات” قد نشطت بشكل لافت للانتباه في بلدان العالم العربي، ولا أدل على ذلك من المهرجانات المسرحية الكبرى في قرطاج، ودمشق، وبغداد، وسواها، حسب المقالة، التي أكدت أن “تخصيص فصل كامل من كتاب للحديث عن تجربة عبد الحق الزروالي هو في حد ذاته إشكال يستوجب التساؤل حول مبررات الاختيار”.

لماذا الزروالي وليس غيره؟ يجيب المؤلف بأن “الزروالي أكد إصراره على مواصلة المسير في نهج ارتضاه وآمن به، محققا تراكماً كمياً مهما بجرأة وتفان، وحظيت تجربته بقسط وافر من الاحترام والشهرة داخل الوطن العربي، ما يقتضي الوقوف عند أهم السمات المميزة لتجربته على مستوى النص والعرض، وهو ما حاول توضيحه في هذا الفصل.

وقد باشر المؤلف حديثه عن التجربة “الزروالية” بتوضيح العوامل الذاتية والموضوعية التي تتداخل في ما بينها لتجعل من علاقة الزروالي بالمسرح علاقة قائمة على مؤثرات ذاتية واجتماعية، ثم مقومات فنية إبداعية من جهة ثانية. ويؤكد المؤلف أن علاقة الزروالي بالمسرح علاقة مبكرة جدا، تعود إلى سنة 1963، وتعود أول مسرحية مثلها بمفرده إلى سنة 1967 وهو في عمر 15 سنة.

وقد آمن الزروالي بأن المسرح يجب أن ينتقل إلى حيث يوجد الجمهور، بهدف تأسيس علاقة حميمية، وأكد في أكثر من مناسبة أن اختياره للمسرح الفردي بعد اختياراً بينا وثابتا وعن اقتناع، وليس مجرد حالة ظرفية طارئة. ويرى المؤلف أن المسرح الفردي، لا يطرح نفسه بديلا للمسرح الجماعي، بل يبحث عن تحقيق إضافة فنية بناءة، من دون اجترار أو تقليد أو نمطية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى