أفلام مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية.. القارة السمراء “من يد مستغل إلى آخر”

تحدث الناقد المغربي محمد بنعزيز عن “استغلال أفريقيا” انطلاقا من فيلم طعم أرضنا (A taste of Our Land) (2020) للمخرج الرواندي الشاب يوهي أمولي (Yuhi Amuli)، وقال إن الفيلم بدأ بعمال أفارقة يحفرون أرضهم بأيديهم لنصب العلم الصيني في منجم الذهب، بعدها رفض الصيني قصير القامة مصافحة الإفريقي العملاق.

وأشار بنعزيز، في مقال له بعنوان: “(طعم أرضنا) و(الخيط الأبيض) في مهرجان خريبكة .. أفريقيا من يد مستغل إلى آخر”، إلى أن أفريقيا عاشت قبل هذا استغلالا مِن نوع أسوأ، عرَضه فيلم الخيط الأبيض (The White Line) (2019) للمخرجة الناميبية ديزيريه كاهيكوبو ميفريت (Desiree Kahikopo-Meiffret) التي قدمت فيلما له بنية دائرية، مضيفا أن المشهد الأخير يفسر المشهد الأول من حياة شخصيتين من عالمين متناقضين متصادمين، تتحدثان وخطوة خطوة تذوب الحواجز المصطنعة ليطفو الشرط الإنساني الذي يوحد البشر.

إعلان

وهذا نص المقال:

وصل مستغل جديد إلى أفريقيا في فيلم “طعم أرضنا” (A taste of Our Land) (2020) للمخرج الرواندي الشاب يوهي أمولي (Yuhi Amuli)، بدأ الفيلم بعمال أفارقة يحفرون أرضهم بأيديهم لنصب العلم الصيني في منجم الذهب، بعدها رفض الصيني قصير القامة مصافحة الأفريقي العملاق. السر في الاقتصاد لا في المساحة (مساحة أفريقيا هي ثلاثة أضعاف مساحة الصين).

عرض الفيلم ضمن مسابقة الأفلام الطويلة في الدورة الثانية والعشرين للمهرجان الدولي للسينما الأفريقية بخريبكة، المنعقدة بين 28 ماي و4 يونيو 2022. وقد كان الفيلم جزءا من الصورة عن الوضع في أفريقيا كما مثلتها أفلام طويلة تخييلية ووثائقية. هذه قارة تنتقل من استغلال إلى آخر… خادمات سوداوات في منازل البيض في ناميبيا زمن الفصل العنصري. عمال في منجم الذهب صينية في رواندا. أصحاب الأرض يكدحون والأجانب الغرباء يستمتعون، الشعوب تعي وضعها وتناضل بصعوبة لتغيير المعادلة.

صارت الصين هي اللاعب الأول في أفريقيا حاليا… والفريسة هي المناجم الأفريقية. من يسيطر على الذهب يسيطر على كل شيء. هذا هو مضمون آخر تقرير صحافي عن عصابات فاغنز الروسية في السودان في 2022. للتعبير بدقة عن هول الفجيعة وراهنتيها أعلن وزير الدفاع التشادي في 30-05-2022 عن مقتل 100 شخص في اشتباكات بين عمال مناجم الذهب شمال تشاد. هكذا يشتبك عنف السينما مع عنف الواقع.

كيف كان حال الفريسة الأفريقية؟

قبل هذا، عاشت أفريقيا استغلالا مِن نوع أسوأ، عرَضه فيلم الخيط الأبيض (The White Line) (2019) للمخرجة الناميبية ديزيريه كاهيكوبو ميفريت (Desiree Kahikopo-Meiffret) التي قدمت فيلما له بنية دائرية، المشهد الأخير يفسر المشهد الأول من حياة شخصيتين من عالمين متناقضين متصادمين، تتحدثان وخطوة خطوة تذوب الحواجز المصطنعة ليطفو الشرط الإنساني الذي يوحد البشر… في هذا الفيلم نرى شرطيا أبيض في بيته الكثير من الكتب، خادمة شابة سوداء تحب المطالعة في ناميبيا تحت الاحتلال الجنوب الأفريقي، هكذا تقوي الدراما التاريخية خط الدراما الشخصية في فيلم رومانسي تاريخي.

يستعيد الفيلم تاريخ التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، يظهر عنف النساء ضد النساء، في لقطة فنية فيها حركة كاميرا بان 360 بواسطة ترافلينغ دائري يتكرر… تمهيدا للحظة الصدام التي ستفجر الحِبكة طُرح تساؤل عنصري ساخر: كيف يمكن لعصفور أن يحب سمكة ويتزوجها؟

رسمت المخرجة الشابة شخصياتها بدقة، بناء الشخصية هو اشتغال على النفس البشرية. الشخصية كيان متكامل من الأفعال، يشحذ طموحها سلوكها… ظهرت في الفيلم الصلة بين حوافز الشخصية ومصيرها… رغم الفوارق الطبقية بين الشخصيتين فقد حسّنت المخرجة علاقة الشخصيتين تدريجيا، وحده الوصول لممارسة الحب أول مرة كان صعبا، بعدها صارت الطريق سالكة… وتتعزز العلاقة حين يكون هناك مشترك بين الحبيبين، وقد حصلت الممثلة جيرلي شارلين جازاما، التي قامت بالدور، على جائزة أحسن دور نسائي في المهرجان.

بينما فاز بطل فيلم “طعم أرضنا” (مخائيل وايو) بجائرة أفضل دور رجالي. يحتمل أن يكون أداء الممثلين هو السبب الرئيسي للكتابة عن هذين الفيلمين.

“الخيط الأبيض” فيلم رومانسي تاريخي في مديح الكتب التي تحرر عشاقها. يروي الفيلم زمنا طويلا، وكانت المخرجة مضطرة لتشير إلى مرور الزمن بكتابته مرارا على الشاشة. ويحتاج هذا الزمن إلى ديكورات مختلفة لا يعرضها الفيلم التاريخي. يظهر ضعف الميزانية في الألبسة والماكياج، لكن جودة الكتابة وتركيزها تغطي النقص المالي.

في الفيلم، تشحذ الكتب إرادة التحرر، تعيش الخادمة البؤس وتملك وعي البؤس. مكنتها الكتب من تجاوز وعي مستغلها لتفككه وتسخر منه.

يبرز فيلم “الخيط الأبيض” أن الكتب هي مصدر شرارة الوعي… فيلم في مديح الكتب، في اقتصاد السرد وفي سخاء التأثير العاطفي. والنتيجة أن الجمهور خرج سعيدا بعد مشاهدة الفيلم الذي كان مؤثرا نفسيا، اتضح أن الشعب يحب الرومانسية.

لم تكن النهاية سعيدة في فيلم “طعم أرضنا”، وهو عمل فني طموح محمل برسائل كثيرة. تجري الأحداث في منطقة جبلية، غابة ماء شلالات ذهب وفقر… تجليات ثراء البلد الأفريقي واضحة، لكن لا توجد عدالة توزيعية… يطلب العامل الأفريقي نسبة خمسين في المائة من نصيبه في أرضه… فيطل عليه الصيني من عل، وهو صيني متعجرف يصدمُ بريطانيا فقيرا يعرض خدماته. تطلب الزوجة الحامل من العامل بيع دراجته… يرفض. للدراجة حضور مستمر في الفيلم.

تعاني القارة من هيمنة الأجانب على خيراتها، يعيش الأفريقي فقيرا مهمشا في أرضه… يحتاج ليأكل لذا يقبل عقود الإذعان، لا منقذ له لأن الشرطة في خدمة المستغِل وليست في خدمة الشعب.

يفكك الفيلمان مظاهر الاستغلال في القارة الأفريقية… بالمقارنة بين المستغل الصيني والبريطاني… يبدو أن المستغل البريطاني أكثر إنسانية، هكذا تنتقل أفريقيا من استعمار إلى آخر… الوافد ثري وصاحب الأرض فقير… لم يعرف كيف يستغل أرضه… هكذا تجري حرب الذهب في أفريقيا… يضطر العامل ليسرق نصيبه… ليأكل.

يذكر فيلما “الخيط الأبيض” و”طعم أرضنا” بفيلم “ألف يد ويد” 1972 للمخرج المغربي سهيل بنبركة، حيث عمال النسيج وربة المعمل الفرنسية تستمتع بين زوج وعشيق بينما الفقراء يكدحون لها.

قدمت الأفلام القادمة من جنوب الصحراء الكبرى صورة مريعة عن أفريقيا، جفاف ومجاعات ودول فاشلة… تذكر هذه الأفلام بأغنية مجموعة ناس الغيوان عن أفريقيا:

يا الدم السايل

يا الورد الذابل

يا أم البلدان .. يا افريقيا

ضاع منك لامان .. يا افريقيا

فيك الغرب ينهب

في خيرك يحطب

في أولادك يهرب

بالجوع ولحزان .. يا افريقيا

الجوع ولحزان

ليام تنادي .. يا إفريقيا.

في هذا الوضع، ما هي البدائل أمام الشبيبة الأفريقية؟

جاء الجواب في الفيلم الكاميروني “bendskins” (2021) من إخراج نارسيس واندجي (Narcisse Wandji).

في ياوندي، هربًا من البطالة، يكسب العديد من الشباب الكاميرونيين معيشتهم كسائقي دراجات نارية.

يصور الفيلم نمط عيش ثلاثة شبان: ساني وماري وفرانك.

ساني شاب أفريقي فقير يحلم لو سماه والداه دينزل واشنطن، يعمل سائق دراجة لنقل الركاب في شوارع العاصمة الكاميرونية، لزيادة الدراما جاءت صديقة ساني وأخبرته أنها حامل، توقعت منه أن يفرح فقال لها إن هذا خبر كفيل بقتله، تستشير الشابة صديقتها هاتفيا بحثا عن الحل… في كل لقطة في الفيلم هاتف… تعيش الشبيبة حياتها افتراضيا لا واقعيا… يسرق الشاب هاتفا وتتصل به صاحبته…

نتابع الحياة في شوارع الكاميرون، تبدو كغابة، تعيش ثلاث شخصيات في أوضاع اجتماعية غير مستقرة… شابة حامل تواجه قلق من حولها بالزعم أن “كل طفل يولد ورزقه معه”، وجدت الحل… هل أهم رد فعل هو قبول الأمر الواقع؟

هكذا قدمت أفلام مهرجان خريبكة للسينما الأفريقية مقطعا طبوغرافيا للواقع الأفريقي في مختلف تجلياته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى