الملك يقرع جرس الإنذار بشأن عراقيل الاستثمار ويضع “محاربة الريع” أولوية

“أخطر ما يواجه تنمية البلاد والنهوض بالاستثمارات، هي العراقيل المقصودة، التي يهدف أصحابها لتحقيق أرباح شخصية وخدمة مصالحهم الخاصة. وهو ما يجب محاربته”؛ هذا المقتطف من الخطاب الملكي في عيد العرش 2022 ليس من باب “الكلام العابر” أو الاعتباط، بل جاء قويا بمنسوب عالٍ من الوضوح والشفافية على لسان “أعلى سلطة في المملكة” كي يقرع جرس الإنذار بشأن “معيقات الاستثمار وعرقلة مساطره”، التي قد تعترض طريق رؤوس الأموال المغربية كما الأجنبية الراغبة في حط رحالها الاستثمارية بالمغرب.

الدعوة الملكية جاءت هذه المرة واضحة بالقدر نفسه الذي تميزت به خطابات الأعوام الماضية، حاملة نبرة أقوى، حيث دعا الملك محمد السادس “الحكومة والأوساط السياسية والاقتصادية للعمل على تسهيل جلب الاستثمارات الأجنبية، التي تختار بلادنا في هذه الظروف العالمية، وإزالة العراقيل أمامها”.

إعلان

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتوجه فيها الملك بـ”سِهام النقد واللوم” إلى الفاعلين (العموميين والخواص) في صناعة ووضع السياسات وتنفيذها في عديد القطاعات؛ إذ سبق لخطابه بالمناسبة ذاتها في عيد العرش لعام 2018 أن طالب بـ”الإسراع في إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وإصدار ميثاق اللاتمركز الإداري وإعادة النظر في منظومة برامج الدعم الاجتماعي”.

وتواتر موضوع الاستثمار ومثبطاته أكثر من مرة في خطابات الملك؛ إذ سبق أن تحدّث بدقة ووضوح عن “جزئيات التنظيم والتشريع فيما يتعلق بملفات الاستثمار”، ملفتا الانتباه إلى ضرورة “تحديد آجال الإجابة عن مطالب المستثمرين”، التي حددها حينها خطاب العرش في مدة شهر. كما تناول الخطاب ذاته (2018) بشكل دقيق ملف الاستثمار وضرورة مواكبة المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تشكل 95 في المائة من النسيج المقاولاتي الاستثماري بالمغرب.

وهي خُطب قوية ما فتئت تضع السلطتيْن التنفيذية والتشريعية (الحكومة والبرلمان) تحت الضغط، فارضة عليهما “أجندة زمنية صارمة” تهم قضايا تفرض نفسها بإلحاح، مع توالي السنوات ومطالب المواطنين المغاربة بربط العمل الجاد بنتائج ملموسة على صعيد “ثمار التنمية” وتقسيمها العادل مجاليا.

ومقابل إشادة ملكية بـ”تضافر جهود الدولة والقطاعين العام والخاص، لكي يتَمكّن الاقتصاد الوطني من الصمود في وجه الأزمات والتقلبات”، محققا “نتائج إيجابية، في مختلف القطاعات الإنتاجية”، أوصى الملك بـ”التحلي بالتفاؤل مع التركيز على نقط القوة”، داعيا إلى ضرورة أن ينصَبّ “العمل على الاستفادة من الفرص والآفاق التي تفتحها هذه التحولات، لاسيما في مجال جلب الاستثمارات، وتحفيز الصادرات، والنهوض بالمنتوج الوطني”.

بنك المغرب ينبّه إلى الرشوة

ويتزامن حديث الخطاب الملكي عن معيقات الاستثمار مع ما قدّمه عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، في التقرير السنوي لعام 2021 أمام الملك، معتبرا أن “تفشي الرشوة يبقى أحد مظاهر العجز البنيوي الذي يعاني منه المغرب، والذي يتمثل في جودة الحكامة العمومية محليا ومركزيا”؛ وهي الخلاصة ذاتها التي توصّل إليها الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي، في حديث مع Alhayat24، واصفا الأمر بـ”المشكل العضوي في بنية نظام الاقتصاد السياسي بالمملكة”.

ونبّه الجواهري قائلا: “على الرغم من الإرادة والعزيمة والعديد من النصوص والتدابير والاستراتيجيات المعتمدة، لا يزال المغرب عاجزاً عن إحراز أي تقدم يذكر في هذا الشأن”.

امتيازات وإعفاءات ضريبية “غير ناجعة”

وفي تصريحه لAlhayat24، توقف أقصبي عند سياق تاريخي طويل بصم اعتماد الدولة على “امتيازات أو إعفاءات ضريبية مهمة لكنها غير ناجعة، كان تبريرها هو تشجيع الاستثمار وتبسيط الولوج إليه”؛ مشيرا إلى أنه “قبل اعتماد أول ميثاق للاستثمار في المغرب عام 1995 كانت هناك قوانين استثمارية حسب كل قطاع إنتاجي”. وأضاف أن نهاية الثمانينيات شهدت “انتقادا واضحا من طرف وزير المالية لهذه الإعفاءات وعدم جدواها؛ لكن اللوبيات كانت أقوى من إرادة الوزير لخفضها بنسبة 100 في المائة”.

وقدّر المتحدث ذاته أن هذه الحزمة من الإعفاءات التي تتضمنها قوانين المالية “تحرم خزينة المغرب من موارد كبيرة تصل إلى 30 مليار درهم”؛ وهو ما أقرّه البنك المركزي في التقرير السنوي المرفوع إلى الملك، موردا أن “تعزيز موارد ميزانية الدولة يتطلب توسيع القاعدة الضريبية باعتبارها أهم مصادرها، وهو هدف لا يزال التقدم المحرز في إنجازه بطيئاً ومستعصياً”.

وسجل التقرير أن “الإعفاءات المتعددة تحرم الدولة سنوياً من موارد تقارب 2,5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي”، موضحا أن الإبقاء على الإعفاءات الضريبية “يجب أن يكون مشروطاً بتقييم التكلفة مقابل الربح الاقتصادي والاجتماعي، وهو شرط مُلزِم مع دخول القانون الإطار للإصلاح الضريبي حيز التنفيذ”.

ولفت بنك المغرب الانتباه إلى أن هناك هوامش مالية يمكن أن تتوفر على مستوى إصلاح القطاع العمومي، الذي يتطلب اهتماماً أكبر قصد تسريع تنزيله وتحسين النجاعة التدبيرية للمقاولات والمؤسسات العمومية، مع “المساهمة بشكل أفضل في إطار دينامية الاستثمار”.

“محاباة وامتيازات” تؤسس للريع

بدوره، أثار عمر الكتاني، أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط، مسألة “طرُق منح رخص الاستثمار”، منتقدا ما وصفها بـ”ممارسات المحاباة والامتيازات التي تميز مسار معالجة بعض الملفات”.

الكتاني لم يتوانَ، في حديث سابق مع جريدة Alhayat24، بمناسبة مصادقة المجلس الوزاري الأخير (13 يوليوز) على ميثاق الاستثمار الجديد، عن وصف ما يقع بأنه “ريع وفساد يهدد أي مشروع طموح لإصلاح قطاع الاستثمار، كما أنه يُفقد المملكة نقطتيْن سنويا من نموها الاقتصادي”، مشددا على ضرورة “تفعيل الرقابة في مختلف مراحلها، مع إعمال الشفافية في هذه المساطر بغية عدم تضييع فرص النمو المتاحة”.

وأوصى الخبير الاقتصادي بـ”أخذ الدروس والعبَر من الأزمة الحالية، وكذا الاستفادة والانفتاح على تجارب وسياسات الاستثمار في دول آسيوية يتجاوز فيها النمو الاقتصادي 6 بالمائة، مما يؤسس لعملية إقلاع اقتصادي ملموس يوزع ثماره بشكل عادل على المواطنين”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى