الميثاق الجديد للاستثمار في المغرب .. رهانات كبيرة على رفع النمو الاقتصادي

يسجل المغرب نسبة استثمار مرتفعة مقارنة بعدد من الدول المتقدمة، لكن مردوديته تبقى ضعيفة وغير كافية لتحقيق نمو اقتصادي مرتفع من شأنه أن يعود بالنفع على المواطنين من خلال تحسين مستوى معيشتهم.

وتفيد المعطيات الرسمية لبنك المغرب بأن قيمة متوسط الاستثمار تناهز 32,2 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي ما بين سنتي 2000 و2019، مقابل 25,6 في المائة كمتوسط مسجل على المستوى العالمي.

إعلان

وتتجاوز نسبة الاستثمار من الناتج الداخلي الخام في المغرب تلك المسجلة في عدد من الدول، من بينها كوريا الجنوبية وتركيا وإسبانيا وفرنسا، إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبولندا والبرتغال والبرازيل ومصر.

وعلى الرغم من تجاوزه لهذه البلدان، يبقى تأثير الاستثمار في المغرب على خلق فرص الشغل ضعيفاً، حيث تشير معطيات بنك المغرب إلى أن كل نقطة من النمو كانت تخلق أكثر من 30 ألف منصب شغل سنوياً ما بين 2000 و2009، أما في الفترة 2010-2019 فقد انخفض المعدل بشكل كبير إلى أقل من 21 ألف منصب شغل.

المفارقة تكمن في كون نسبة الاستثمار في المغرب تعادل ما كانت تسجله الدول التي تسمى “التنانين الآسيوية” (سنغافورة وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية وتايوان) في فترة سابقة وتمكنت من تحقيق معجزات اقتصادية والتحقت بركب الدول الصاعدة، وهو ما لم يتحقق في المغرب بسبب ضعف مردودية الاستثمار.

استثمار عمومي كبير

منذ سنوات، تقوم الدولة بمجهود استثماري كبير للمساهمة في خلق دينامية اقتصادية وتوفير فرص الشغل، وقد خصصت الحكومة ضمن قانون مالية 2022 استثماراً عمومياً قدره 245 مليار درهم، مقابل 230 مليار درهم سنة 2021، و198 مليار درهم سنة 2020.

ويضم هذا الغلاف المالي من الاستثمار حصة ستنجزها الإدارات المركزية والمحلية، إضافة إلى المؤسسات والمقاولات العمومية.

وعموما، يمثل الاستثمار العمومي حوالي الثلثين من الاستثمار الإجمالي في المغرب، فيما تناهز حصة الاستثمار الخاص المنجز من طرف المقاولات حوالي 35 في المائة.

ويتميز النسيج المقاولاتي في المغرب بهيمنة المقاولات الصغيرة جدا والصغيرة والمتوسطة؛ بحيث لا يتجاوز رقم معاملات 92 في المائة منها 3 مليارات درهم. وتظل القدرة الاستثمارية لهذه المقاولات ضعيفة جدا؛ إذ لم تقم إلا 29 في المائة منها باستثمارات خلال سنوات 2016 و2017 و2018، فيما أنجزت 80 في المائة من المقاولات الكبرى استثمارات، وفق معطيات رسمية.

ويفسر البنك المركزي المغربي ضعف الاستثمار الخاص بمعيقات تقف أمام تطور المقاولات وإنجازها للاستثمار، أبرزها الفساد والضغط الضريبي ومنافسة القطاع غير المهيكل وصعوبات الولوج إلى التمويل البنكي.

ضعف الاستثمار الخاص

لماذا يحجم القطاع الخاص في المغرب عن الاستثمار؟ حملنا هذا السؤال إلى حكيم مراكشي، رئيس لجنة الضرائب والجمارك بالاتحاد العام لمقاولات المغرب، الذي أجاب بأن أهم سبب وراء ذلك، هو “ضعف تنافسية المقاولة المغربية”.

وذكر مراكشي، في تصريح لAlhayat24، أن ضعف تنافسية المقاولة المغربية يتجلى أساسا حين المقارنة مع المقاولة الأجنبية التي تتيح لها ظروف الاشتغال توفير منتوج بأقل تكلفة، ناهيك على العراقيل الإدارية التي ما زالت عالقة في منظومة الاستثمار في المملكة.

وترتبط المملكة باتفاقيات تبادل حر مع عدد من الدول، منها بلدان الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمكن المقاولات المغربية من الحصول على المواد الأولية دون أداء رسوم جمركية، لكن بأثمنة مرتفعة، وتبقى المواد الأولية القادمة من الصين أكثر تنافسية، لكنها غير مرتبطة بالمغرب باتفاق تبادل حر.

معطى آخر ذكره مراكشي، وهو الرئيس المدير العام لشركة “مغرب إندستري”، هو العبء الضريبي الذي يشمل كلا من الدخل والمادة الأولية والطاقة، ويتركز بالأساس في عدد محدود من الشركات الكبيرة، وقد سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن كشف أن 2 في المائة من المقاولات تدفع 80 في المائة من إجمالي الضريبة على الشركات.

وفي جل الاقتصادات العالمية، يتم الرهان كثيراً على المقاولات الصغيرة والمتوسطة للقيام باستثمارات تمكنها من التطور، وبالتالي خلق فرص شغل، لكن في المغرب أغلب الاستثمارات تقوم بها الشركات الكبرى، لكنها بدون مردودية كبيرة ولا تخلق فرصاً وافرة من الشغل.

توجهنا بالسؤال نفسه إلى عبد الله الفركي، رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغيرة والمتوسطة، الذي رد بأن “هناك فرصا كبيرة للاستثمار في المغرب، لكنها ليست مفتوحة للجميع”، كما أشار إلى أن المقاولات الصغيرة لا يتم إشراكها في النقاشات الحكومية ولا تتوفر على تمثيلية داخل المؤسسات الاستشارية والتقريرية لتقديم مقترحات وتوصيات.

وذكر الفركي، في تصريح لAlhayat24، وهو صاحب مقاولة متوسطة الحجم في العاصمة الرباط، أن استثمار القطاع الخاص يصطدم بإكراهات عدة، من بينها “صعوبة الولوج إلى التمويل والصفقات العمومية، إضافة إلى تأخر آجال أداء مستحقات المقاولات، سواء من طرف القطاع العام أو القطاع الخاص”.

ومع ذلك، قلل رئيس الكونفدرالية من أهمية هذه المعيقات، وقال إن مواجهتها ممكنة من خلال إتاحة الفرصة للمقاولات الصغيرة لإبراز صوتها خلال عدد من المحطات المهمة، على رأسها جلسات الحوار الاجتماعي مع النقابات وأرباب العمل، وطيلة مسار مناقشة قوانين المالية، وحين اعتماد المخططات التنموية القطاعية.

ولتحقيق هدف رفع حصة الاستثمار الخاص إلى الثلثين، يرى الفركي أن على “الدولة والقطاع الخاص تشكيل وحدة عمل متكاملة؛ بحيث لا يتم إقصاء العنصر الفاعل في النسيج المقاولاتي، أي فئة المقاولات الصغرى والصغيرة جدا والمتوسطة والمقاولين الذاتيين”.

وأكد المتحدث ضرورة إعمال المقاربة التشاركية في كل القوانين المتعلق بالمقاولة، وتوفير جميع الضمانات والمساعدات لها لتكون قادرة على الاستثمار وخوض المغامرة، وبالتالي خلق فرص الشغل والمساهمة في النمو الاقتصادي الوطني ومحاربة البطالة.

وفي نظر الخبير الاقتصادي محمد شيكر، فإن أغلب أرباب العمل في المغرب ليسوا مقاولين بالمفهوم المتعارف عليه عالميا، قائلا إن “لديهم منهجية ممتلكاتية” هدفها الرئيسي توسيع قدراتهم المالية وممتلكاتهم.

وأوضح شيكر، في تصريح لAlhayat24، إلى أن “المنهجية الممتلكاتية التي يعتمدها أغلب رجال الأعمال في المغرب تقوم على تعدد الأنشطة الاقتصادية، وحين يواجهون مشكلة مالية في المقاولة يختارون إعلان التصفية كحل أول”.

وقال الخبير الاقتصادي ذاته إن فئة من المقاولين لا ترغب في الاستثمار تجنبا لأداء ضرائب أعلى، وهو ما يتجلى في خلاصات عدد من الدراسات الرسمية التي تؤكد إحجام المقاولات على خطط توسيع وتنويع النشاط لخلق قيمة مضافة.

ويبقى من الأهمية مراجعة النظام الضريبي المفروض على المقاولات وتعزيز المبادرة المقاولاتية الخلاقة، الهادف إلى خلق قيمة مضافة وفرص الشغل أكبر من خلال الاستثمار في المجالات الحديثة التي برزت في عصرنا الحالي.

الميثاق الجديد للاستثمار

في 13 يوليوز الجاري، صادق المجلس الوزاري، برئاسة الملك محمد السادس، على مشروع القانون-الإطار بمثابة ميثاق الاستثمار بأهداف عدة، منها الرفع من آثار عملية الاستثمار، لاسيما فيما يتعلق بخلق فرص الشغل القار، وتقليص الفوارق بين الأقاليم والعمالات في جلب الاستثمارات.

وتراهن الدولة من خلال هذا الميثاق على رفع حصة الاستثمار الخاص لتبلغ ثلثي الاستثمار الإجمالي في أفق 2035، كما يتوخى الميثاق توجيه الاستثمار نحو القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية، وتحقيق التنمية المستدامة، إضافة إلى تعزيز جاذبية المملكة وجعلها قطبا قاريا ودوليا في مجال الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وكذا تحسين مناخ الأعمال وتسهيل عملية الاستثمار، والرفع من مساهمة الاستثمار الخاص الوطني والأجنبي.

ولتحقيق هذه الأهداف، سيتم بموجب الميثاق، بعد المصادقة النهائية عليه من طرف البرلمان، وضع آلية دعم أساسية للمشاريع الاستراتيجية، وثلاث آليات خاصة لدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وللمقاولات المغربية التي تتوخى تطوير قدراتها على المستوى الدولي.

وكان الملك محمد السادس قد ترأس، منتصف شهر فبراير، جلسة عمل مخصصة لعرض مضامين هذا الميثاق التي تتمحور أساسا حول تدابير رئيسية للدعم، أبرزها تخصيص تعويض مجالي إضافي يروم تشجيع الاستثمار في الأقاليم الأكثر هشاشة، وتعويض قطاعي إضافي يمنح تحفيزات بهدف إنعاش القطاعات الواعدة.

والهدف من التعويض المجالي هو تعبئة الاستثمارات في كل جهات المملكة والخروج من التمركز الذي تعرفه الاستثمارات حاليا في محور طنجة-الدار البيضاء، فيما يسعى التعويض القطاعي لتشجيع القطاع الخاص للاستثمار في المجالات الجديدة ذات القيمة المضافة على المستوى العالمي، مثل الطاقات المتجددة.

وينص مشروع الميثاق أيضا على اتخاذ إجراءات للدعم خاصة بالمشاريع ذات الطابع الاستراتيجي، من قبيل صناعات الدفاع والصناعة الصيدلانية، كما سيولي أهمية لدعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، والنهوض بالاستثمارات المغربية بالخارج.

رهان رفع النمو الاقتصادي

يعلق رجال الأعمال المغاربة آمالا عريضة على الميثاق الجديد لتجاوز المعيقات التي تقف عقبة أمام تطور الاستثمار الخاص؛ إذ من شأنه تخفيف الضغط على المالية العمومية، خصوصا في الظرفية الحالية المتسمة بسياق دولي مضطرب نتج عنه ارتفاع في أسعار المواد الأساسية.

ويراهن المغرب على رفع حصة الاستثمار الخاص لتوفير هوامش مالية على مستوى الميزانية العامة للدولة وتوجيهها نحو نفقات ذات أهمية كبرى، على رأسها تأهيل القطاعات الاجتماعية ودعم القدرة الشرائية للمواطنين.

ويرى حكيم مراكشي أن الميثاق الجديد للاستثمار يأتي بعد محطتين مهمتين في المغرب؛ أولاهما صدور النموذج التنموي الجديد الذي أعدته لجنة ملكية وهدفه رفع وتيرة النمو الاقتصادي، والثانية الشروع في تنفيذ القانون الإطار المتعلق بالإصلاح الضريبي، وقال بهذا الخصوص إن “هذه الإصلاحات الثلاثة تمثل حجر الأساس للنهوض بالاقتصاد المغربي وجعل نموه أكثر شمولا واستدامة”.

وشدد الفاعل الاقتصادي على أن الميثاق الجديد للاستثمار لوحده لن يحقق المبتغى في رفع حصة الاستثمار الخاص، موردا أن تنزيله يجب أن يكون بموازاة تنفيذ إصلاحات أخرى تهم الإدارة العمومية ومدونة الشغل ومناخ الأعمال.

واقترح عبد الله الفركي، رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغيرة والمتوسطة، تضمين الميثاق الجديد للاستثمار مقتضيات تنص على إحداث مناطق صناعية خاصة بالمقاولات الصغيرة جدا وتوفير عقارات داخل المناطق الصناعية الكبيرة لتتمكن المقاولات الصغيرة من العمل بجوار المقاولات والمعامل الكبرى.

وشدد الفركي على أهمية وضرورة اعتماد آليات جديدة للتمويل لفائدة المقاولات لدى المؤسسات البنكية، وتقليل الضمانات المطلوبة، والتعامل بسلاسة مع حاملي المشاريع ودعمها في السنوات الأولى من عمر المقاولة لتجنب مصير الإفلاس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى