كتاب جماعي يقتفي أثر دور الصحراء في العلاقات المغربية الإفريقية

تقتضي دراسة العلاقات المغربية الإفريقية ودور الصحراء فيها “إدراك قيمة حركية الفعل الإنساني”، وفق دراسة للباحث محمود الزهي، تدعو إلى عدم الركون إلى “القراءات الجامدة التي تحتفي بالتاريخ على شكل فلكلور”.

جاء هذا في كتاب جماعي معنون بـ”إفريقيا تفصح عن نفسها”، نسقه الباحث أحمد الشكري، وأُهديت أعماله الصادرة عن الجمعية المغربية للبحث التاريخي للأستاذة الجامعية فاطمة الزهراء طموح.

إعلان

وتَصِم دراسة الزهي دراساتٍ حول العلاقات المغربية الإفريقية بالارتباط “بموجة مناسبات معينة”، في حين لا توجد “بدايات جادة دون أن تؤسَّس على فهم متعدد للماضي، يساهم فيها السياسي كما المثقف”.

ومن بين ما تنبه إليه هذه الدراسة ضرورة “تغيير نمط التفكير السطحي السائد لدى شريحة عريضة من مواطنينا؛ فإفريقيا هي الأخرى لها نخبها العلمية والسياسية، وجامعاتها ومعاهدها، وبالتالي يجب تجاوز النظرة الدونية في التعامل مع شعوبها”، كما تدعو إلى “تنويع مجالات التعاون” بين الدول الإفريقية عبر “توظيف الرأسمال التاريخي المشترك في سبيل تذويب الخلافات السياسية الراهنة، لتحقيق نوع من التقارب المؤسس على قاعدة صلبة”.

وتبرز هذه الدراسة مظاهر التواصل الثقافي والاقتصادي والسياسي التي “ربطت مراكز السودان الغربي بحواضر الشمال الإفريقي، وبلدان الضفة المتوسطية الأوروبية”، حيث “لعبت الصحراء دورا رياديا، فأولتها الحكومات الاستعمارية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بالغ الاهتمام، بغية تجاوز الوساطة المغربية والتحكم في مراكز التجارة وموارد البلدان”.

وذكّر الباحث بما قاله العالم الجغرافي سليري، الذي أدار قسم الجغرافيا بمعهد الدروس المغربية، حول عدم إمكان دراسة المغرب من الوجهة التاريخية والنوعية والجغرافية “دونَ أن نلقى في كل لحظة صلاته الصحراوية”.

ومن بين ما يقف عنده الباحث مكانة “المرحلة المرابطية” في “بنية التاريخ الجهوي والقطري لبلدان الغرب الإسلامي، كمرحلة اتسمت بإشعاع علمي وديني وحضاري، وذيوعٍ للمذهب المالكي بين سكان مالي والصنغاي، وبروز أسماء كان لها دور في قيام الدول ونشر الإسلام، كعبد الله بن ياسين، وشيخه وجاج بن زلو اللمطي”، وشخصيات عالمة أخرى أتيح لها الرحيل إلى الأندلس والمشرق، وشخصيات نسائية كانت لها اهتمامات علمية في الصحراء، مثل زينب النفزاوية، وقمر زوجة علي بن يوسف، وخناثة بن بكار، وصفية بنت المختار، وميمونة بنت الشيخ محمد الحضرمي.

وتطرق الباحث أيضا إلى جانب انتشار طرقٍ صوفية متعددة في الصحراء، “قام مشايخها بأدوار اجتماعية وتعليمية وثقافية وجهادية، إضافة إلى نشر الإسلام بين القبائل والمجموعات الإفريقية”، وأضاف: “كانت الصحراء ممرا للحجيج إلى البحر الأبيض المتوسط، ومنه عبر البواخر صوب مصر فبلاد الحجاز، كالتجانيين الذين يزورون قبر أحمد التيجاني بفاس، ومنها يكملون رحلتهم الحجية، وبرز فيها علماء وشيوخ ذاع صيتهم بين البدو، وفي مراكز العلم بالمغرب الأقصى والمشرق، أمثال اللغوي محمد محمود ولد التلاميذ التركزي، وأحمد بن الأمين الشنقيطي، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي”.

وإلى جانب انتشار الطرق الصوفية، ذكر الباحث أن دعوةً إلى تبني السلفية ظهرت في الصحراء، “قادها محمد بن حبيب الله المجيدري (توفي سنة 1792)، الذي زار المشرق حاجا فتأثر بدعوة محمد بن عبد الوهاب الداعية إلى التمسك بالكتاب والسنة، وخطى السلف الصالح، ومحاربة البدع والخرافات، ومعاداة علم الكلام، ورفض التأويل، وهو ما حاول نشره بين تلامذته حين عاد إلى الصحراء، فاصطدم مع عدد من العلماء، في مقدمتهم شيخه المختار بن بون الجكني”.

وتطرق الكاتب إلى دور التجارة الصحراوية في التواصل المغربي الإفريقي، قائلا إن سلاطين المغرب قد أولوا اهتماما بالغا بالمراكز التجارية الصحراوية، حيث “كانت مصدرا للأموال والهدايا والذهب والعبيد”، واستشهد بما سجله الأسير الإنجليزي توماس بيلو حول “قافلة كبيرة ضمت 12 ألف جمل، عبرت وادي شبيكة والساقية الحمراء، ثم وصلت قصر شنقيط الذي يسكن به عامل مغربي وتجمع فيه الهدايا والأموال لتنقل إلى السلطان”.

وذكرت الدراسة أن “البحث الميداني يكشف عن وفرة المعطيات الشفوية والموثقة، التي تصف مسار الطرق التجارية وصعوباتها والمشتغلين فيها من القبائل المحلية واليهود وغيرهم، والموارد المتجر فيها”.

وركز الباحث على مركزين من بين مراكز ارتبطت أسواق الجنوب المغربي بها، “ما سمح ببناء التجارة الممتدة نحو السودان الغربي”، وهي منطقة توات ومركز تندوف، موردا أسماء شيوخ عرفوا بها وأسر تجارية شهيرة ساهمت في الحركة التجارية بين مدن المغرب والسودان الغربي.

وتوقفت الدراسة عند دور شخصيتين في التواصل المغربي الإفريقي، أولهما بلعراف التكني، وليد كلميم، الذي كان تاجرا ومثقفا “ساهم في الحياة الفكرية لإفريقيا الغربية”، وانتهى به المطاف “في تنبكتو مشتغلا بالإفتاء والتأليف وتجارة الكتب التي كان يقتنيها عن طريق نُساخ يبعث بهم إلى مختلف البلدان الإفريقية قصد نسخ الكتب النفيسة، أو عن طريق استيرادها من دور النشر والتجار المتخصصين في كل من المغرب ولبنان وتونس والسنغال ومالي ونيجيريا وجهات أخرى، ليصبح أهم كُتُبي في تنبكتو على امتداد نصف قرن، وضمت خزانته الشخصية سنة 1945 ما يقارب من 6039 كتابا، و2075 مخطوطا”.

وثاني الشخصيتين محمد باهي حرمة، الذي كان “من الصحفيين العرب والأفارقة الذين ذاع صيتهم في النصف الثاني من القرن العشرين، نظرا لاهتماماته ورحلاته وعلاقاته المتشعبة مع الساسة والقادة والمفكرين”، وخصص “جزءا هاما من مقالاته لواقع إفريقيا في ظل الاستعمار، ومسارات حركات التحرر الوطني، ومشاريع الوحدة والمنظمات والهيئات السياسية بعد الاستقلال”.

ومن بين ما تذكر به الدراسة من كتابات باهي سلسلة نبه فيها إلى “ما سمي بإحداث الجامعة الفرنسية الإفريقية التي ليست إلا لونا جديدا من أساليب الاستعمار الطامع في تركيز نفوذه، ووضع حواجز أمام أي اتحاد عربي كان أو زنجي”، مع تنبيهه إلى “مشكلة انخراط السياسيين الأفارقة في التآمر على مطامح الشعوب التحررية والوحدوية بعيدا عن التبعية للاستعمار، الذي عمل على تقسيم الأقطار إلى مجموعات جغرافية وإدارية وسياسية مستقلة مكنته من الاستئثار بكافة الامتيازات داخلها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى