“القيادات الحزبية” في المغرب تتأرجح بين خلود الزعيم وتجديد ولايات الرئيس

قال الباحث السياسي محمد شقير إنه “أصبح من الشائع ترقب إعادة تجديد ولاية الأمناء العامين لقيادة تنظيماتهم الحزبية على الرغم من التصريحات التي يدلون بها حول ضرورة تنحيهم عن منصب قيادة هذه التنظيمات، وانعكس ذلك خاصة في أحزاب تنتمي إلى تيارات إيديولوجية خاصة”.

وأضاف شقير أن “الحقل الحزبي عرف، منذ بداية تبلوره في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين، هيمنة قيادات حزبية ذات مواصفات شخصية وسياسية على رئاسة مختلف التنظيمات الحزبية التي ظهرت آنذاك”، مشيرا، في سياق آخر، إلى أنه، “في إطار احتدام الصراع بين المؤسسة الملكية وأحزاب المعارضة، استغل الملك الراحل الحسن الثاني الانفتاح السياسي الذي عرفه النظام في منتصف سبعينيات القرن العشرين، للعمل على تشجيع خلق أحزاب جديدة تمكنه من الحصول على أطر سياسية وحزبية”.

إعلان

وتطرق محمد شقير، في مقال له بعنوان “القيادات الحزبية بالمغرب بين خلود الزعيم وتجديد ولايات الرئيس”، إلى مجموعة من الجوانب المرتبطة بـ”خلود الزعيم على رأس قيادة الحزب”، و”الانقلاب على الزعيم الحزبي”، و”تجديد ولايات رئيس الحزب”، قبل أن يختم مقاله بالإشارة إلى أن “باستثناء حزب الاستقلال الذي خصص مجلسا لحكماء الحزب، والحركة الشعبية التي خصصت وضع المؤسس لشخصية المحجوبي أحرضان في انتظار أن يلحق به الأمين العام الحالي امحند العنصر، فما زالت جل الأحزاب بالمغرب لا تولي لهذا الأمر كبير اهتمام، خاصة في ظل الشخصنة التي ما زالت تشكل الأرضية الفكرية والسلوكية والتنظيمية لجل الأحزاب”.

هذا نص المقال:

أصبح من الشائع ترقب إعادة تجديد ولاية الأمناء العامين لقيادة تنظيماتهم الحزبية، على الرغم من التصريحات التي يدلون بها حول ضرورة تنحيهم عن منصب قيادة هذه التنظيمات. وقد انعكس ذلك خاصة في أحزاب تنتمي إلى تيارات إيديولوجية خاصة، حيث تابع الرأي العام الداخلي كيف تمت إعادة تجديد الثقة في عبد الإله بنكيران، الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، رغم تسلمه لمعاشه السياسي. كما تمت إعادة إدريس لشكر على رأس أحد أعرق الأحزاب اليسارية لولاية ثالثة، بعد تعديل المادة التي حددت فترة رئاسة الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في ولايتين. في حين ينتظر أن يعاد انتخاب السيد محمد نبيل بن عبد الله لرئاسة حزب التقدم والاشتراكية لولاية ثالثة. مما يثير التساؤل عن أسباب ظاهرة إعادة تجديد ولايات رؤساء بعض الأحزاب التي أصبحت ظاهرة لافتة للنظر بعد تكرارها بين صفوف أحزاب كالحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية لينضاف إليها حزب العدالة والتنمية بصيغة مغايرة وإن كانت مشابهة.

خلود الزعيم على رأس قيادة الحزب

عرف الحقل الحزبي، منذ بداية تبلوره في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين، هيمنة قيادات حزبية ذات مواصفات شخصية وسياسية على رئاسة مختلف التنظيمات الحزبية التي ظهرت آنذاك؛ فقد ترأس الزعيم علال الفاسي حزب الاستقلال حتى وفاته ببوخارست، وترأس محمد بلحسن الوزاني حزب الشورى والاستقلال، وعبد الرحيم بوعبيد ككاتب أول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وعلي يعته كسكرتير عام لحزب التقدم والاشتراكية حتى وافاتهم المنية… ليطرح تساؤل كبير حول ترسب هذه الظاهرة في الهيكلة التنظيمية للأحزاب المغربية وترسخها ضمن الثقافة السياسية وسلوكات النخب الحزبية بالمغرب.

وبالتالي، يمكن إرجاع تجذرها إلى تأثر النسق الحزبي بطبيعة نظام الحكم في المغرب الذي يقوم بالأساس على نظام الوراثة والتوريث وثقافيا على ترسبات علاقات الشيخ بالمريد، بالإضافة إلى فترات الصراع السياسي سواء تلك التي شملت الصراع ضد سلطات الحماية أو تلك التي همت مواجهة سلطات الاستقلال والتي كرست زعامات حزبية استأثرت بالقيادة الحزبية إلى أن وافاها أجلها المحتوم؛ ذلك أن الصراع الذي احتدم بين الفرقاء السياسيين، طيلة عقود الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات من القرن العشرين، قد أدى إلى اعتقالات ومحاكمات عديدة؛ وهو ما سمح لهذه القيادات بأن تتصدر الدفاع عن المعارضين السياسيين ومؤازرتهم، فالكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المرحوم عبد الرحيم بوعبيد، والأمين السابق لحزب الاستقلال محمد بوستة،…

كلهم ساهموا في جل المحاكمات السياسية الكبرى التي عرفها المغرب في هذه المرحلة، مما أكسب هؤلاء رصيدا سياسيا عزز من حظوظهم في قيادة أحزابهم لمدة طويلة. كما يمكن أن نضيف إلى مختلف هذه الأسباب والعوامل التماهي السياسي والشخصي مع هذه القيادات؛ فقد منحت لهذا الجانب أهمية كبرى في اختيار الزعيم الحزبي وتكريس شرعية استمراره في رئاسة الحزب، إذ كان هناك نوع من التماهي بين الزعيم ومناضليه، أو بحسب تعبير عبد الله حمودي هناك تبعية للشيخ من طرف مريديه، حيث كانوا يجدون فيه انعكاسا لطموحاتهم السياسية والرمزية، بالإضافة إلى أنه كان بمثابة عنصر أساسي لوحدة الحزب وضامنا لاستمراريته.

الانقلاب على الزعيم الحزبي

في إطار احتدام الصراع بين المؤسسة الملكية وأحزاب المعارضة، استغل الملك الراحل الحسن الثاني الانفتاح السياسي الذي عرفه النظام في منتصف سبعينيات القرن العشرين، للعمل على تشجيع خلق أحزاب جديدة تمكنه من الحصول على أطر سياسية وحزبية.

وهكذا، تم تأسيس التجمع الوطني للأحرار بزعامة صهر الملك آنذاك السيد أحمد عصمان الذي أمد السلطة بالأطر التي كانت في حاجة إليها طيلة فترة نهاية السبعينيات, ليتم اللجوء بعد ذلك إلى تشكيل الاتحاد الدستوري بزعامة المعطي بوعبيد أحد القياديين السابقين للاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي زود النظام بمجموعة من الأطر التي ساهمت في تسيير الفترة السياسية والاقتصادية العصيبة التي مر بها المغرب طيلة فترة الثمانينيات من القرن الماضي، بسبب توالي سنوات الجفاف وارتفاع تكاليف حرب الصحراء وتداعيات سياسة التقويم الهيكلي وتنامي الحركات الاحتجاجية الشعبية.

وهكذا، شهدت المنظومة الحزبية بالمغرب صعود زعماء استمدوا شرعيتهم من قربهم من السلطة من جهة، ومما كان يوفرونه من مناصب وزارية أو إدارية للأطر والأعضاء المنتمين لأحزابهم.

لذا، فبمجرد ما كانوا يفقدون علاقاتهم مع محيط السلطة، أو يفشلون في الحصول على مناصب لأطر الأحزاب التي يتزعمونها إلا ويفقدون شرعيتهم وسلطتهم داخل هذه الأحزاب. وفي هذا السياق، تمت الإطاحة بالمحجوبي أحرضان من رئاسة الحركة الشعبية، بإيعاز من شخصيات كانت تدور في فلك المؤسسة الملكية والتي كان من أهمها المستشار الراحل رضى كديرة الذي سعى نظرا لخصومات شخصية وخلافات سابقة مع أحرضان إلى دعم مدبري الانقلاب عليه مما اضطره إلى مغادرة البلاد والاستقرار بإسبانيا لفترة معينة، حتى حظي باستقبال الملك الراحل الحسن الثاني، الذي سهل له العودة إلى خضم المعترك الحزبي ليؤسس حزبا جديدا دعي بالحركة الشعبية الوطنية.

كما تمت تنحية رئيس التجمع الوطني للأحرار السيد أحمد عصمان، صديق الملك الراحل الحسن الثاني وصهره، من خلال انتخاب مصطفى عكاشة الذي عوض بعد وفاته بمصطفى المنصوري الذي لم يعمر طويلا بسبب الانقلاب عليه من طرف صلاح الدين مزوار وزير الاقتصاد والمالية السابق.

تجديد ولايات رئيس الحزب

شكلت شيخوخة القيادات الحزبية، بالإضافة إلى عدم انتظام انعقاد المؤتمرات الوطنية، أحد مظاهر أزمة المشهد الحزبي بالمغرب؛ فقد واجه الملك محمد السادس، في بداية حكمه، نخبة قيادات حزبية شائخة.

ولمعالجة هذا الوضع، تم العمل على إصدار قانون الأحزاب، الذي كان الغرض منه إخضاع الأحزاب للزمنية الديمقراطية في مسألة انعقاد المؤتمرات، والتداول السلس للقيادات الحزبية. وبالتالي، فإذا كانت المادة 49 من هذا القانون التي نصت على ضرورة أن يعقد كل “حزب سياسي مؤتمره الوطني على الأقل مرة كل أربع سنوات، وفي حالة عدم عقده خلال هذه المدة يفقد حقه في الاستفادة من التمويل العمومي، ويسترجع هذا الحق ابتداء من تاريخ تسوية وضعيته” قد ساهمت في مبادرة جل الأحزاب إلى تنظيم مؤتمراتها في الآجال المحددة مكسرة حالة الجمود التنظيمي التي كانت تعرفه هياكل هذه الأحزاب طيلة عقود وكرست خلود الأمناء العامين في مناصبهم القيادية، فإن خلو هذا القانون من أية إشارة أو صيغة لتحديد فترة رئاسة الأحزاب في ولايات محدودة أدى إلى ظاهرة تجديد الأمناء العامين لبعض الأحزاب لفترات ولاياتهم.

الأمين العام للحركة الشعبية امحند العنصر حافظ على رئاسته لهذا التنظيم لأكثر من 32 سنة، أي بمعدل تسع ولايات متتالية؛ في حين تم انتخاب الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إدريس لشكر لولاية ثالثة، بعدما تم تعديل النظام الداخلي الذي تحدد أحد مواده فترة رئاسة هذا الحزب في ولايتين. وعلى النهج نفسه سار الأمين العام الحالي لحزب التقدم والاشتراكية بشكل يذكر بما قام به التهامي الخياري، القيادي السابق لهذا الحزب والأمين العام الأسبق لجبهة القوى الديمقراطية، حيث بقي هذا الأخير أمينا عاما للجبهة حتى وفاته على الرغم من أن القانون الداخلي حدد مدة رئاسة الحزب في ولايتين.

بالإضافة إلى هذا المعطى القانوني، فهناك عوامل أخرى ساهمت بشكل كبير في تسهيل استمرار هذه الظاهرة، تتمثل بالأساس في أن الصلاحيات الكبرى الممنوحة للأمين العام تؤدي عادة إلى تكريس شخصنة الحزب الذي يصبح أعضاؤه مرتبطين بشخصية الرئيس بكل مواصفاتها وسلوكياتها وظهورها الإعلامي.

كما أن ضعف آليات الديمقراطية الداخلية أو عدم تجذرها داخل أغلب التنظيمات الحزبية يؤدي عادة إلى تغليب المنطق الصدامي داخل القيادات الحزبية؛ فعدم توفر الأحزاب على آليات لحسم الصراعات والتنافسات حول القيادة تدفع برؤساء الأحزاب إلى إبعاد منافسيهم وطردهم من الحزب، الشيء الذي يفسر لجوء بعض الأمناء إلى مواقع التواصل الاجتماعي لحشد “الأنصار” المعارضين للسياسات المنتهجة من لدن القيادات الممسكة بزمام الأمانة العامة. فعوض أن تشكل اجتماعات المؤتمرات الحزبية إطارا لتجسيد الديمقراطية الداخلية وتقوية البنيات التنظيمية للأحزاب السياسية، فقد تحولت إلى مجال لتصفية الحسابات وبروز الصراعات الداخلية والاصطفاف حول الزعامات. كما تفتقد الثقافة السياسية، بما فيها الحزبية، “فكرة التقاعد السياسي” التي تعتبر فكرة غائبة تماما في المشهد الحزبي.

ولا أدل على ذلك ما يقع داخل الأحزاب، على الرغم من وجود إشارات بإبعاد بعض البروفايلات السابقة التي وسمت مرحلة زمنية معينة من تاريخ المغرب؛ لكنها ما زالت تتشبث بالرجوع إلى واجهة النقاش العمومي”.

ولعل محاولات حميد شباط، الأمين العام السابق لحزب الاستقلال، العودة بقوة إلى الحياة السياسية بعد منفاه بتركيا والانضمام إلى جبهة القوى الديمقراطية قبل أن يتم طرده من طرف قيادة هذا الحزب، وانتخاب رئيس الحكومة السابق بنكيران أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية رغم تسلمه معاشا سياسيا من طرف الدولة يعكس بشكل لافت عدم تشبع القياديين الحزبيين بهذه الثقافة، خاصة أن جل الأحزاب لم تبدع إلى حد الآن أوضاعا اعتبارية أو تنظيمية لرؤسائها وقيادييها السابقين.

وباستثناء حزب الاستقلال الذي خصص مجلسا لحكماء الحزب يضم قيادات سابقة كالدويري وبوستة وأبي بكر القادري وغيرهم، والحركة الشعبية التي خصصت وضع المؤسس لشخصية المحجوبي أحرضان في انتظار أن يلحق به الأمين العام الحالي العنصر، فما زالت جل الأحزاب بالمغرب لا تولي لهذا الأمر كبير اهتمام، خاصة في ظل الشخصنة التي ما زالت تشكل الأرضية الفكرية والسلوكية والتنظيمية لجل الأحزاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى