المؤرخ أفا يصون ذاكرة “معهد تارودانت”

صيانةٌ لذاكرة معهد محمد الخامس بتارودانت، منذ الاستقلال سنة 1956 إلى سنة 2005، تحضر في كتاب جديد أشرف على إنجازه المؤرخ عمر أفا.

هذا المعهد، الذي من بين أعلامه الأديب والفقيه والمؤرخ والوزير المختار السوسي، خرّج أطرا عديدة في مغرب حديث العهد بالاستقلال السياسي، وكان شاهدا على معاركها المرتبطة بالتعليم ومسالكه ورؤى المغرب الممكن، حصر أفا أساتذته، المغاربة وغير المغاربة، خلال ما يقرب من نصف قرن، مقدما تراجمهم، الضامة لمسارهم وما أثر في شخصيتهم، وكتاباتهم، ودورهم داخل المعهد.

إعلان

المؤلف، المعنون بـ”الكتاب التذكاري لأساتذة معهد محمد الخامس بتارودانت 1956 – 2005″، يقف أيضا عند كيفية التعليم بالمعهد، وصفات أساتذته وطلبته، ويقسمه أعلامه بين لوائح عديدة.

وسجل عمر أفا، في تصدير هذا الكتاب، أن “تراجم الرجال معيار لتقويم حضارة الأمة، عزيزةٌ في مادتها، ساميةٌ في مدلولاتها”؛ وهو ما سلك في سبيل إعدادهِ الباحثُ مسلك أخذ المعرفة من أفواه أصحابها، ومن عاصرهم، روايةً، أو من ملفاتهم الإدارية، أو مذكراتهم المخطوطة والمطبوعة.

الأستاذ الجامعي، الذي كان من طلبة المعهد، أورد، في مقدمة مؤلفه، شهادة قال فيها: “المعهد أسِّس على القرآن ترتيلا وتفسيرا ودراسة، إلى جانب دراسة مختلف الفنون والعلوم، فيوم أن جئت طالبا إلى هذا المعهد في أكتوبر من سنة 1956، مع أفواج هائلة من الطلبة، جاءت من كل حدب وصوب، من مختلف الأنحاء والقبائل، جلست متهيبا أمام لجنة من الأساتذة، فسألوني عن حفظ القرآن وعن حفظ بعض المتون”.

وتابع: “كان دويّ قراءة القرآن يجلجل في ردهات الجامع الكبير بتارودانت بأصوات ألف طالب، في الأصباح والأمساء، وكأنه رمز يعلن ظهور حدثٍ جديد في سماء هذه المدينة، إنه ميلاد المعهد، هذا الحدث الذي نفتخر اليوم بإسهامه في بناء جانب من حضارة بلادنا، بما نشره من قيم، وبما كوّنه من أطر ذات كفاءة مشهود لها بالاقتدار محليا ووطنيا وفي كثير من بلاد العالم”.

وسجل أفا أن القصد من هذا التأليف “ترسيخ ثقافة الاعتراف لما لأساتذة المعهد الإسلامي / معهد محمد الخامس من دور فعّال في تنشئة الشباب وتثقيفه، وتكوين رجال تشبعوا بالوطنية الحق، وبروح العقيدة وسُموّ الأخلاق فساهموا بعد تخرجهم من هذه المؤسسة كأطر في بناء كثير من مرافق المجتمع المغربي”.

وأكبر الأكاديمي والمؤرخ كون العلاقة التي ربطت الأساتذة وطلابهم بالمعهد كانت مبنية على “الاهتمام بالعِلم للعِلم وليس للمال، فلا الأساتذة متهافتون على سلاليم الترقية، ولا الطلبة منشغلون بهم المنح الدراسية”، فضلا عن تشبع الأساتذة بـ”التواضع والشفافية والكرم”؛ فقد كانوا “يعرفون أسماء الطلبة وأصولهم ومواطن قبائلهم، وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، وتوثقت علاقة التعارف بينهم، فبادلهم الطلاب الإكبار والتقدير في موقع القدوة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى