“كتاب بديع” حول “فن الروايس” يجمع بين متعة العين وذوق المعرفة

أصدر إبراهيم المزند كتابا بديعا un beau livre حول فن الروايس في طبعة فاخرة من أربعمائة صفحة، وهو الأول من نوعه مقارنة بكل الكتب التي سبقته في هذا المجال، كتاب بجودة عالية سواء من حيث الورق أو الصور، إضافة إلى معطيات علمية مركزة ومفيدة. ولهذا، فهو يجمع بين متعة العين ومتعة الفكر والمعرفة.

ويأتي الكتاب الجديد بعد أزيد من عام من صدور “أنطولوجيا الروايس”، التي هي عبارة عن ألبومات موسيقية تجمع ثلة من الأغاني الخالدة في تراث هذا الفن العريق، أشرف عليها إبراهيم المزند.

إعلان

يمثل الكتاب الجديد رحلة على امتداد أزيد من قرن من تاريخ هذا الفن الغني، الذي يتمتع بجاذبية وحيوية كبيرتين. كما يمثل تكريما لوجوه وشخصيات فنية من الرجال والنساء؛ بعضها شهير، وبعضها مغمور، على الرغم من أهميته ودوره الحاسم في تطوير هذا الفن.

لم يكتف الكتاب بتقديم معطيات حول فن الروايس ورواده؛ بل رسم كذلك مسار تطوره الذي يعكس أيضا مسار تطور مجتمع وبنيات وعي في سياق مسلسل التحديث الذي عرفه المغرب منذ بداية القرن الماضي، حيث عكست أغاني الروايس توترات المرحلة ومُجمل التحولات المجتمعية والتطور التقني والمعماري الكبير الذي غيّر المغرب وجعله يتجه وجهة أخرى غير مسبوقة في ماضيه التاريخي.

وإذا كان الكتاب قد أبرز الكثير من المعطيات المتعلقة ببدايات هذا الفن وجذوره، فإنه اهتم بما لحقه من تحولات أدت إليها تأثيرات محيطه في الوسط الحضري على الخصوص؛ وهي تحولات مست قواعد هذا الفن وأشكاله، سواء في اللباس أو الآلات الموسيقية أو طرق الغناء والعزف والرقص ونظم الشعر، إضافة إلى طقوس الممارسة الفنية ومدارسها وتقاليدها وفضاءاتها في المدن والبوادي.

اعتمد الكتاب، في المعطيات التي أوردها، الكثير من الوثائق والنصوص التي كتبت في عهد الحماية وما بعدها. كما استند بشكل كبير إلى الرواية الشفوية المستقاة من ذاكرة رواد فن الروايس، متوخيا الدقة في التحري وإيراد الأخبار، ومعتمدا ترجيح الرواية الأكثر منطقية وقربا من الواقع عند تضارب الروايات وتعارضها.

إلى جانب ذلك، تناول الكتاب العديد من الإشكاليات ذات الصلة بفن الروايس؛ ومنها إشكالية التثاقف مع الفنون الأجنبية، وموضوع نقل الخبرات من جيل إلى جيل، وتكيف الروايس من السياقات الجديدة، وكذا تدبير التوازن بين الدين والدنيا، بين المقدس والحرية، حيث أبرز مكانة الدين في ثقافة الروايس وعلاقتهم بالزوايا وبالمعتقدات الشعبية الأسطورية المتداولة في أوساطهم، مما يبرز وجود منظور ثقافي منفتح يحترم المعتقد الديني دون أن يبخس الفن حقه.

ولم يغفل الكتاب إشكالية الوضع الاعتباري للفنانين الروايس، حيث تناول معاناتهم وأوضاعهم الاجتماعية وشعورهم المأساوي بالتهميش، إلى جانب طموحهم في السياق المعاصر إلى تأمين حياة كريمة عبر ضمان حقوقهم وموارد عيشهم بالوسائل الحديثة.

يشعر قارئ الكتاب بوجود قلق مشوب بالأمل يكتنف صفحاته؛ قلق وخوف من التلاشي والاندثار الذي يهدد كل الفنون التقليدية وسط زحف العولمة والتحديات الكونية الجديدة، وأمل في الانبعاث والاستمرار بإيجاد موارد جديدة ونفس مُتجدد وأشكالا مبدعة لاستثمار الوهج الفني لـ”تيرويسا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى