عدنان يقدم كتاب “هكذا تكلم كوكلر” .. حوار متشعب في الفلسفة والثقافات

قال الإعلامي ياسين عدنان إنه “حينما دعيت للمشاركة في أول أيام ثقافية مغربية بالنمسا ربيع 2008، ورد اسم كوكلر أمامي أول مرة، ثم أطلعني الصديق حميد لشهب على بعض أعماله، فأثار اهتمامي فكر الرجل ورؤيته المتضامنة مع العرب والمسلمين ليس لأسباب إيديولوجية، وإنما لاعتبارات فكرية قانونية إنسانية”.

وأضاف ياسين عدنان، في تقديمه لكتاب “هكذا تكلم كوكلر.. في الفلسفة والفكر وحوار الثقافات والسياسة العالمية”، أن “كوكلر انشغل بالتفكير الفلسفي في القضايا التي تطرحها العدالة الجنائية الدولية، مستثمرا تكوينه الفلسفي خصوصا في مجال الفلسفة القانونية وكذا تجربته الميدانية كناشط في العديد من مجموعات الخبراء التي تتعامل مع قضايا الديمقراطية الدولية وحقوق الإنسان والتنمية في أوروبا وأمريكا، إضافة إلى نشاطه في بعض اللجان التابعة للأمم المتحدة”.

إعلان

وقال عدنان إن “حميد لشهب أتاح لنا في هذا الكتاب، وعبر حوار متشعب عميق، أن نتعرف على المسار الشخصي والأكاديمي لكولكر، وأن ندنو من مداره الفكري والفلسفي، وأن نطل على تجربته الأممية الميدانية؛ وكلها مجالات تفيد القارئ العربي، سواء كان باحثا شابا شغوفا بالفلسفة راغبا في خلق تماس حي خلاق للفكر الفلسفي وروحه النقدية مع الواقع وقضايا المجتمع أو قارئا متطلعا لمواطنة كونية تؤمن العدالة للجميع”.

هذا نص التقديم:

حينما زار الفيلسوف النمساوي هانس كوكلر المغرب في أول تماس له مع العالم العربي سنة 1974، لم تكن النمسا، لا كلفظة ولا كدولة، قد خطرت ببال الطفل الأمازيغي حميد الذي كان يتابع دراسته حينها في القسم الخامس ابتدائي بمدرسة القرية. قرية مطماطة الصغيرة، التابعة لإقليم تازة شرقي مدينة فاس. كبر الطفل حميد وكبرت أحلامه وطموحاته وصارت له انشغالات فكرية وأكاديمية ستقوده إلى الفضاء الجرماني، النمسا تحديدا، وليس إلى الجامعات الفرنسية كما هو ديدن مواطنيه المغاربة. وهناك حضر الباحث المغربي الشاب ثلاث محاضرات قيمة حول الفينومينولوجيا قدمها كوكلر بجامعة إنزبروك. ومن يومها تحقق التواصل بين الفيلسوف النمساوي المنفتِح على جنوب الأرض، وابن مطماطة الذي حافظ دوما على الطفل الذي كانه. المحافظة على الطفل داخل الإنسان ليست أمرا متاحا للجميع، خصوصا أن صروف الدهر والأسفار والمعارف والأفكار والتجارب التي تعرك الرجال كثيرا ما تبعدنا عنه؛ لكن حميد لشهب آثر الالتصاق بطفل مطماطة القديم وبالطفولة عموما حتى في مساره الأكاديمي. هكذا، كان الطفل، وتحديدا فكرة الله عند الطفل، موضوع أطروحة الدكتوراه التي أعدها. ومرة أخرى سيظهر كوكلر في الصورة عضوا في لجنة المناقشة، خصوصا أن هذا الأخير كان من أوائل الفلاسفة الجرمان الذين اشتغلوا على فكرة الله عند هيدجر.

حينما دعيت إلى المشاركة في أول أيام ثقافية مغربية بالنمسا ربيع 2008، ورد اسم كوكلر أمامي أول مرة، ثم أطلعني الصديق حميد لشهب على بعض أعماله، فأثار اهتمامي فكر الرجل ورؤيته المتضامنة مع العرب والمسلمين ليس لأسباب إيديولوجية، وإنما لاعتبارات فكرية قانونية إنسانية. هكذا، سعيت إلى الاقتراب من مداره الفكري، فأجريت معه حوارا خاصا لمجلة “دبي الثقافية”. بعدها، سعدت بتقديم الفيلسوف النمساوي في لقاء مفتوح مع جمهور المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء عام 2009، احتفاء بصدور الترجمة العربية التي أنجزها الدكتور حميد لشهب لكتاب كوكلر القيم “تشنج العلاقة بين المسلمين والغرب.. الأسباب والحلول”.

فيما بعد، أتيح لي أن أطلع على ترجمتين أساسيتين من إنجاز حميد لشهب قربتا لي فكر الفيلسوف النمساوي، وهما “الشك ونقد المجتمع في فكر مارتن هيدجر”، ثم “هيدجر وريبة الكينونة”؛ لكن يبقى كتاب “العدالة الجنائية الدولية في مفترق الطرق.. عدالة عالمية أم انتقام شامل؟” – الذي أنجزه محمد جليد تحت إشراف حميد لشهب دائما – عمل كوكلر الأكثر تأثيرا علي كقارئ. فالكتاب فحص فلسفي نقدي لقانون العقوبات الدولية، يفضح انطلاقا من تحليل إبستمولوجي عميق الطريقة التي يفصل بها الغرب “الأسس القانونية” لعدالة دولية على المقاس، بِما يحفظ مصالحه. فالخلط بين القانون والسياسة وعدم فصل السلط في نظام العلاقات الدولية ورط النظام العالمي الجديد في توظيف القانون “للتهذيب السياسي”، وبالتالي فيما نسميه اليوم سياسة “الكيل بمكيالين” هو ما يطعن بشكل واضح في مصداقية هذا النظام الجديد وشرعيته؛ بل ويساهم في تهديد السلم العالمي والمصير المشترك للإنسانية. لذلك، سينشغل كوكلر بالتفكير الفلسفي في القضايا التي تطرحها العدالة الجنائية الدولية، مستثمرا تكوينه الفلسفي خصوصا في مجال الفلسفة القانونية وكذا تجربته الميدانية كناشط في العديد من مجموعات الخبراء التي تتعامل مع قضايا الديمقراطية الدولية وحقوق الإنسان والتنمية في أوروبا وأمريكا، إضافة إلى نشاطه في بعض اللجان التابعة للأمم المتحدة.

في هذا الكتاب، يتيح لنا حميد لشهب، عبر حوار متشعب عميق، أن نتعرف على المسار الشخصي والأكاديمي لكولكر، أن ندنو من مداره الفكري والفلسفي، وأن نطل على تجربته الأممية الميدانية. وكلها مجالات تفيد القارئ العربي: سواء كان باحثا شابا شغوفا بالفلسفة راغبا في خلق تماس حي خلاق للفكر الفلسفي وروحه النقدية مع الواقع وقضايا المجتمع، أو قارئا متطلعا لمواطنة كونية تؤمن العدالة للجميع؛ لكنه يحدس أن “سيادة القانون الدولي” عبارة مضللة ويريد الدليل على ذلك. كما أن من يستوطِنه الشعور بظلم تاريخي تعرض له العرب والمسلمون، في الزمن الاستعماري وما تلاه، طال كل قضاياهم العادلة بدءا بقضية فلسطين، سيجد فيه هو الآخر دلائل ملموسة على الطريقة التي تمت بها شرعنة هذا الظلم وتثبيته. كل هذا وذاك سيتحقق للقارئ في حوار شيق، لم يجرِه مع كوكلر صحافي محترف أو إعلامي محنك، وإنما مفكر مغربي مغترِب يعد صديقا كبيرا لتجربة الفيلسوف النمساوي: كان طالبا له أيام الشباب، ترجم أهم أعماله إلى العربية، وهو إلى اليوم متابع دقيق لتحولات مساره في الفكر والفلسفة والحياة. لذلك، من حقه علينا أن نقرأه ونقرأ حواره لنعرف جميعا كيف سيتكلم كوكلر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى